مستر
هوش في الجامعة العربية
بثينة
الناصري/كاتبة من العراق تقيم في القاهرة
إذا
رجعنا إلى اصل المسألة لوجدنا أنها أولا
وأخيرا مسألة أرقام. هل تؤمنون بالبخت؟ شيء من
هذا القبيل حدث لنا. فلسبب نجهله حتى الآن لعب
الرقم (9) دورا مشؤوما في حياة العرب.
لا اقصد اختيار 9 رؤساء للعراق فهذه محنة
أخرى، ولكن تأملوا.. في 9 نيسان/إبريل سقطت
بغداد وفي 9 أيلول/سبتمبر سقطت الجامعة
العربية.
سقوط واحد واحتلال واحد ومحتل واحد وكلنا في
مركب واحد. لهذا نرجو ألا نسمع بعد الآن لوما
وتقريعا للعراقيين حول كيف ذاب الجيش، ومن
خان من، ومتى تمت الصفقة. على الأقل في 9 نيسان/إبريل
كان العراق وحده في الميدان، أما في 9 أيلول/سبتمبر
فقد كانت هناك 21 دولة عربية لم تستطع ان تحوش
مستر (هوش) من ان يبرك على مقعد العراق الخالي.
كان قد صدر الأمر من الباب العالي منذ أيام
وقضي الأمر وهبط المستر في براشوت أمريكي على
سطح الجامعة العربية حتى قبل ان يتخذ الوزراء
العرب قرارهم لذر بعض الرماد في بعض العيون.
هناك شيء سحري أو قدري في مسألة الرقم (9) ولهذا
يجب ان نخفف اللوم عن الوزراء العرب في ذلك
اليوم المشؤوم التاسع من الشهر التاسع (يعني 9
مضاعفة) فلا عجب ان انعقدت الألسن وغشيت
الأعين وداهمهم دوار خفيف. ولما أفاقوا وجدوا
مستر (هوش) بشحمه ولحمه جاثما على مقعد العراق
يرفرف أمامه علم صدام حسين لأن الوقت لم يسعفه
ليأتي بعلم الحزب الوطني الديمقراطي
الكردستاني الذي لا يعترف مستر (هوش) وعشيرته
بغيره ولا يرفعون سواه في ولاية كردستان
الفدرالية، ومن البديهي وللأمور الشكلية
والبروتوكولية وبسبب المصورين المشاغبين
والصحافيين الموتورين لم يكن مناسبا في هذا
التوقيت بالذات إحضار العلم الأمريكي.
نقل مستر (هوش) عينيه في وجوه الوزراء العرب
حوله واحدا واحدا ناثرا عليهم ابتسامته
الطفولية المرحة والمرسومة وهو يقول في داخله
(أوكي.. يا أولاد.. العرب، أنا الوحيد بينكم
صناعة أمريكية متينة مئة بالمئة. يعني بشهادة
الأوزو العالمية فائق الجودة والنقاوة وظهري
مسنود على احدث أنواع الدبابات الأمريكية
وليس الدبابات الخردة التي يبيعونها لكم. ومن
أسباب عزتي وفخري أن رئيسي المباشر أمريكي
ورئيسه أمريكي ورئيس رئيسه أمريكي حتى تاسع
ظهر. أوقي.. يا عرب! انتظروا حتى نريكم من صاحب
الكلمة هنا).
نسيت ان أقول لكم ان (هوش) اختصار (هوشي أر)
السني الكردي الذي لمع نجمه حين لعب دور
المذيع المترجم في المسرحية الهزلية (مجلس
الحكم الانتقالي) إبان افتتاحها على مسارح
بغداد في 13 تموز/يوليو الماضي. وقد اختاره
وزير خارجية العراق (ديفيد دانفورد) ليلعب
خيال ظله في الحكومة الخشبية الجديدة بسبب
اسمه، فقد وجده طريفا وفيه موسيقي ولكن
بالدرجة الأولى أراد ان يغيظ به الأعضاء
العرب في الجامعة العربية الذين سيشعرون
بالإحراج كلما نجحوا في نطق اسمه كاملا. وقد
اعتاد (دانفورد) أن يحييه كلما رآه في أروقة
الجناح الباقي السليم من وزارة الخارجية
العراقية بقوله (هاي.. هوش) فسارت مثلا بين
الركبان. المشكلة في وجود مستر (هوش) في بيت
العرب ليس انه كردي يمثل دولة عربية في جامعة
لدول عربية فالرجل يتكلم العربية كأنه واحد
من أبنائها، وهذا افضل من ان يرسلوا أمريكيا
يتحدث لغة عربية مكسرة (مثل تلك التي يترجمون
بها خطب الرئيس بول بريمر على موقعه في
الإنترنت) فتكون فضيحة حقيقية. ثم ان اختيار
كردي ضرورة لا بد منها لأن الأكراد يفتقدون
تلك الحساسية الموجودة لدى العرب في التعامل
مع الكيان الصهيوني وقد سبق لهم التعامل
المباشر معه في كل المجالات.
