الأطفال
العراقيون يضحكون
وليد
الزبيدي/كاتب عراقي
ربما
لأنني وقفت منذ البداية مع المقاومة
العراقية، في تصديها لقوات الاحتلال
الأميركي، وكتبت ما أستطيع كتابته، فقد أصبحت
باستمرار أتعرض، لسؤال متشابه، يطرحه صحفيون
وإعلاميون وأصدقاء، يستفسرون فيه، عن هوية
الذين ينفذون الهجمات اليومية، ضد أرتال
ودوريات ومقرات القوات الأميركية. وهذا
السؤال على بساطته، فأنه قد تكون من الصعوبة
جداً، الإجابة بدقة عنه، رغم أن الإجابة
المنطقية، تقول، أن الحس الوطني الخالص، هو
الكفيل بدفع أي مواطن، في أي زمان ومكان،
لمقاومة المحتل.
هذا
السؤال، دفعني لزيارة بعض المناطق التي تشهد
مقاومة عنيفة، وتتكبد فيها القوات الأميركية
خسائر فادحة، لا يتم الإعلان عنها بالطبع،
لأسباب تتعلق بسياسة الكذب والتضليل
الأميركية.
أمضيت
نهاراً كاملاً، في منطقة تقع شمالي بغداد
حاولت خلاله استنطاق الشباب والشيوخ وحتى
الأطفال، لمعرفة الهوية العامة للمقاومين
العراقيين، هل هم من البعثيين، بمعنى الذين
يتبعون نظام صدام حسين، أم هم من الإسلاميين،
الذين كانوا يعارضون نظام صدام حسين، وقد
يكون جاء هؤلاء من خارج الحدود، كما يردد
المسؤولون الأميركيون، أم أن هؤلاء تضرروا
بسبب عدم دفع رواتب لهم من قبل سلطة الاحتلال.
في
الحقيقة، اعترف بأنني فشلت فشلاً ذريعاً في
الوصول إلى معلومة واحدة، رغم استحضاري لجميع
المستلزمات الأساسية، في الاستفزاز، وفي
الاستدراج، وفي استثارة مشاعر الحب
والكراهية، وغير ذلك، رغم بساطة هؤلاء الناس،
الذين يسكنون على مقربة من شارع يطلق عليه
اليوم في تلك المنطقة (سكة الموت)، وبقدر ما
يغدقون على ضيفهم من كرم الضيافة وحسن
الاستقبال والترحيب، فأنهم يضعون من يعلموا
أنه رجل إعلام في كماشةٍ، وبدلاً من أن أحصل
على معلومة، حتى لو كانت عائمة، فقد أجبروني
على الإصغاء لهم، وأن أضحك ملأ شدقي، وأنا
استمع إلى آخر مبتكرات الطفولة العراقية، أو
ربما الحرب النفسية، التي تقوم بها المقاومة
العراقية، لا أدري، ولكن تفاصيل القصة، كما
يتداولها أبناء تلك العشائر، وهم يضحكون
بقهقات عالية، تتلخص في أن مجموعة من الأطفال
في قرية (البوحشمة) وهي عشيرة تسكن قرب قاعدة
البكر الجوية، بمنطقة يثرب قرب الضلوعية (80 كم
شمالي بغداد)، وقد اتخذت القوات الأميركية،
من هذه القاعدة مقراً رئيسياً لها، هؤلاء
الأطفال، جاءوا ببرميل نفايات من الحجم
الصغير، وربطوا به خيطين، وهنا يؤكد الذين
يروون الحكاية، أنها خيوط قماش وليست أسلاكا،
ووضعوا البرميل الصغير، بصورة شبه مخفية، في
الطريق الذي تسلكه الدوريات الأميركية، وجلس
الأطفال، على بعد أكثر من مائتي كيلومتر،
متظاهرين باللعب بين الأشجار، التي تحف
الطريق، وما أن اقتربت الدورية الأميركية،
وشاهد الجنود الحاوية الصغيرة، وما يرتبط بها
من أسلاك (خيوط)، حتى توقفوا، ثم فجأة ووسط
حالة من الرعب والهستيريا تراجعوا، وبدأت
اتصالاتهم من خلال الأجهزة، وبعد دقائق، وصلت
طائرات على أماكن قريبة، وبعد ربع الساعة
وصلت عشرات المدرعات والآليات، وانتشر مئات
الجنود في محيط المكان، وانبطح جميع الجنود،
في حين كان عدد قليل منهم يتقدم لإبطال مفعول
القنبلة. وبعد أكثر من ساعتين من الرعب
والهستيريا، ضحك الأطفال، الذين سارعوا
للهرب، لأن الذي زرع كل هذا الرعب، لم يكن سوى
حاوية نفايات، وهي خدعة وضعها عدة أطفال،
فسيطر الرعب والهلع والارتباك على جنود
الإمبراطورية الأميركية.
