أيام في الشام

فؤاد أبو حجلة/كاتب من فلسطين المحتلة

سفر طويل
تعبنا كثيرا في الطريق، فالمسافة بين بغداد ونقطة حدود "أبو الشامات" طويلة ومقفرة ومملة، والسائق العراقي الذي أجاد دور الفارس الجسور كان يقود "الشيفرليه" الأميركية وكأنه يمتطى فرسا بيضاء، وكان صامتا طوال الرحلة وهو يستمع للأغاني ويدندن معها بمواويل بصراوية تحولت في آخر الرحلة إلى قدود حلبية، وبين "ريل" الياس خضر و"خمرة" صباخ فخري، كان السائق يستغرق في نوبات السهو التي كنت أنهيها بإشعال سيجارة وتقديمها له من باب الحرص على بقائه يقظا مما يطمئنني على بقائي حيا.
وصلنا إلى نقطة الحدود السورية عند الغروب، وكان المعبر خاليا من المسافرين باستثناء بعض المرضى العراقيين الذين كانوا يذهبون إلى الشام من أجل العلاج ويعودون إلى العراق بحقائب كبيرة محشوة بالدواء والبطانيات والسجائر والملابس القطنية.
ساعة ونصف من الانتظار أحرقت خلالها نصف علبة التبغ الأخيرة، ثم استلمت جواز سفري مختوما وجاهزا للدخول الشرعي إلى دمشق.
لم أستطع مقاومة الجوع، ويبدو أن السائق كان جائعا أيضا، فتوقفنا أمام استراحة على الطريق في منطقة "أبو كمال"..
صحن عجة وصحن حمص وسلطة شامية ومخللات وخبز خالي من الكيمياء، وكوب شاي مع النعنع، ثم فنجان قهوة وسيجارة، فاعتدل المزاج وراقت الأعصاب وانطلقنا إلى عاصمة الأمويين.
في ليل كثير الضجيج في ساحة المرجة ودعت السائق العراقي، وحملت حقيبتي الصغيرة لأدلف إلى بهو فندق البحرين حيث طيب المقام والمنام.. لكن النوم لم يحضر في تلك الليلة، فقد أغوتني أصوات أصحاب عربات المشاوي في الساحة الواقعة خلف الفندق، فخرجت إلى الساحة مستهلا سهرتي بثلاثة أسياخ من الضأن البلدي.
مشيت كثيرا في ليل دمشق، وكنت ما زلت أغنى لصباح فخري بينما كان صوت إلياس خضر يشدو من سماعات آلات التسجيل في المتاجر التي لا تنام في الساحة.
قبل الفجر بقليل جرحتني نسمة أظنها جاءت من الموصل، وكانت مضمخة برائحة الياسمين، ومنذ ذلك الفجر وأنا مسكون بانتظار فجر الياسمين الذي أحرقه الأميركيون وأحرقوا معه لهفتنا للقاء..

في الشاغور
المدن لها أمزجة منها الرائق ومنها الخانق، ولها أيضا قلوب منها الحنون ومنها القاسي الخؤون.
في الصبح المندى برائحة الياسمين عرفت طبع دمشق، المدينة التي أسرتني برواقها ورقتها، وبدد حنان فجرها ما زرعه الليل في نفسي من أشواق موحشة.
هذه هي دمشق التي تلمع في الصبح كهلال مئذنة، وهذه هي العاصمة الأولى للدولة العربية والملاذ الأخير لكل شامي العرق أو الهوى في أرض العرب.
صفحة ملونة في كتاب التاريخ، قصيدة في ديوان العرب، لوحة في دفتر الرسم لطفل اسمه كنعان.. دمشق بسمة ساحرة في الصباح الشامي، عباءة حرير تغطى أسرار الحياة..
بعد فنجان القهوة الأول فتحت المدينة عينيها على بداية نهارها الطويل، وانتشر ناسها في السوق وفى الشوارع وفى الجوامع.. وخرجت من الفندق لأجوب المدينة وأراها كعائد مشتاق.
من لا يزور "الشاغور" لا يعرف الشام العتيقة. كنت متلهفا لدخول حارات دمشق القديمة وشرب القهوة قرب النافورة في حوش البيت القديم الذي يقيم فيه وفيق أبو الدهبات صديقي الرسام اليساري الذي يسكن مع أمه ولوحاته.
دخلت الحي على قدمي، وكانت ذاكرتي نشطة، فوصلت إلى باب الدار وطرقت الخشب القديم حتى أطل وفيق من نافذة علوية.. لم يصدق عينيه عندما رآني، ولما فتح الباب بعد ثوان قليلة كان ما زال مرتديا بيجامة البطالة.
انتهى العناق عند النافورة، واستغرق وفيق بالتحديق في وجهي ليعرف كم كبرت في السنوات القليلة التي مرت بعد آخر لقاء.. كنت قد كبرت فعلا، لكن صديقي كبر أكثر.. لقد استسلم وفيق للشيخوخة المبكرة والعمر الطاعن في الحزن.
عرفت منه كيف ماتت أمه بالسرطان، وكيف انفض عنه الأصدقاء بعد أن تحول المقهى إلى مطعم للوجبات السريعة، وكيف توقف عن الرسم منذ سافرت هدى إلى أميركا مع زوج اقترنت به تحت التهديد بالجوع.. وبالعار.
المدن أيضا تحزن وتبكي، وقد سقطت دمعة دمشقية على قميصي عندما ودعت وفيق بعد وعد باللقاء مساء.
عدت إلى السوق لأشترى قماش "كأنفاس" وفراشي رسم وعلب ألوان مائية وزيتية، وقد راودتني نفسي أن أفرد "العدة" وأبدأ الرسم في المتنزه الصغير القريب من سوق الحميدية، لكنني خشيت الفضيحة، وانكشاف تواضع قدراتي الفنية، ففضلت انتظار وفيق.. وكانت الساعات تمر كما مرت سنين العمر كلها.. متوترة وقلقة وحزينة. ثم جاء وفيق فكان للقهوة مذاق آخر، وكانت دمشق تستعد لسهرتنا في ليلة بقيت في الذاكرة كلحظة عمر وجنون.. وإعلان بداية لكل النهايات القادمة..

