"وجع
البعاد"..
ابراهيم
العبسي
من
منا أضاع الآخر!!
هل أنا الذي أضعته، أم هو الذي أضاعني، أم
تراها رياح الأيام القاسية التي ضيعتنا، نحن
الواحد، أيام كنّا جسدا وروحا وقلبا وحلما،
نشق حياتنا ونتلمس وعينا عبر دروب الزمن
الجميل، هكذا بلا زاد، وبلا رصيد، وبلا زيف،
أو هم أو حزن أو أثقال، وحتى بلا ما يستر عري
جسدنا وقدمينا.
كان المكان الذي يحتوينا صغيرا جدا وضيقا
جدا، لا يتعدى مساحة جبل صغير، مرصع بالشعائف
الحجرية القديمة، ولكن أحلامنا الكبيرة حولت
ذلك المكان إلى ملكوت واسع كان يمتد بنا إلى
عوالم من الجمال والمتعة و(الشقاوة) الحلوة،
لا نهاية لها. فمن يعيدنا لنا!! ومن يعيد لنا
ذلك الزمن الجميل والمكان الأجمل!!
من يعيدنا إلى أنفسنا، أو يدلنا علينا،
لنستعيد ولو للحظات قصيرة من العمر، ما ضيعته
رياح الأيام منا!! من يعيدنا لننطلق في
مشوارنا الصباحي، عبر الدروب الضيقة الوعرة
المحاطة بالشعائف الواطئة حد الشموخ
والكبرياء، ونحن نلاحق قطعان الأغنام
والأبقار التي كانت تغادر الجبل إلى السهول
الخضراء حيث العشب والجداول والهواء الندي
البارد، وقد اختلط بدخان الطوابين!! من يعيدنا
إلى قصص حبنا الأول، وعيون الفتيات الجبليات
اللواتي كنا نختلق صورهن الجميلة، بالوجوه
المشربة بالحمرة والعيون الواسعة الآسرة
للقلب حد البكاء اللذيذ!! من يعيد لنا الرجفة
الأولى التي كانت تختلج في قلوبنا بعد ان
عرفنا حلاوة الحب، واندفعنا نغني (بأمر الحب)
بعد ان اكتشفنا روعة الحب ولهفة الحب ولوعة
الحب في ذلك الزمان والمكان!!
من يعيدنا إلى اصطحاب الجداول المتدفقة
بالماء والحياة وهي تتوزع عبر السهول والجبال
لتسقي الزرع والعشب وقطعان الماشية، وتداعب
أجساد النساء الجبليات وهن يملأن الجرار!! من
يعيدنا إلى زخات المطر الأولى التي كانت تسقط
علينا كما الندى لترطب منا الروح والقلب!! من
يعيد لنا أغاني الرعاة و(حداء الخطارين) في
الدروب الجبلية، و(مواويل) الحصادين في حقول
القمح، والتي كانت تنطلق مع أول سنبلة
يقتلعونها ولا تتوقف إلا حينما تهجم العتمة
على الحقول!! من يعيدنا إلى (مضافات) الرجال
وطقطقة (قرامي) الحطب والحكايات التي لم تكن
تنقطع إلا بعد ان تخبو نار الموقد ويتسلل برد
الليل إلى أجساد الرجال!!
من يعيدنا حتى إلى وحشة الليل الحالك السواد
وعواء الحيوانات البعيد الذي كان يصلنا ونحن
ننكمش في رعب قاس تحت الغطاء، فيما عيوننا
تتنقل بين ذبالة السراج الواهنة وشقوق
النوافذ في السقيفة!!
ومن يعيدنا حتى إلى تلك الرؤى الليلية التي
كانت تتداخل فيها الأحلام الجميلة بالكوابيس
المرعبة!!
ومن يعيد إلى سمعنا صوت آذان الفجر وصياح
الديكة، التي كنا دائما على موعد معها كل فجر،
حيث ننفلت من الفراش ونجلس لنشرب الشاي
بالمريمية، ونحن نلتهم أرغفة خبز الطابون
الحارة بشهية وفرح!!
أم ترى ان العودة باتت مستحيلة، وان الزمن
الجميل والمكان الجميل، قد ابتعد كثيرا عنا.
اقصد عني. أما هو فمن المؤكد أنه غافلني وبقي
هناك، طفلا يدور بين الشعائف الخربة والدروب
الموحشة والمواقد المطفأة، منذ اكثر من خمسين
شتاء، يحاول بعناد استعادة طقوس حياته
الضائعة.
آه.. كم هو قاس ومؤلم وموجع هذا البعاد.