وليد
الزبيدي
ما
يطرحه الكاتب الأميركي توماس فريدمان، بعد
زيارته الثالثة للعراق، منذ احتلاله في
التاسع من نيسان/إبريل من قبل القوات
الأميركية، يدلل على قناعته المطلقة، بما
قاله مرة ستيفن كول، من أن الناس في الولايات
المتحدة، يشعرون أنه يتعين عليهم، أن يعيشوا
ضد العالم، وإلا فإن العالم يمكنه ان يأتي
إليهم، ولهذا تجد أن فريدمان، يحاول أن يحقق
اكثر من هدف واحد في كتاباته، فهو يريد ان
يشيع على قدر ما يستطيع، موضوع العلاقات
العراقية (الإسرائيلية)، ويعمل على طرحها، في
كل مناسبة، ويحاول الترويج للمشروع، الذي
تقول أميركا أنها احتلت العراق لتحقيقه.
وفي
جلسة جمعتني مع أحد أساتذة الاتصال
العراقيين، الذي عبر عن اندهاشه وهو يقرأ
كتابات فريدمان الأخيرة، وقال إنها سطحية
وهشة ولا يعرف إذا كانت رؤية الكاتب
الأميركي، قد امتلأت بالضبابية، مثلما يخيم
ذلك، على الأوضاع التي يعيشها العراق، أم أن
فريدمان، يحاول أن يقنع العراقيين بكل ما
تعمله بلاده، حتى الأخطاء الشنيعة التي ترتكب
بحق العراق والعراقيين، وفي الوقت نفسه يريد
ان يقنع الإدارة الأميركية، بأن (إسرائيل)،
التي يدافع عنها، هي السند الأهم لأميركا في
المنطقة، إذا ما تعرض وجودها لأي اهتزاز،
بسبب المقاومة العنيفة، التي تتعرض لها،
ويقتل خلالها الجنود والضباط من الجيش
الأميركي، كما أنه يحاول أن يقنع (إسرائيل)،
بأن أهم أهداف الاحتلال الأميركي للعراق هو
قصم ظهر المعارضة العربية والإسلامية التي
يمثلها العراق لأي تصالح مع (إسرائيل).
وفي
حقيقة الواقع، فريدمان يحاول أن يستغل ثغرة
جديرة بالمتابعة والاهتمام، المتمثلة
بالموضوع العراقي، الذي يتحرك بأعلى درجات
الحرارة السياسية، ولا يترك شاردة أو واردة،
يمكنها ان تتهجم على الواقع العربي، إلا وأتى
بها، ودسها بين جمله وتحليلاته.
تجده
إذا التقى رجل دين عراقيا، وسمع منه الصورة
التي يريدها للعراق في المستقبل، وأن تكون
دولة يحكمها التكنوقراط، ولا تخضع للمفاهيم
الأخرى من الطائفية والعرقية، وإلى ما شابه
ذلك، وأن تسود الديمقراطية، تجده يبارك هذه
الطروحات، ويسارع إلى القول، ان هذا ما تريده
أميركا في العراق، بمعنى أن العقول العراقية،
التي تتحدث بهذا الاتجاه، إنما تفكر تحت مظلة
الدبابة الأميركية التي تحتل بلدهم، وهذا
احتلال فكري ومصادرة مفضوحة لأفكار وطروحات
وعقول العراقيين.
وبينما
يجند قلمه وكتاباته، للترويج للمشروع
الأميركي في العراق، ويشد على أيدي كل من
يبارك هذا المشروع، فإنه يغض الطرف، عن
الممارسات البشعة، التي يمارسها جنود بلاده،
ضد العراقيين، في الشوارع والبيوت، وفي
المعتقلات، وما بدأ يردده العراقيون من
سلوكيات أخرى، نخشى ذكرها، خشية أن نضاف إلى
آلاف العراقيين، الذين اعتقلتهم القوات
الأميركية وبدأت بحجزهم في ظروف حقيرة وقاسية
في منطقة أم قصر، بعد أن غص معتقل المطار
بالزبائن، ولا نتحدث عن ظروف اعتقالهم،
وأنواع التهم الموجهة لهم، ولكن على فريدمان،
وهو يتحدث عن المشروع الأميركي، عليه أن يرى
طلائع التبشير بهذا المشروع، وقد جاءت على
هذه الشاكلة المكتظة بالديمقراطية والحرية،
واحترام الرأي الآخر، والإصغاء طويلا لأبناء
البلد، الذي احتلته قواته، لتتمكن من إعادة
بنائه الواضح ان فريدمان، لا يريد أن يعترف
بما تريده أميركا، وهو انهم (الأميركيون)
بدأوا يشعرون بأنه يتعين عليهم ان يعيشوا ضد
العالم.
هذا
الاعتراف، كفيل بإزاحة الضبابية عن
الكثيرين، الذين يعبرون عن انبهارهم
بالمشروع الأميركي، لأن العالم، الذي تقصده
أميركا لا يعني العراق وحده.