الليونة
الأميركية
مجرد تكتيك لا ينطوي على
تنازلات
المحور
الألماني الفرنسي يؤكد ثوابته ويرسخ دوره
عربياً ودولياً
رياض
أبو ملحم/كاتب من لبنان يقيم في باريس
(الليونة)
النسبية التي أبدتها الإدارة الأميركية
أخيراً، فيما يخص الملف العراقي، لم تخف واقع
الارتباك الذي تعانيه سياساتها الراهنة من
جراء الضغوط الشديدة التي تتعرض لها قواتها
في العراق، فضلاً عن الحملات السياسية
الداخلية المضادة التي تستهدف ـ خصوصاً ـ (صقور
البنتاغون) وعلى رأسهم وزير الدفاع دونالد
رامسفيلد وكبار معاونيه.
ذلك
ان المحاولات التي يقودها حالياً، وزير
الخارجية كولن باول، لإصلاح (بعض) وليس (كل) ما
أفسده "الآخرون" ـ بعدما باتت الإدارة
الأميركية كلها داخل مأزق الحرب المفتوحة ـ
تنطوي على تنازلات شكلية، أو جزئية فقط، ما
يجعل من هذا التعديل المفاجيء مجرد تفسير في
التكتيك، ليس اكثر. بيد أن الأمر متوقف، في
نهاية المطاف، على طبيعة التطورات الميدانية
التي ستشهدها الساحة العراقية خلال الأشهر
القليلة المقبلة، من جهة، وعلى مستوى الضغط
الأميركي الداخلي الذي يسبق انتخابات
الرئاسة، من جهة ثانية.
فمشروع
القرار الذي قدمته الإدارة الأميركية إلى
مجلس الأمن يقضي بتوزيع أعباء الوضع في
العراق، عسكرياً ومادياً (إعادة الإعمار)،
على مختلف دول العالم، بدلا من ان يظل من
مسئولية الولايات المتحدة وحدها. وهو بذلك لا
ينطوي على أي معنى من معاني التنازل أو
المشاركة الفعلية التي يطالب المجتمع
الدولي، الإدارة الأميركية، بالخضوع لشروطها
ومستلزماتها.
فضلاً
عن ان الدور المقترح للأمم المتحدة، في هذا
المشروع، وإن سمي دوراً (أساسيا) لإرضاء
المعترضين، ظل مقتصراً على الاهتمام
بالقضايا الإنسانية، والاضطلاع ببعض
الاتصالات السياسية الرامية لتحقيق الوفاق
بين القوى العراقية والتمهيد لتشكيل
المؤسسات الدستورية التي تحدد شكل النظام
العراقي المقبل ومضمونه. وهذا لا يختلف عما
كان معمولاً به من قبل، وحتى الفترة التي وقع
فيها الاعتداء على مقر الأمم المتحدة في
بغداد وأنهى الوجود الفعلي للمنظمة الدولية.
وقد
كشفت الاتصالات والمناقشات التي دارت بين
الإدارة الأميركية وحكومات عدد من الدول التي
تقف والولايات المتحدة على طرفي نقيض، في
الموضوع العراقي وغيره، لاسيما فرنسا
وألمانيا وروسيا والصين، ان ثمة تباعداً
عميقاً بين الطرفين لم تفلح محاولات كولن
باول ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في
تقريبه.
وبرز
هذا التباعد في اجتماع جنيف الذي عقده وزراء
خارجية الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في
مجلس الأمن بحضور أمين عام الأمم المتحدة
كوفي عنان. ثم توضحت أبعاده بصورة جلية في
الاجتماع الثنائي الذي عقد في برلين الأسبوع
الماضي بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك
والمستشار الألماني غيرهارد شرودر، وبعد ذلك
في القمة الثلاثية التي عقدت في برلين أيضا
وضمت الرئيس شيراك والمستشار شرودر ورئيس
الوزراء البريطاني توني بلير.
الموقف
الفرنسي ـ الألماني
ويتلخص
الموقف الفرنسي ـ الألماني في ثلاث نقاط
رئيسية:
ـ
النقطة الأولى: الإسراع في تسليم السلطة إلى
العراقيين، ووضع روزنامة تحدد تماماً مراحل
التسليم.
ـ
النقطة الثانية: ايجاد دور محوري للأمم
المتحدة في إعادة إعمار العراق، وفي تثبيت
سلطة عراقية مستقلة، حتى يمكن إنهاء الاحتلال
الأميركي للعراق ضمن فترة زمنية قصيرة.
ـ
النقطة الثالثة: رفض إرسال قوات محاربة إلى
العراق، والاكتفاء بتقديم مساعدات فنية
ولوجستية للقوات الأمنية العراقية التي
يفترض ان تتولى زمام الأمور في البلد، بدلا من
القوات الأجنبية كلها.
وفي
هذا المجال أعلن الرئيس الفرنسي "ان
المقاربة الأمنية بالكامل للمشكلة العراقية
لا تتيح التوصل إلى حل، بل على العكس من ذلك،
فهي تشجع ظاهرة خطيرة جداً: ظاهرة المقاومة ضد
الاحتلال".
