الاستراتيجية الأميركية والأحداث الساخنة في العالم

رياض أبو ملحم/كاتب عربي يقيم في باريس

مشروع الولايات المتحدة للقرن الأميركي الجديد، له طابع شمولي وتنشأ عنه مهمات للولايات المتحدة غير محددة لا في الزمان ولا في المكان، إلا ان نقطة الارتكاز فيه هي منطقة الشرق الأوسط والخليج، بحيث تضمن التغييرات التي يفترض ان تتم فيها، السيطرة الأميركية الكاملة عليها وإعادة ترتيبها سياسيا وربما جغرافيا من جديد بغض النظر عن النظر عن النتائج المترتبة على ذلك.

لذا فان الحملات السياسية والعسكرية التي بدأتها الولايات المتحدة في أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر مباشرة، تحت عنوان (مكافحة الإرهاب) بدت لكثيرين في العالم وكأنها عمليات انتقامية فقط موجهة ضد الذين تجرأوا على مكانة الولايات المتحدة وعظمتها، بينما كانت في الواقع أولى الخطوات المخطط لها بعناية داخل مكاتب البنتاغون لفرض السيادة الأميركية على بقاع العالم كلها، بالقوة العسكرية السافرة ومن خلال إثبات التفوق التكنولوجي الساحق، والذي لا نظير له في هذا العصر.

بعد الانتهاء من إسقاط نظام طالبان في أفغانستان وتشتيت عناصر (القاعدة) وهي المهمة التي استغرقت وقتا قصيرا وبدت سهلة ودون مستوى القوة العسكرية الأميركية وما تستطيع إنجازه، ظلت إدارة الرئيس بوش تتصرف كثور مجروح هائج وسط حلبة واسعة يبحث في جوانبها عمن يغرس قرنيه في صدره.

وفيما كانت تستصدر القوانين والتشريعات في الداخل وتتخذ إجراءات أمنية غير مسبوقة ضد المواطنين وتضع قيودا قاسية على الحريات العامة، بما في ذلك حرية الصحافة أخذت تمارس نوعا من التحدي حيال المجتمع الدولي بأسره، ومن مظاهر هذا التحدي الانسحاب من بعض المعاهدات الدولية.

ورفض التوقيع على قيام المحكمة الجنائية الدولية التي تم إنشاؤها رسميا في (لاهاي) في الأول من تموز/يوليو 2002 ثم ممارسة ضغوط شديدة على مختلف دول العالم لحملها على توقيع اتفاقات ثنائية معها تعطي الأميركيين حصانة من الملاحقة القانونية أمام هذه المحكمة الدولية. وتواجه نحو خمسين دولة الآن تهديدات أميركية بفرض عقوبات عليها بسبب رفضها توقيع الاتفاقات الثنائية المطلوبة.

إلى ذلك أعطت الإدارة الأميركية لنفسها الحق في اتهام من تريد بالإرهاب وفي المطالبة بتسليمه لها لتتولى أجهزتها الأمنية التحقيق معه ووضعه قيد الاعتقال من دون أي اعتراض من أحد. وبهذا حاولت الولايات المتحدة ممارسة سيادة عالمية مطلقة، فأجازت لنفسها ان تحاكم من تشاء في العالم كله من دون ان يحاسبها أو يحاكمها أحد، وهو ما لا تزال مستمرة فيه على نحو صارم واستفزازي ومناقض للقوانين الدولية.

وفي الداخل الأميركي خصوصاً، تحولت الولايات المتحدة إلى دولة بوليسية في ظل القانون الذي أصدره مجلسا النواب والشيوخ الأميركان في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2001، حيث أطلقت أيدي المحققين والأجهزة الأمنية من كل القيود القانونية في مجال اعتقال المواطنين واحتجازهم.

وكان من نتيجة ذلك ان تعرض آلاف الأشخاص للاعتقال من دون ان يترك لهم حتى فرصة الدفاع عن أنفسهم والاستفادة من حقوقهم الدستورية في ما يتعلق بحماية الحرية الشخصية، التي كانت أحد العناوين الرئيسية للديمقراطية الأميركية.

