عليك
جمال عبد الناصر.. سلاماً
قد
يكتب الكثيرين عنه وعن توجهاته وفكره، ومهما
قيل وكتب عنه في ذكرى رحيله فسيبقى هناك
كلاماً عنه يقال ونحن نتذكره فكراً ومبادىء
ونضالاً.. إنه الزعيم والرئيس جمال عبد الناصر
رحمه الله.. الذي ستبقى شمسه تعم المنطقة..
فكلماته ما زالت المعبر الأقوى عن الضمير
وطموح كل عربي حر وشريف، بغض النظر عن اختلاف
الآراء والتوجهات التي تلتقي أو تتباين معه
فكلها تصب في يم واحد، ألا وهو يم التحرر من كل
أشكال الاستعمار والعبودية، ومن سيطرة
المعتدين الغاصبين الغزاة في فلسطين
والعراق، وفكره وكلماته وبحة صوته وعباراته
شكّلت عصارة الفكر القومي العربي المعاصر
لأبناء الأمة..
والحرب
ضد الإمبريالية والصهيونية وأعوان الاستعمار
وكل أعداء العرب لم تكن لديه انسياقاً وراء
عاطفة ولا منّة على الآخرين، بل كانت لديه
واجباً يحتمه الدفاع عن النفس، كذلك كانت عند
كل الأحرار والشرفاء من أبناء الأمة
المناضلين الأوائل.
والوحدة
العربية لم تكن عنده حلماً عابراً ولا نزقاً
أو ترفاً فكرياً، ومن تابع أو يعيد متابعة
خطاباته سيجد بأن جمال عبد الناصر قد وضع لها
برنامجاً، ولكن قضاء الله قد سبق قبل أن يتحقق
برنامجه وأمله في الحرية والوحدة
والاشتراكية.. ولله سبحانه وتعالى في ذلك شأن.
فقد
كان يردد دائماً إن الكارثة الكبرى، هي أن
العرب لا يدركون مدى قوتهم، فحينما يحسبون
بالأرقام مدى هذه القوة وقوة الرابطة بينهم
تاريخياً، ودماً ومصيراً، سوف يحسّون بهذه
القوة وسوف يوظفونها للانتقال من واقع
التراجع ورد الفعل إلى حاضر التقدم ومستقبل
الفعل. وفي ذكرى رحيله هذه لا نملك إلا أن
نقارن بين يومه ويومنا.
في
يومنا تمددت حالة الانقسام على الأرض
العربية، ذلك الانقسام الذي فرضته علينا في
الماضي قوى الغدر والعدوان ورفضه وقاومه جمال
عهد الناصر. والفارق بين الماضي والحاضر أن
حالة الانقسام التي فرضها الاستعمار علينا ضد
الطبيعة والتاريخ والإنسان، وجدت من يتصدى
لها، وكان جمال عبد الناصر أحد فرسانها حيث
تصدى ومعه كل الأحرار والشرفاء من الأمة
العربية للمعركة المفروضة وسعى إلى نقل حالة
التمزق والتشرذم إلى توحيد الصف من أجل ضرب
إرادة المستعمرين في المنطقة العربية دون
هوادة.. لأنه كان يمتلك الإدراك الواعي
لمستقبل الأمة بحجم وخطر المؤامرة الداخلية
والخارجية على المستقبل العربي كله، ألم يدرك
بأن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى
للديمقراطية؟ أين حرية الكلمة اليوم في ظل
أنظمة لا تعرف معنى الحرية؟!.. ألم يقل بأن ما
أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، ها هي
الانتفاضة الباسلة في فلسطين المحتلة تضرب
بأيدي أنظمة عربية وتدك بأيد الغزاة، وها هو
العراق قد احتل بمساهمة ومساندة من أنظمة
عربية وأخرى تدعي بأنها إسلامية!.. وتحاول بعض
الأنظمة العربية القضاء على المقاومة
الوطنية العراقية أو تهميشها إرضاء لقوى الشر
المهيمنة على العالم!.
ومن
رحم ذلك الإدراك الواعي للمستقبل العربي
انطلق نداء جمال عبد الناصر في الستينيات من
القرن الماضي لوحدة الكفاح كوحدة استراتيجية
والتي أهم ما فيها كان طلبه إقامة نظام الدفاع
العربي المشترك الذي لم يتحقق حتى الآن ولن
يتحقق في ظل هكذا أنظمة تبعية، ومن ذلك
الإدراك نفسه جاء نداء الوحدة في الهدف
السياسي كسبيل وحيد لازدهار الأمة وحرية
أرضها.
اليوم
في ذكرى رحيله أقول ومن منطلق إدراك الواقع
المرير الحاضر فينا من الخليج العربي حتى
المحيط الأطلسي، إننا أحوج ما نكون لنتمثل
دروس ومبادىء القومية العربية التي كان جمال
عبد الناصر أحد روادها، وأن نبدأ فورا لوقف
الانهيار والتراجع بالعودة للعمل الوحدوي
وتوحيد الصف العربي ضمن الإطار السياسي
الاستراتيجي وما تبقى يأتي تباعاً، لأن هذه
الوحدة كفيلة بتبديد ظلمة الليل العربي
والحفاظ على التراب الوطني والقومي المقدس في
فلسطين وفي العراق كما في باقي الأراضي
العربية المحتلة، إن في لواء الاسكندرون أو
في سبتة ومليلة أو عربستان أو في الجزر
العربية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو
موسى.
و
بانتظار التوصل إلى وحدة الهدف القومي لكل
الأحرار والشرفاء من أبناء الأمة في كل مكان،
يكفينا فخراً بأنه ما زال هناك أملاً كبيراً
يلوح في الأفق وهو تزايد المؤمنين بقومية
المعركة ووحدة المصير من الأجيال التي لم
تعايش فترة الانتصارات التي تحققت في
خمسينيات عصر القومية العربية الذهبي من
القرن الماضي، والانتصارات الجديدة التي
تحققها انتفاضة شعب فلسطين المناضل
والمقاومة العراقية الوطنية الباسلة التي
ستدك عروش الخونة أعوان الاستعمار الصهيو-أمريكي
وكل المتاجرين بشعارات الوطنية والقومية.
وفي
انتظار شروق الشمس الآتية من بعيد على الأرض
العربية لا أملك غير أن قول وعليك جمال عبد
الناصر.. سلاماً.