تيسير
علوني: منفي سوري .. هرب من سجون بلاده فوقع في
قبضة الإسبان
لندن
- أخبار الشرق - كتب المحرر السياسي
http://www.thisissyria.net/
لقضية
الصحفي السوري الذي يحمل الجنسية الإسبانية
تيسير علوني وجه آخر، لم تُشر إليه الأوساط
الحقوقية والمعنية إلا لمماً، وهو أن الرجل
الواقع في قبضة الإسبان اليوم، كان واحداً من
عشرات الآلاف من المنفيين السوريين الفارين
من السجن في بلادهم قبل عقدين من الزمان.
لم
يُعرف عن تيسير علوني انتماء سياسي محدد، أو
عضويته في حزب سياسي بعينه، على الرغم من
أفكاره الإسلامية المعروفة. ولكن تيسير كان
على موعد مع النفي القسري مع كثيرين من
أقرانه، جلهم من أفراد جماعة الإخوان
المسلمين، وبعضهم من أحزاب قومية ويسارية
معارضة، اضطروا إلى مغادرة سورية أثناء
الملاحقات التي شنتها أجهزة الأمن السورية
على المواطنين بسبب مواقفهم السياسية
وآرائهم.
في
عام 1983 انتقل تيسير علوني إلى إسبانيا، حيث
تابع دراسته وتزوج من إسبانية مسلمة ذات أصول
مغربية. وكمثل عشرات الآلاف من المنفيين
السوريين، كان لا بد أن يسعى للحصول على جنسية
أجنبية، إذا أراد الاستمرار في العيش خارج
بلاده، التي حرمته من كل وثيقة يمكن أن تثبت
"سوريته"، بدءاً من جواز السفر وانتهاء
بما يثبت جنسية أطفاله.
برز
تيسير علوني ككثيرين من المنفيين السوريين في
الخارج، وأصبح صحفياً، عمل لفترة في وكالة
الأنباء الإسبانية؛ إلى أن أُتيحت له فرصة
العمل مراسلاً لقناة الجزيرة في كابل عام 2000،
ومنذ ذلك أصبح نجماً عالمياً، لا سيما حين كان
الصحفي الوحيد الذي تابع أخبار الحرب
الأمريكية على أفغانستان من قلب العاصمة
الأمريكية في تشرين الأول 2001.
ونجا
علوني من الموت مرتين بالصواريخ الأمريكية،
وفي المرتين كان القصف الأمريكي واضح الهدف:
إسكات صوت الصحافة التي تنقل الحدث، لتتم
عملية تسليم "مريبة" لعاصمتين
استهدفتهما الولايات المتحدة بالحرب بعد
هجمات 11 أيلول 2001 التي تعرضت لها.
ففي
القصف الأول بكابل، كان على علوني وفريق
الجزيرة النجاة بأنفسهم في ليلة مظلمة تعرض
فيها مكتبهم للقصف، واتضح بعد وقت قصير أن
إخماد الصوت الإعلامي الوحيد الذي يبث من
كابل أخفى تفاصيل سقوط العاصمة الأفغانية بيد
تحالف الشمال الأفغاني المدعوم أمريكياً،
وانهيار حركة طالبان بشكل مفاجئ وكبير.
أما
في القصف الثاني ببغداد، فقد استُشهد زميل
لتيسير علوني هو مراسل الجزيرة طارق أيوب،
وشُغلت الصحافة العربية والدولية الموجودة
في بغداد مساء يوم الثلاثاء 8 نيسان 2003
بجروحها وبشهدائها، فلم تتمكن من متابعة
تغطيتها المباشرة طوال الليل لما يجري عبر
الصوت والصورة، واستيقظ العالم صباح اليوم
التالي التاسع من نيسان، ليجد بغداد قد سقطت
في يد القوات الأمريكية والنظام العراقي قد
انهار انهياراً مفاجئاً كذلك.
كان
تيسير علوني شاهداً على الأحداث التي عاشها.
وشاهداً في الوقت نفسه على معاناة عشرات
الآلاف من السوريين الذين قذفت بهم أزمة
دامية وأليمة في بلادهم قبل أكثر من عشرين
عاماً في أقاصي الأرض.
