إذا
كان عمل تيسير علوني الصحافي إرهابيا
فماذا
يسمى احتلال سبتة ومليلة وليلى؟
يحيي
أبو زكريا/كاتب من الجزائر يقيم في السويد
في
الوقت الذي تتبجّح فيه بعض الدول الغربية
باحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان وعدم
الانسياق وراء المسلكيّة الأمنية في التعامل
مع كثير من القضايا، وفي الوقت الذي تعلن فيه
أنّها تختلف جملة وتفصيلا عن المنظومات
السياسية والأمنية في العالم العربي، إلا
أنّها وفي ممارساتها تكاد تشبه أخسّ الدول
المتوحشّة في عالمنا العربي والإسلامي لجهة
التعاطي مع الإنسان وأفكاره.
وهذه المقدمّة تنطبق تماما على إسبانيا التي
أقدمت على اعتقال الصحافي الإسباني السوري
الأصل تيسير علوني بأدلة لا ترقي إلى مستوي
الأدلة الواقعيّة الملموسة والمادية متهمّة
إيّاه أنّه كان على صلة بتنظيم القاعدة بدون
دليل اللهم إلاّ استنادا على بعض المكالمات
واللقاءات كان قد أجراها علوني بأعضاء في هذا
التنظيم وذلك لغرض مهني بحت، إذ لا يعقل أن
يسعى للكتابة عن هذا التنظيم وهو بعيد عنه
وتصوراته وأفكاره، وفي تاريخ الصحافة
العالمية قصص كثيرة مشابهة لقصّة تيسير علوني
الذي وقع ضحية مؤامرة دولية قوامها واشنطن
وتل أبيب ومدريد وبعض الدول الغربية والعربية
على السواء، فأمريكا لم تعاقب عشرات
الصحافيين الأمريكيين الذي عاشوا بين
ظهرانيي الثورة الفيتناميّة وكتبوا عن هذه
الثورة من داخلها، بل إنّ بعضهم عاش في الكهوف
وتحت الأرض مع الثوار الفيتناميين الذين
كانوا يلحقون بأمريكا وقواتها العسكريّة
ضربات موجعة وقد عاد هؤلاء الصحافيون إلى
بلادهم وكتبوا عن مشاهداتهم اليومية في أرقي
الصحف الأمريكية، و هناك عشرات الصحافيين
الفرنسيين عاشوا في كنف الثورة الجزائرية في
أوج قوتها وإلحاقها أقوي الضربات بالجيش
الفرنسي في الجزائر، وقد كانت فرنسا تسمي جيش
جبهة التحرير الوطني الجزائري الذي قاد
الجزائر إلى الحريّة بالجيش الإرهابي
والظلامي المتوحّش وما إلى ذلك من التسميات،
وقد تمكنّ هؤلاء الصحافيون من كتابة أروع
الكتب والمقالات عن الثورة الجزائرية وساهم
بعضهم في إنتاج أفلام تاريخية عن الثورة
الجزائرية ما زالت تشكل مرجعا في فهم الكثير
من التطورات التي أحاطت بالثورة الجزائرية.
وهناك عشرات الصحافيين تسللوا إلى الثورة
الكوبية وعاشروا شي غيفارا وبعضهم أقترب من
أدولف هتلر وهو الإرهابي الخطير في العرف
الأوروبي، و لا أحد كان يحاكم هؤلاء أو يتهمهم
بالإرهاب باعتبار أنّهم يؤدون وظيفتهم والتي
تقوم أسسها على جواز الاتصال بالشيطان إذا
اقتضت الضرورة الحصول على معلومة تفيد الرأي
العام وتخدم الحقيقة التي ينشدها الإنسان في
مطلقه، ولأنّ الصحافي القدير يملك تقنية
وطريقة معينة في الوصول إلى المعلومة فقد بات
رجال الأجهزة الأمنية يخطبون وده لمعرفة
منحنيات هذه القضية هنا وهناك، و يبقي الشريف
المحافظ على مبادئه وقدسية المهنة هو الذي لا
يتورّط مع مثل هذه الأجهزة، والواقع أن لا فرق
بين عمل رجال الصحافة ورجال المخابرات
فكلاهما يبحث عن المعلومة، غاية ما هناك فإنّ
الصحافي يحصل على المعلومة ويبلّغها للرأي
العام، ورجل المخابرات يحصل عليها بطريقته
الخاصة ويبلّغ دوائر قرار ضيقة توصلها إلى
الدوائر العليا وهكذا وتظلّ المعلومة حبيسة
دوائر ضيقة الشيطان لا يعرف ماذا يدور
داخلها، وعندما يعجز رجل المخابرات في الوصول
إلى المعلومة لأنّ عنوانه مخيف والكل يتوجس
منه خيفة فإنّه يلجأ إلى الصحافي القدير
ليستأصل منه المعلومة عبر قاعدتي الترغيب
والترهيب، وهذا ما جري مع تيسير علوني
الصحافي الذي تمكنّ من مقابلة بن لادن
وبسهولة في وقت وضعت فيه المخابرات المركزية
الأمريكية مليارات الدولارات لمعرفة مكانه!
