الشجاعة أن تكون عاقلاً

احمد العربي

بحسب ما تورد الأخبار من العراق في كل يوم هناك أكثر من جندي أمريكي تتحول بدلته المرقطة إلى كفن.. مع العلم أن ما تتوارده الأخبار هو الشيء القليل مما لا تنقله بسبب ظروف وطبيعة المقاومة الوطنية العراقية التي لا تقدر لظروف عملياتها أن تصل إلى الإعلام لينقل بياناتها كلها عن عدد قتلى علوج الغزاة بقيادة الصهيو-أمريكية. هذا إذا أخذنا في الحسبان أن عدد عمليات المقاومة الوطنية العراقية لا يقل عن (13) عملية ضد الغزاة بحسب اعترافات المندوب السامي الصهيو-أمريكي (الجنرال بريمر) وقيادات علوج الغزاة في السيلية، وكما ذكرت مصادر بريطانية إعلامية عن أن عدد قتلى علوج الغزاة يتم دفنهم في أماكن مختلفة من صحراء العراق لأنهم مرتزقة ولا يحملون الجنسية الأمريكية..

وكذلك هناك في كل يوم أكثر من ثلاثة جنود أمريكيين تأخذهم النقالات إلى أقرب المستشفيات الميدانية في بغداد والرمادي أو إلى الكويت..

وبذلك يمكن التأكيد بأن هناك يومياً أكثر من عشرين عملية قتالية موجهة لأكثر من عشرين هدفاً أمريكياً.. هذا هو المشهد  في العراق المحتل اليوم.

وما لم ترصده مراكز البحوث والعلوم وكل المراكز السيكولوجية وكافة أقمار التجسس وأجهزة التنصت وأجهزة الاستخبارات الأمريكية و(الموساد) والبريطانية العاملة في العراق المحتل، هو حالة الإحباط والخوف والانكسار التي تسيطر على الجندي الأمريكي والبريطاني قبل غيرهم من قوات الاحتلال في العراق لذلك تنقل عنهم وكالات الأنباء حلة الذعر عندما يبدأون بإطلاق النار إذا حف ورق النخيل لنسمة عابرة.

لذلك أصبح الجندي الأمريكي يرى كل عراقي مشروع محارب.. وكل سيارة عراقية كمشروع قذيفة (آر .بي .جي) وكل عمود كهرباء عراقي كمشروع عبوه ناسفة.

لقد أصبح الجندي الأمريكي لا يتصور شيئاً في العراق إلا الموت الذي قد يطلع عليه من وراء الجدران أو من داخل شجرة أو من تحت الرصيف.

وأمام هذه الضربات العنيفة والموجعة لم يعد ممكناً لأمريكا أن تنفخ ريشها.. كما كانت.. ولم يعد ممكناً لها أن ترفع صوتها على العالم كما كانت  فالأشياء قد تبدّلت.

لقد كانت أمريكا تضرب العراق بصواريخ (كروز) وبالقاذفات العملاقة من طراز ( بي - 52) وبالقنابل التي أسموها بـ(الذكية) ولكن قيادتهم الغبية لم تعش حرب فيتنام سوى على الورق ولن تعرف معنى حرب المدن إلا من خلال المحاولات الخرقاء التي يقوم بها الصهاينة في فلسطين المحتلة، على الرغم من تدريبهم على حرب المدن وإعطائهم الأوامر بالضرب بيد من حديد وأن يقتلوا الصغير قبل الكبير، كي يدب الرعب في نفوس الكبار، لذلك أسموا عدوانهم (الصدمة والرعب) إلا أن التدريب شيء والواقع المرير الذي يعيشه العسكري الأمريكي في العراق شيء مختلف كلياً، فهم لم يعرفوا تاريخ الفلوجة وتاريخ الموصل والرمادي البطولي خلال فترة العشرينات من القرن الماضي، ولو سألوا خبراء الجيش البريطاني على الأقل كانوا عرفوا أن رشاش الكلاشنكوف والبندقية الـ(12) و(المولوتوف) والقنابل اليدوية، وغير ذلك من صناعات محلية وأهمها الاستشهاديين كل ذلك أهم وأفضل من كل ما صنعته مصانع الحرب وآلات الدمار الأمريكية..

اليوم عندما يتباكى بوش الصغير وعصبة أشرار إدارته وفي مقدمهم تلك الـ(رايس) وباول الذين نزحوا من أفريقيا إلى أمريكا بحثاً عن الكرامة التي لم يجدوها بعد، فتارة نسمع بوش الصغير يهدد وتارة يتوعد كما تفعل تلك الـ(رايس) تهدد وهكذا يفعل باول كحمامة مذبوحة.. وفي الوقت نفسه يستجدون العالم لتخليصهم من المستنقع الذي سقطوا به، وها هم اليوم يريدون إرسال المزيد من القوات الخاصة التي تقدر من أمريكا بعد أن رفض بوش وعصبته الاعتراف بفشلهم بعد أن أصبحت حنفية الدم الأمريكي مفتوحة في كل مكان من العراق.. وبعد أن أصبحت أمريكا غارقة حتى رقبتها في الوحل العراقي تجّدف بيدين متعبتين وتصرخ طالبة النجدة من العالم الذي لم تكن  تنظر إليه حتى بربع عين.

الآن بات على إدارة الشر الصهيو-أمريكية أن تتخلى عن (المكابرة) وتترك العراق للعراقيين.

وبات الآن على هذه الإدارة الشريرة أن تعترف بشجاعة بالهزيمة لأن الشجاعة ليس أن تملك القوة التكنولوجية وتقصف بعشوائية وتدك المنازل وترفع السواتر الإسمنتية أمام فندق فلسطين في بغداد فهذا دليل خوف وجبن، لأن الشجاعة تعني أن تكون عاقلاً.. وهذا أفضل ما يمكن أن تقوم به أمريكا اليوم لإيقاف النزيف اليومي والمستمر، وقفل صنبور الدم الأمريكي الذي ينزف كل يوم على رصيف العراق فمن حق شعوب أمريكا أن تضغط على إدارتها الشريرة كي لا تمارس المزيد من الحماقة.. فهل يوجد عقلاء في أمريكا لتحقيق ذلك لصالحهم ولصالح البشرية؟!.. وكما نقول هذا الكلام على أمريكا كذلك فإنه ينطبق على حكومة أستراليا التي لا ناقة لها ولا فائدة من مشاركتها في عدوان قوى الشر وغزوهم لعراق الحضارات والتاريخ.. أما بريطانيا فإن العقلاء فيها فهم يتحركون منذ ما قبل العدوان الهمجي وبدأت ثمار زرعهم تنضج وقريباً يذوب الثلج ويظهر المرج.