وشدد
الرئيس شيراك، في جميع التصريحات التي أدلى
بها، على ضرورة تسليم السلطة إلى الشعب
العراقي "خلال اشهر.. وليس خلال سنوات".
كذلك
أعرب وزير الخارجية الفرنسي دومينيك
دوفيلبان عن أمله في وضع برنامج زمني يتضمن
مراحل العملية الدستورية، على ان توضع مسودة
النص قبل نهاية السنة، فتجري الانتخابات
النيابية في أسرع وقت ممكن، وبحلول ربيع
العام 2004 ينتهي كل شيء، وأضاف موضحا: وبعدما
يستعيد العراق سيادته يمكن الدعوة لعقد مؤتمر
دولي من اجل البحث في مجمل المشاكل المرتبطة
بإعادة إعمار البلاد.
والقصد
من ذلك، كما تشير هذه التصريحات، ان يكون
للسلطة العراقية المستقلة الكلمة الأولى في
كل ما يتعلق ببناء العراق وفق الأسس التي يطمح
إليها المجتمع الدولي، وكذلك الشعب العراقي.
أما
بالنسبة للجانب الأمني، فقد أوضح وزير
الخارجية الفرنسي ان "الأمر المهم بالنسبة
لنا ليس زيادة عدد الجنود على الأرض، وإنما
وضع إطار لعملهم بتفويض واضح من الأمم
المتحدة يعزز بتقارير منتظمة وتفصيلية ترفع
إلى مجلس الأمن".
بيد
ان الإدارة الأميركية التي تصف الاقتراحات
والأفكار الفرنسية بأنها غير واقعية، ترفض كل
الدعوات الرامية لنقل السلطة الكاملة إلى
العراقيين، بذريعة ان أوضاع العراق الحالية
لا تسمح بذلك.
وفي
مقابل المطالبة الفرنسية ـ الألمانية بجدول
زمني ملزم، في ما يتعلق بالعملية الدستورية،
تستخدم الإدارة الأميركية تعابير عمومية مثل:
"في الوقت المناسب" أو "في اقرب فرصة"
أو "في أسرع وقت ممكن" ثم أضاف إليها كولن
باول مصطلحا دبلوماسيا جديدا مفاده "إن
الأفكار المعروضة جديرة بالاهتمام لكنها غير
قابلة للتحقق"!.
الهروب
إلى الأمام ماذا يعني كل ذلك؟
يقول
بعض المحللين ان الإدارة الأميركية، برغم
المعاناة الشديدة لقواتها في العراق، مازالت
تأمل بتحسين الأوضاع واستعادة المبادرة، ما
يجنبها الخضوع لشروط التعاون التي تحاول
فرنسا وألمانيا وروسيا والصين فرضها، حتى لو
تأجل التصويت على القرار الأميركي في مجلس
الأمن، وترى واشنطن، على ما يبدو، ان ذلك يمكن
ان يتحقق عبر ممارسة مزيد من الضغوط في
اتجاهات ثلاثة:
1
ـ الاتجاه الأول، في الداخل العراقي، بتشديد
الملاحقات ضد العناصر المحسوبة على النظام
العراقي السابق، وأولئك الذين تقول السلطة
الأميركية انهم يتسللون من الخارج بهدف إيذاء
القوات الأميركية.
2
ـ الاتجاه الثاني: سوريا، وذلك بهدف حمل
السلطات السورية على تشديد المراقبة على
حدودها مع العراق التي تمتد نحو 800 كيلومتر
وبالإضافة إلى التهديدات التي توجهها
الإدارة الأميركية إلى دمشق، على لسان الرئيس
جورج بوش ووزير الخارجية كولن باول وبعض
وسائل الإعلام الأميركية.
فقد
استأنف الكونغرس الأميركي مناقشة ما أطلق
عليه اسم (قانون محاسبة سوريا) وهو القانون
الذي يتجدد طرحه بين حين وآخر أما بتحريض من
اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، أو من
قبل صقور الإدارة الأميركية نفسها، وتشهد
العاصمة الأميركية حاليا فصلا كاملا من عملية
التحريض والضغط على القيادة السورية وسط حملة
إعلامية ضارية.
3
ـ الاتجاه الثالث: ايران إذ تعتقد الإدارة
الأميركية ان العديد من عناصر (القاعدة)
تسللوا إلى العراق عبر الحدود الايرانية التي
تمتد نحو ألفي كيلومتر، كما ان الأجهزة
الايرانية تلعب دورا تحريضا معاديا للولايات
المتحدة داخل العراق.
من
الواضح الآن ان ابرز وسائل الضغط التي
تمارسها الإدارة الأميركية ضد ايران، تتمثل
بتحريض الوكالة الدولية للطاقة الذرية من اجل
حمل طهران على توقيع البروتوكول الإضافي
الملحق بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة
النووية، للسماح بعمليات تفتيش مباغتة
لمنشآتها النووية، وبالفعل فقد أدت عملية
التحريض المتواصلة إلى توجيه الوكالة، في آخر
اجتماع لها في فيينا الأسبوع الماضي، إنذاراً
إلى ايران "ينتهي في 31 تشرين الأول/أكتوبر
المقبل" للموافقة على البروتوكول الإضافي
والخضوع لكل شروط التفتيش.