وقد
ذهبت لجان إحياء المجتمع المدني في سورية، في
بيان أصدرته الأسبوع الماضي؛ إلى القول إن
تيسير علوني ما كان ليلقى المصير الذي لقيه
مؤخراً لو لم يكن مبعداً عن بلاده. إذ اعتقلته
السلطات الإسبانية يوم الجمعة 5 أيلول الجاري
بحجة ارتباطه بتنظيم القاعدة الذي أجرى
مقابلة سابقة مع زعيمه كصحفيين عرب وأجانب
عديدين.
وقد
طالبت المنظمة العربية للدفاع عن حرية
الصحافة والتعبير في باريس الحكومة السورية
بمتابعة قضية علوني المواطن السوري، والعمل
على إطلاق سراحه، لا سيما وأنه مريض ويعاني من
متاعب في القلب. وقد تبنت قناة الجزيرة
الفضائية قضية علوني بقوة، ويعلق مذيعو
القناة منذ أيام صورته على صدورهم أثناء
ظهورهم على الشاشة تعبيراً عن التضامن معه.
الموقف
السوري:
وفي
الواقع؛ فإن السلطات السورية وجهت رسالة غير
مباشرة مفادها التعاطف مع معاناة علوني، ونفي
غير مباشر لأن يكون لها أو لمعلومات قدمتها
دور في اعتقاله في غرناطة بإسبانيا. ذلك أن
قاضي "الإرهاب" الإسباني بالتاسار
غارثون طلب معلومات من سبع دول عن تيسير علوني
وصلاته، وكانت سورية إحدى هذه الدول. ومع
الإعلان عن الطلب الإسباني، فقد استنكر اتحاد
الصحفيين السوريين (المقرب من الحكومة)
اعتقال تيسير علوني، واعتبره صحفياً يؤدي
واجبه الذي لا يجوز منعه من أدائه.
وحظي
بيان الاتحاد بتغطية لافتة على الصفحة الأولى
من صحيفة "تشرين" السورية الرسمية يوم
الأربعاء الماضي؛ إذ نقلت الصحيفة، التي
أوردت كذلك احتجاجات عربية ودولية على
الاعتقال؛ قول الاتحاد "ليس على الصحفي
مناطق محرمة في تحركه لأداء واجبه المهني
ورسالته الصحفية وان اعتقال الصحفي بسبب
القيام بواجبه إنما هو مصادرة للرأي والفكر
والقلم وحرية التعبير التي كفلتها جميع
المواثيق الدولية".
وأضافت
الصحيفة تحت عنوان "الصحفيون السوريون
يستنكرون اعتقال السلطات الإسبانية لتيسير
علوني" تنقل عن بيان الاتحاد قوله "إننا
نهيب بالجهات الإسبانية المعنية للإسراع في
الإفراج عن الصحفي تيسير علوني ليعود إلى
ممارسة مهنته والحصول على المعلومة من أي
مصدر كان وتقديمها للناس وفق شرعة السلطة
الرابعة"، مؤكداً أن "اعتقال الصحفي
علوني باتهامه ارتكاب جريمة الفعل الصحفي
إنما يعد عودة بالبشرية إلى العصر الذي يفترض
أنها قد ودعته من خلال انتقالها للقرن الحادي
والعشرين، قرن الإعلام والمعلوماتية
والشفافية على مختلف الصعد".
وصعّدت
دمشق احتجاجها "غير الرسمي" على اعتقال
علوني من خلال اعتصام نظمه الصحفيون السوريون
في دمشق أمام السفارة الإسبانية يوم الخميس
الماضي، احتجاجاً على استمرار اعتقال "زميلهم"
المنفي، دون إشارة إلى أنه لا يتمتع بحقوق
المواطنة السورية في الوقت الحاضر.
وأصدر
الصحفيون السوريون بياناً جاء فيه إن اتهام
"الزميل الصحفي السوري الإسباني تيسير
علوني" بالارتباط بمنظمة القاعدة إنما هو
"تهمة واهية، يرتبط إطلاقها بنشاطه
الإعلامي في أفغانستان والعراق مراسلاً
لقناة الجزيرة في قطر".