وأكثر من هذا فقد غدت الإدارة الأميركية بعد 11 سبتمبر، وبسبب أسلوبها الانفرادي في التصرف، في حالة رفض مطلق لأي انتقاد يوجه إليها، في الداخل والخارج. بل اعتبرت نفسها فوق النقد، باعتبارها تؤدي (مهمة مقدسة)، كما يعتقد ويعلن الرئيس جورج بوش باستمرار.

على ان اخطر ما فعلته الإدارة الأميركية هو اعتماد استراتيجية جديدة للأمن القومي للولايات المتحدة تقوم على أساس تنفيذ (الضربات الوقائية). ومن المعروف ان عملية غزو العراق تمت في إطار هذه الاستراتيجية، بذريعة إزالة الخطر الذي يشكله النظام العراقي (السابق) على الولايات المتحدة وعلى العالم كله، من خلال أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها، والتي لم يعتمد على أي شيء منها حتى الآن.

وتعتقد الإدارة الأميركية، بحسب ما أعلن الرئيس بوش في أحد خطاباته الأخيرة، ان شن الحروب الوقائية يجعل المواجهات خارج الولايات المتحدة (بدلاً من انتظار ضربات الأعداء في الداخل). واكثر من هذا فهي تعتبر سلفاً كل حرب تشنها (حرباً عادلة)، انطلاقاً من معايير تحددها هي بنفسها، حتى لو كانت متناقضة مع معايير القانون الدولي وشروطه الأساسية.

وبذلك، فإن إدارة بوش تتولى، منفردة، إضفاء الشرعية على كل حرب تقرر الولايات المتحدة، شنها على أي دولة في العالم بالرجوع، لا إلى ميثاق الأمم المتحدة، بل إلى المعايير الأميركية الذاتية لـ (الحرب العادلة).

غزو العراق: نقطة تحول

لكن، إذا كانت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 وما أعقبها مباشرة، شكلت المحطة الرئيسية في مشروع صقور البيت الأبيض لفرض السيادة الأميركية على العالم، فإن غزو العراق، وهو المحطة الثانية، قد يصبح نقطة تحول بارزة في استراتيجية التوسع بعد ثبوت فشل هذا المشروع وإجبار واشنطن، بالتالي، على التخلي عن أسلوبها الانفرادي والعودة إلى التعاون مع المجتمع الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة.

ويرى المحللون ان سلسلة الأخطاء (المتعمدة) التي ارتكبتها إدارة الرئيس جورج بوش، تحت تأثير مجموعة الصقور في البيت الأبيض، وكذلك الخوف من مواجهة هزيمة في العراق توازي أو تفوق الهزيمة الأميركية في فيتنام، أدت إلى هذا التراجع السريع من قبل الإدارة والتوجه مجدداً نحو دول العالم لمساعدتها على الخروج من المأزق العراقي الراهن. فكيف حدث هذا التحول الدراماتيكي؟

المأخذ الرئيسي الذي سجّله المراقبون على الإدارة الأميركية، قبل غزو العراق وبعده، إصرارها على الانفراد في اتخاذ القرارات التي تمس أطرافاً خارجية، ثم محاولة إنهاء دور الأمم المتحدة عبر استبعادها عن الجهود الدولية المبذولة لمعالجة بعض المشاكل العالمية، كالقضية الفلسطينية مثلاً، وقضية البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق.

ونتيجة لهذا التفرد، واجهت إدارة بوش فشلاً ذريعاً في اكثر من مكان، وحيال قضايا مختلفة. ومن ذلك على سبيل المثال:

ـ لم تستطع الإدارة الأميركية تصفية منظمة القاعدة وحركة طالبان نهائياً ولا إقامة نظام جديد مستقر في أفغانستان.

وتشهد عدة مناطق أفغانية مواجهات عنيفة منذ بعض الوقت بين القوات الأمريكية والأفغانية من جهة ومقاتلي (طالبان) من جهة أخرى، ما يهدد باستئناف الصراع من جديد، ولكن بأشكال مختلفة. وهذا ينفي الادعاءات الأميركية عن الانتهاء من مشكلة الإرهاب في أفغانستان، وعن تحقيق انتصار أميركي حاسم في هذه المنطقة.