البحث عن هالة
.. في اليوم الثالث حصلت على رقم هاتفها. كنت قد ذهبت إلى منزلها في "المجتهد" فوجدته فارغا، وقد أخبرني الجيران أن "بيت أبو هيثم" رحلوا إلى مسكن جديد في "برزة"، ولم أشأ سؤالهم عن العنوان لأنني عرفت منهم أن العائلة انتقلت بعد أن تزوجت هالة وصار البيت كبيرا على العائلة الصغيرة.
سألت الأصدقاء عن هالة، وقيل لي إنها تزوجت قبل سنتين من تاجر حلبي مقيم في دمشق، ويبدو أن زواجها كان مفاجئا للجميع حتى أن أحدا من الأصدقاء لم يحضر العرس.
لا أحد يعرف شيئا عنها الآن، ولا أحد يعرف رقم هاتفها إلا سمر صديقتنا الممثلة الملتزمة التي أعطتني رقم الهاتف بعد أن زارتها وأبلغتها بوجودي في دمشق.
حذرتني سمر من الاتصال مساء، وأبلغتني أن هالة تنتظر هاتفي في الصباح.. كان ذلك مفهوما ومتوقعا، فالكاتبة المتمردة التي كانت تفرد شعرها الناعم الطويل على المشهد الروائي الشامي صارت مجرد زوجة لتاجر مسلح برصيد مصرفي كبير وآلة حاسبة صغيرة وقدر معقول من سوء الظن.
هاتفتها صباحا، وقد كان صوتها هامسا كعادته، لكنه كان متقطعا بين الكلام والبكاء. سألتني عن عنواني، وكانت تقف في بهو "فندق البحرين" بعد أقل من نصف ساعة..
حورية شامية تغطى شعرها الذهبي بمنديل كحلي، وتخفي عينيها الساحرتين تحت نظارة سوداء، وتسأل موظف الاستقبال عني.. وأنا أحدق فيها من مقعدي البعيد عن مكتب الاستقبال مترين أو أقل.
كان اللقاء حارا، لكنه كان مختصرا بمصافحة طويلة.. بدون عناق. هل تغيرت هالة إلى هذا الحد؟
قالت إنها لم تتغير، لكن الحياة تغيرت وضاقت كثيرا على روحها المحرومة حتى من عناق. ثم استفاضت بالبوح الموجع المخلوط بالدمع وهى تحكي قصة زواجها ورحيلها من بيت "المجتهد" إلى فيلا في "الصالحية" لا يتسلق الياسمين سور حديقتها.
ما زلت كما أنت.. تدخن كثيرا، ولا تعتني بشعرك وهندامك، ولا يكف جفنك عن الارتجاف العصبي.. كيف لا تكبر يا صعلوك؟.. وقالت أيضا إنها تحسدني!
وما زلت كما أنت، فلا المنديل يخفي رائحة العطر في شعرك، ولا النظارة السوداء تخفي لمعة البرق في عينيك.. كيف لا تترهلين يا زوجة التاجر؟ وقلت أيضا إنني أحسد نفسي على جلوسي قربها.
شربنا القهوة الثانية، وكان لا بد أن تغادر، لكي لا أراها مرة أخرى..
عندما مدت يدها لتصافحني دفعتني قوة خارقة لعناقها المحرم في اللقاء، لكنه مسموح في الوداع.. وعندما ألقت رأسها على كتفي وعدتني بالكتابة يوما ما عن "لقاء الوداع" في فندق البحرين.
لم تكتب هالة، وربما كتبت ولم أقرأ، لذا أكتب الآن موقنا أن التخاطر يلغي حواجز المكان والزمان، وأن المخاطرة تبقي الروح حية ويقظة ومتحفزة للقاء هالة بالصدفة الخارقة.. في دمشق.