إرهاب (اسرائيلي) يقابله صمت عربي

د. محمد صالح المسفر/أستاذ علوم سياسية في جامعة قطر
ما يجري في فلسطين المحتلة هذه الأيام من قتل لأطفال ونساء ونسف منازل على من فيها، وتجريف أراض وتصفية قيادات وتهديدات بطرد الرئيس ياسر عرفات وأنصاره كل هذا وأكثر هو نتيجة لأخطاء سياسية واستراتيجية ارتكبتها القيادة الفلسطينية من عمان إلى بيروت إلى تونس إلى أوسلو وشرم الشيخ وواشنطن وأخيرا العقبة.
لا نريد أن نجتر الماضي كما يفعل أعضاء مجلس الحكم الأمريكي في بغداد ولو أن استدعاء الماضي في الشأن الفلسطيني هو أمر مقبول يهدف إلى تنبيه قيادات فلسطينية تتسلق سلم القيادة كي لا تقع في أخطاء قد تؤدي إلى كارثة. أما استدعاء الماضي في الشأن العراقي فهو ترسيخ لقواعد الحقد والكراهية وتعميق للطائفية وتفتيت لوحدة وطن وإفناء حشود من أبناء الوطن تحت ذريعة اجتثاث آثار الماضي.
في الشأن الفلسطيني (الإسرائيليون) يعرفون الحالة النفسية والطموحات الشخصية لكل القيادات الفلسطينية الراهنة، ويرسمون خططهم على ذلك المنوال. القيادات الفلسطينية قيادات إسترضائية للعدو لا قيادات مواجهة، ذرائعية المواقف لا ثابتة على موقف مطالبهم: نريد دولة على 2% من أرض فلسطين مهما كان الثمن، نريد العمالة الفلسطينية تعمل داخل الخط الأخضر وعلى بقع المستوطنات المتناثرة في الضفة الغربية والقطاع، أي أن المستوطنات تبني بيد فلسطينية وزراعة تروى بعرق ومياه فلسطينية. نريد سلطة على الشعب لا على الموارد الطبيعية والأرض، نريد عاصمة فلسطينية في القدس الشريف ولم تحدد هل المقصود بالقدس الحرم وما يحيط به من مقابر وأسوار، أم المجال الحيوي للقدس.
البعض من القيادات قال أنه صديق لشارون وبينهما علاقات حميمة يمكن توظيفها لصالح القضية الفلسطينية، والبعض الآخر قال أن له علاقة مع موفاز وبتعاونهما سيتحقق الأمن (للإسرائيليين) وأعوانهم.
الجانب (الإسرائيلي) واضح وضوح الشمس في برنامجه وطريقة تحديد أهدافه.
لقد بنيت خططتا (الليكود) و(حزب العمل) عام 1992م ـ وقد ثبتت تلك الخطط في اتفاق إعلان المبادئ ـ على مبدأ تمسكت به (إسرائيل) بثبات منذ خطة (آلون) 1968م يجب أن تشرف (إسرائيل) على أكبر قدر من الأراضي تراه مفيدا، بما في ذلك الأراضي والموارد النافعة للزراعة والموارد الطبيعية.
لقد راحت (إسرائيل) تصعد من سلم مطالبها، على سبيل المثال القضاء على منظمتي حماس والجهاد الإسلامي وتجريد الشعب الفلسطيني من سلاحه بما في ذلك الحجر والكلمة وتسليم المطلوبين (للأمن الإسرائيلي)، ووافقت بعض القيادات الفلسطينية تلميحا أو تصريحا على بعض من تلك المطالب أو معظمها. وهكذا تسير الأمور استجابة فلسطينية للمطالب (الإسرائيلية) يعقبه تصعيد (إسرائيلي) للمطالب.
يا للهول!! (إسرائيل) تجتاح مدنا وتهدم منازل وتختطف أفرادا ومسيراتنا في كل شوارع ومدن الضفة الغربية والقطاع تتظاهر ضد إعلان (إسرائيل) بطرد عرفات وكأن الأمر اختصر في شخص الرئيس عرفات.
هذا لا يعني البتة أنني لا أؤيد أو أتضامن مع هذه المسيرات الشعبية الرافضة لقرار (إسرائيل) الظالم بطرد زعيم عربي منتخب من شعبه أو غير منتخب، إنني مؤيد لمسيرات في كل عواصم العرب وليست الجماهير في إندونيسيا اكثر قربا منا لفلسطين واكثر غيرة على المقاومة الفلسطينية الشريفة.
ما أريد قوله اليوم هو التركيز على الانسحاب (الإسرائيلي) من كل من الضفة والقطاع وإطلاق سراح جميع المعتقلين في السجون (الإسرائيلية) وإطلاق سراح الرئيس ياسر عرفات وضمان أمنه وسلامته.
لن يستجاب لهذه المطالب إلا إذا رافقتها عدة أمور أولها: رفض سلطة أبو علاء القادمة لأي مطالب (إسرائيلية) أو أمريكية تقود إلى تجريد الشعب الفلسطيني من سلاحه مهما كان نوعه ومستواه أو المساس بحماس والجهاد الإسلامي أو تسليم أو إبعاد أي مواطن فلسطيني عن أرضه.
الأمر الثاني: تشكيل جبهة وطنية متحدة من كل فصائل المقاومة الفلسطينية دون استثناء والخروج بموقف موحد لا يخترق.
الأمر الثالث: تشكيل حكومة اتحاد وطني يتمسك بالثوابت الفلسطينية التي لا يختلف فيها اثنان أهمها حق العودة، قيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة عاصمتها القدس، وحق المقاومة للعدو بكل الوسائل.
في الجانب العربي لا يجوز لأي حاكم عربي وخاصة الكبار منهم أن يسكت عما يجري في فلسطين ولا يجوز الاكتفاء فقط بإصدار بيانات الشجب والإدانة والمطالبة بتطبيق خارطة الطريق.  
المواطن الفلسطيني على وجه التحديد والعربي على وجه العموم يريد موقفا واضحا وصريحا من ولاة الأمر، في هذا الشأن، كما أن الأوروبيين ضاقوا ذرعا بمطالب وتدخلات الحركة الصهيونية في شؤونهم وكذلك الأمريكان، يقول (توماس ستوفر) أستاذ الاقتصاد المشهور في جامعة (هارفرد) في تقرير له عن التكلفة التي يتحملها دافعو الضريبة في الولايات المتحدة الأمريكية لمساعدة (إسرائيل) إنها تقدر بثلاثة ترليون دولار وهذا الرقم لا يشتمل على تكاليف أخرى سرية لا تنشر لأسباب أمنية. ويذهب الخبير الاستراتيجي (وليم هيوز) إلى القول إن ثمن علاقة أمريكا مع (إسرائيل) يزداد يوميا. إن خزينتنا أصبحت في تصرف اللوبي (الإسرائيلي).
يقيني بأن الشعوب والحكومات في أوروبا وأمريكا تريد موقفا عربيا واضحا من هذا الصراع . إنها تستنجد بالعرب لإنقاذها ـ أي أوروبا وأمريكا ـ من هذا الأخطبوط الصهيوني وذلك عن طريق استخدام كل السبل لإقناع الشعوب الأوروبية والأمريكية بخطر (إسرائيل) أي علينا أن نمارس الضغوط على أوروبا وأمريكا باستخدام النفط والاستيراد ومشتريات السلاح لصالح قضايانا العربية في كل مكان.
فهل يمكن أن يتم ذلك قبل فوات الأوان؟!