هناك مشكلتان ـ أيها السادة ـ الأولى هي
التصويت: اقصد انه إذا سمح لمستر (هوش) ان يدلي
بصوت حكومته في القضايا العربية الشائكة، ففي
هذه الحالة سيضطر العرب إلى الانتظار وقتا
طويلا قبل ان يتمكنوا من التصويت على أية
قضية، يعني وجود مستر (هوش) سيبطئ العملية
التي هي بطيئة أصلا، لماذا؟ لأنه لا بد ان
يرجع إلى حكومته لاتخاذ القرار. سوف يجري
مكالمة دولية إلى وزيره دانفورد الذي سيرفع
الموضوع إلى رئيس الدولة بول بريمر الذي
بدوره سيتصل برئيسه المباشر رامسفيلد في
البنتاغون الذي سيحاول ان يبذل قصارى جهده
ليعثر على بوش الصغير وهو يلعب في أحد
منتجعاته أو في إحدى حروبه الكونية، قبل ان
يصدر القرار الذي سيأخذ نفس المسار عائدا إلى
سلطة التحالف في بغداد ومن ثم إلى مستر (هوش)
وهو جالس يطرقع أصابعه الناعمة الغضة ويوزع
ابتساماته على الوجوه المتجهمة للوزراء
العرب وهو يقول معتذرا (المسألة محتاجة شوية
صبر. تعرفون خطوط الاتصال صعبة مع حكومتي بسبب
جرائم النظام البائد الذي كان مهتما بحفر
القبور الجماعية اكثر من اهتمامه بحفر كابلات
التليفونات).
والمشكلة الثانية: هي الحفلة بطبيعة الحال.
وهذا يعيدنا إلى الرقم (9) المشؤوم. لعلكم
تسألون ما علاقة الرقم بالحفلة؟ إنها حفلة
الذكري الأولى ليوم الاحتلال في 9 نيسان/إبريل..
هل نسيتم؟ عما قريب سيبدأ مستر (هوش) في توزيع
دعوات الاحتفال الذي سيقام في حديقة دار
السفير العراقي أو في أحد الفنادق الكبرى،
وسيضطر العرب إلى ابتداع مبررات ركيكة أخرى
لحضور الحفلة (عليهم التفكير بذلك منذ الآن)
إذا شئنا أم أبينا سيكون على المندوبين
الدائميين والسفراء العرب التقاطر أفواجا
أفواجا ومن كل فج عميق يحدو ركبهم أمل
الجماهير العربية الأمين العام للجامعة (الذي
صرنا نحبه ونحب اسرائيل) مرددين النشيد
القومي الرائج هذه الأيام (كي لا يعزل العراق)
وسيكون في استقبالهم طبعا كبار القوم
والأصدقاء والجيران وتحالف الراغبين
والمكرهين والممتنعين وكل من قرت عينه بيوم
الاحتلال. ولأن الحفل كبير وخطير والمعازيم
من كل أجناس الأرض فإن إدارة شؤون الحفل
والأكل والمشاريب سوف يعهد بها لشركة أمريكية
مختصة بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب وهي
مقاول من الباطن لشركة السيد بول بريمر
الأمنية.
ولا يخفي على الأريب علاقة الإرهاب بالكباب..
اقصد بالحفلة. فالاحتياط واجب لأن الأمر لا
يخلو من احتمال تسلل بعض فلول صدم أو إرهابيين
عرب قد يخترقون حدود السفارة من الأحياء
المجاورة وفي خططهم الشريرة إفساد الحفلة!
وإذا حدث مثل هذا الاحتمال فكن على يقين من ان
مستر (هوش) سوف يظهر في اليوم التالي على شاشات
الفضائيات العربية مكتنزا ومبتسما (رغم كل ما
حدث) وسيوضح للمذيع الجاهل الفرق بين
المقاومة والإرهاب.
سيقول معالي الوزير (هوش) (أنا لا اسمي تخريب
البنية التحتية للحفلة مقاومة، يعني هل تفجير
زجاجات الشمبانيا.. مقاومة؟ هل تلويث الكوشير
طعام حلفائنا المدعوين.. مقاومة؟).