واعتبر
الصحفيون السوريون أن "قرار اعتقال الزميل
تيسير علوني بما فيه من اتهامات، اعتداء على
الحقوق والحريات الصحفية، وتقييد لعمل
الصحفيين في الوصول إلى المعلومات وتقديمها
إلى الجمهور، وكنا نتمنى على القاضي بالتاسار
غارثون الذي كان له شرف ملاحقة دكتاتور تشيلي
السابق (أوغستو بينوشيه) نتيجة أفعال الأخير
الإجرامية ضد شعبه، أن لا يدخل بوابة
الاعتداء على الحقوق والحريات الصحفية، وأن
لا يتحول إلى أداة في تصفية الحسابات مع
الصحفيين، والتي تتم ممارستها عبر العالم
ومنها ما تقوم به قوات الاحتلال الأمريكي -
البريطاني في العراق، وقوات الاحتلال
الإسرائيلي في فلسطين، حيث قتل وجرح واعتقل
عشرات من الصحفيين العرب والأجانب في العام
الماضي أثناء ممارستهم لمهنتهم النبيلة".
وقال
الصحفيون المعتصمون أمام السفارة الإسبانية
بدمشق إنهم "يدينون بشدة اعتقال الزميل
علوني، ويؤكدون حق الصحفيين والإعلاميين في
ممارسة مهنتهم على اكمل وجه دون تقييد، أو
ترهيب، وهم يحيون مواقف الهيئات الصحفية
ومنظمات حقوق الإنسان العربية والأجنبية
والدولية في مطالباتها إطلاق سراح الزميل
تيسير علوني، ويضمون صوتهم إلى أصواتها في
مطلب الحق".
كما
طالبوا "الحكومة الإسبانية التدخل لإطلاق
علوني، ومنع حدوث حالات في المستقبل، تماثل
هذه السابقة الخطيرة، حيث يتم لأول مرة
اعتقال صحفي على خلفية لقاءات أجراها خلال
قيامه بعمله، ونؤكد، انه إذا ما كان هناك أحد
يجب إلقاء القبض عليه، وان يكون رهن
الاعتقال، فلن يكون من الصحفيين، بل القتلة
والمجرمين أمثال الرئيس الأمريكي جورج بوش
ورئيسي وزراء "إسرائيل" آرييل شارون
وبريطانيا طوني بلير وغيرهم ممن مارسوا وما
زالوا يمارسون القتل على أوسع نطاق في
أفغانستان وفي العراق وفي فلسطين، تحت سمع
وبصر العالم، ودون ردود فعل ذات اثر قادرة على
وقف المذابح المتواصلة وعمليات الإعدام
المنظم التي تجري في فلسطين".
وربما
كان لبقاء الاحتجاج السوري في الإطار "غير
الرسمي" علاقة بوضع تيسير علوني الحقوقي
والمدني في سورية. إذ تأتي قضية تيسير علوني
في وقت شهدت فيه قضية "المنفيين"
السوريين والمعتقلين السياسيين زخماً كبيراً
طوال الأسابيع الماضية، وتطالب الأوساط
الشعبية والثقافية والحزبية السورية على
اختلاف ألوانها الفكرية الحكومة بإنهاء أزمة
أكثر من 100 ألف سوري يعيشون خارج الحدود دون
أدنى حقوق المواطنة، وهم منفيون قسريون
وطوعيون سوريون بسبب آرائهم السياسية، ومعهم
ذراريهم.
وتثير
القضية تساؤلات عن دور الحكومة السورية في
الدفاع عن مواطنيها الذين حرمتهم من حقوقهم،
في حين ينبري الآخرون للدفاع عنهم، لا سيما في
ظل ما تردد عن تسليم أجهزة الأمن السورية
قوائم بأسماء منفيين سوريين إلى الولايات
المتحدة باعتبارهم "إرهابيين". والسؤال
الأبرز في الأوساط المدنية والحقوقية في دمشق
اليوم هو: إلى متى ستبقى قضية المنفيين
السوريين عالقة تبحث عن حل؟