ـ يواجه التدخل الأميركي في موضوع التسوية السلمية في (الشرق الأوسط) فشلاً ذريعاً. والسبب في ذلك يعود إما إلى عدم وجود رغبة أميركية حقيقية في حل هذه المشكلة، أو إلى عدم قدرة إدارة بوش على ممارسة ضغوط جدية على (اسرائيل) لحملها على تنفيذ التزاماتها في (خريطة الطريق) والاضطلاع بهدف في العملية السلمية. ومن الواضح الآن ان الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي يتجه نحو تصعيد خطير، وتتحمل الإدارة الأميركية مسؤولية رئيسية في هذا الانهيار.

ويرى المراقبون ان الإدارة الأميركية كانت تراهن على تحقيق استقرار في العراق أولاً، ثم التحول نحو معالجة الموضوع الفلسطيني على أساس النتائج المحققة. لكن هذا الرهان سقط الآن كلياً، في ظل التصعيد المتزايد على الساحتين العراقية والفلسطينية.

ـ يتحول الوجود الأميركي في العراق إلى كابوس شديد الوطأة على قوات الاحتلال بسبب الخسائر التي تتكبدها يومياً من جراء ضربات المقاومة الموجعة.

كذلك فإن سلطة الاحتلال فشلت في تأمين خدمات العراقيين وفي تنفيذ المشروعات الخاصة بإعادة الإعمار. وبعدما كانت سلطة الاحتلال ترفض مشاركتها في أي قرار يتصل بالعراق، تبدو الآن كمن يستجدي التدخل والتعاون، ولكن بهدف الخروج من الأتون العراقي.

ـ تسبب أسلوب (الاستعلاء) الأميركي في التعامل مع الآخرين في إفساد العلاقات مع دول أوروبية عدة، لاسيما فرنسا وألمانيا وبلجيكا. وتحاول الإدارة الأميركية الآن إصلاح ما أفسدته سابقاً على أمل ان يساعدها الأوروبيون في الخروج من المستنقع العراقي، وذلك من خلال المشروع الأميركي المعروض حالياً على مجلس الأمن الدولي.

وفي حين تصر فرنسا وألمانيا على استعادة السيادة العراقية أولاً وتمكين العراقيين من تحمل مسئولية إعادة الاستقرار إلى بلدهم، مقابل موافقتهما على مشروع القرار الأميركي الخاص بتوسيع دور الأمم المتحدة في العراق، تتهم الحكومة البريطانية فرنسا باتخاذ موقف من التطورات الأخيرة في العراق يعكس (الشماتة) الفرنسية ويدل على أن باريس سعيدة بمأزق الأميركيين.

في مواجهة الحقيقة

ويؤكد المراقبون انه لم يعد ثمة من خيار أمام الإدارة الأميركية، في ظل مأزقها الراهن، سوى التخلي عن دورها الانفرادي في العراق والعمل إلى جانب الدول الأخرى تحت مظلة الأمم المتحدة.

ففضلاً عن رغبتها الشديدة في سحب جزء كبير من قواتها العاملة في العراق، تجنباً لمزيد من الخسائر البشرية، فهي باتت عاجزة عن ضخ المزيد من الأموال للإنفاق على احتلالها للعراق وإعادة إعماره. وفي حين تتزايد الضغوط الداخلية على إدارة بوش لتجنيب الولايات المتحدة هزيمة كارثية، تضاف إلى الاخفاقات الأخرى، تقدِّم استطلاعات الرأي الأخيرة مؤشرات متزايدة على التراجع المتواصل في تأييد الأميركيين للرئيس بوش.

إذ بينما بلغت نسبة التأييد نحو ثمانين في المئة في أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر، انخفضت حالياً إلى ما دون الخمسين في المئة، وهذه الأرقام لها دلالاتها الكبيرة بالطبع وتأثيراتها الحاسمة على انتخابات الرئاسة ونتائجها.