ولكن
لم يكن من الممكن لهذا القرار ان يمر لولا
انضمام الدول الأوروبية وروسيا إلى الموقف
الأميركي في الضغط على طهران، وذلك بحجة ان
ذلك يقطع الطريق على تدخلات أميركية لاحقة،
على غرار ما حدث في العراق، ويجنب المنطقة
والعالم كله مشكلة جديدة، اكثر خطورة.
وتجد
ايران نفسها محرجة إزاء قرار الوكالة الدولية
للطاقة الذرية، إذ ان رفض الإنذار يعرضها
لعواقب وخيمة، بينما تحويل القضية إلى مجلس
الأمن الدولي واحتمال فرض عقوبات اقتصادية،
وبالمقابل، فإن الاستجابة لمضمون هذا القرار
ـ الإنذار، يلغي القواعد الأساسية لمفهوم
السيادة الوطنية، حيث يتيح لفرق التفتيش
التابعة للوكالة الدولية إمكانية الدخول إلى
الأراضي الايرانية في أي وقت تشاء ومداهمة
المنشآت النووية والاطلاع على تفاصيل
الأنشطة التي تمارسها.
وفي
مختلف الأحوال، فإن ايران تواجه اليوم مأزقاً
حقيقياً في ما يتعلق بحسم هذه المسألة، لأن
الولايات المتحدة خصوصاً، ثم دول الاتحاد
الأوروبي التي مارست ضغوطاً شديدة على ايران
لحملها على الانصياع لقرار الوكالة الدولية
للطاقة الذرية، لا تترك لها فرصة اختيار موقف
متوازن تواجه به هذه الأزمة.
من
دون ان تفقد حريتها بالنسبة لالتزام خياراتها
الوطنية الأساسية ولكن مع ذلك، ثمة من يرى ان
ايران، التي تملك أوراقاً عديدة وقوية في
العراق وفي أفغانستان، وخصوصاً في مجال
مكافحة الإرهاب، لن تخضع بسهولة للابتزاز
الأميركي، بل سترد بضغوط مماثلة.. إذا ما وجدت
نفسها محاصرة كلياً ومهددة، بهذا القدر أو
ذاك.
تصعيد
العنف في المنطقة
على
ان المفارقة البارزة في المسألة الايرانية،
هي ان الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفضت ـ
في ذات الوقت الذي وجهت فيه الإنذار إلى ايران
ـ مشروع قرار تقدمت به جامعة الدول العربية
يطالب "اسرائيل" بتوقيع معاهدة حظر
انتشار الأسلحة النووية وفتح منشآتها
النووية أمام عمليات التفتيش الدولية.
ويعكس
هذا الموقف سياسة "الكيل بمكيالين" التي
تمارس على المستوى الدولي تحت عناوين مختلفة.
فمصادر المعلومات كلها تؤكد امتلاك "اسرائيل"
ترسانة نووية ضخمة، بينما هناك شكوك ـ مجرد
شكوك ـ في شأن سعي ايران لتطوير برنامجها
النووي.
حيال
ذلك، يتفق المحللون على ان السياسات
الأميركية المتبعة سترفع من مستوى العنف في
المنطقة، ما يضع الجميع أمام مرحلة خطيرة
جداً. فإدارة بوش لا تكتفي بتعطيل الجهود
الدولية الرامية لإنقاذ العراق من ورطته
الراهنة، برغم الثمن الباهظ الذي تدفعه
الولايات المتحدة مقابل التمسك بمشاريع
التوسع الجنونية لصقور (البنتاغون)، بل هي
تشجع على تصعيد العنف في بؤرة الصراع
الرئيسية: فلسطين، عن طريق دعم الاحتلال "الاسرائيلي"
للأراضي الفلسطينية.
وتشجيع
ارييل شارون وحكومته على اتخاذ المزيد من
القرارات والمواقف التي تنتهك القوانين
الدولية، وقد دللت الإدارة الأميركية، مرة
جديدة، على انحيازها الأعمى لـ"اسرائيل"،
عبر استخدامها (الفيتو) لمنع مجلس الأمن
الدولي من إصدار قراره برفض التهديدات "الاسرائيلية"
الموجهة ضد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات،
وبمواصلة تعطيل (خريطة الطريق) التي وضعتها
اللجنة الرباعية الدولية.
وليس من الغريب، أمام هذا التصميم الأميركي ان تكون قوات الاحتلال الأميركية في العراق مستهدفة على نحو متزايد، شأنها في ذلك شأن قوات الاحتلال "الاسرائيلية" في فلسطين التي تتصدى لها مقاومة وطنية مشروعة. ذلك ان الاختباء وراء شعار (مكافحة الإرهاب) لا يمنحها أي شرعية، كتلك التي تمنحها "اسرائيل" لنفسها وهي تقتل الفلسطينيين وتدمر منازلهم وتقتلع أشجارهم وتحول كل شيء ينبض بالحياة إلى خراب كامل. فهل هذا هو ما تطمح إليه الإدارة