وحتى بعض الصحافيين الغربيين الذين جرى
اعتقالهم في الغرب بتهمة الاتصال بجماعات
إرهابية أو ثورات إرهابيّة جري إطلاق سراحهم
وبرئّوا من التهم المنسوبة إليهم، ففي أواسط
الخمسينات اعتقلت الأجهزة الأمنية الفرنسية
الكاتب الفرنسي روبر بارا الذي كتب العديد من
التحقيقات عن الثورة الجزائرية حيث تسني له
أن يقابل قادة الثورة الجزائرية ونشر
تحقيقاته في صحيفة (تموانياج كريتيان)
واعتقلته الأجهزة الأمنية الفرنسية في فرنسا
وطالبته بالكشف عن كل معلوماته وما يعرفه عن
الثوّار الجزائريين وأهتزّ الرأي العام
الفرنسي لهذه المهزلة، وأطلق سراحه و برئ من
التهم المنسوبة إليه وهي الاتصال بإرهابيين.
والشيء نفسه حدث لجورج أرنو الكاتب والمخرج
الفرنسي صاحب كتاب ثمن الخوف والذي حولّه إلى
فيلم أيضا وفيه يدين فرنسا ويميط اللثام عن
حقيقة حرب الجزائر، وقد جري اعتقاله بنفس
الحجّة وما فتئت السلطات الفرنسية أن أطلقت
سراحه.
وعندما استمات الفيلسوف الفرنسي جون بول
سارتر في الدفاع عن الثورة الجزائرية، عرضت
الأجهزة الأمنية على الرئيس الفرنسي شارل
ديغول اعتقاله، فقال كلمته المشهورة:
لن أسمح بسجن فولتير في عهدي.
وهناك عشرات المحاكمات جرت لصحافيين تمكنوا
من محاورة أعداء حكوماتهم ومناوئهم ثمّ برئّت
ساحتهم، لأنّ ما يقوم به هؤلاء الصحافيون هو
من مقتضيات العمل الصحافي الذي قد لا تستسيغه
ولا تتفهمه الأجهزة الأمنية المتعودّة على
الكتمان المطلق والسرية الكاملة.
وإذا كان عمل تيسير علوني الصحافي يعّد
إرهابا وتواطؤا مع إرهابيين! فماذا يسمى
احتلال إسبانيا لجزيرتي سبتة ومليلة وجزيرة
ليلى أو الباقدونس!
أليس إرهابا أن تستولي دولة بقواتها العسكرية
على جغرافيا ليست لها، بل تقر كل المواثيق
والشواهد التاريخية والأدلة المادية أنّها
أراضي مغربية قلبا وقالبا، ورغم كل المحاولات
التي بذلتها إسبانيا لفصل المغاربة سكان سبتة
ومليلة عن أصالتهم المغربية لم تفلح في ذلك.
سبتة ومليلة مغربيتان اسما ومسمى، شكلا
ومضمونا، فعلام تمارس إسبانيا الإرهاب في
الاحتفاظ بهما، وبمجرد أن حاولت الرباط
التأكيد على مغربية جزيرة ليلى تحرّك الجيش
الإسباني في سابقة خطيرة تذكّر بغزو إسبانيا
لبلاد المغرب العربي قبل قدوم الأتراك إلى
هذه المنطقة.
وباسمي كصحافي جزائري أطالب إسبانيا بردّ هذه
الجزر وفورا للمغرب، ولتقارن إسبانيا ورئيس
وزرائها خوسيه ماريا أثنار بين أفعال تيسير
علوني وأفعالها الاستعمارية ولتجب عندها: أيّ
الأفعال تندرج في سيّاق الإرهاب!