متى
نقرأ الواقع العربي في الواقع نفسه؟
د.
عبد العزيز المقالح/شاعر وأستاذ جامعي من
اليمن
البحث
عن الحلول السحرية لمشكلات الواقع العربي عبر
الكتابات ضرب من الوهم الذي تصالحنا معه منذ
وقت ليس بالقصير، والدليل على وهمية هذا
التصالح أن كتابات كثيرة جادة حاولت التعمق
في هذا الواقع وسعت إلى تجسيد أدوائه ودوائه
ولكن دون جدوى فقد بقيت الأمور على ما كانت
عليه من سوء وتدهور، بل ربما زادت سوءاً وزادت
علاقات الأشقاء ببعضهم تشرذماً وتفتتاً،
ولعلها الآن أكثر سوءاً مما كانت عليه قبل عشر
سنوات فقد تضاعفت المشكلات وزاد رصيدها في
حياة الناس وفي الأنظمة، وصار البحث عن حلول
مطلباً شاملاً ولكن عن طريق مواجهة الواقع
نفسه والتصدي لكل المعوقات التي عملت طوال
هذا الوقت على عدم الاعتراف أولاً بوجود
مشكلات وثانياً على الشعور بالحيرة تجاه
الحلول المقترحة لها، وأهمها إعادة النظر في
الواقع المحلي لكل قطر على حدة ثم إعادة النظر
بمجمل الواقع السياسي والاقتصادي للأمة
بأكملها في محاولة لإيقاف التدهور ووضع حد
للتداعيات التي توشك أن تقتلع الإجماع العربي
من جذوره.
إن
قراءة الواقع من خلال الواقع نفسه قد تكون
أكثر جدوى من قراءة كل الكتابات الشاطحة
والهادئة، علماً بأن تلك الكتابات الشاطحة
التي حاولت مواجهة الحقيقة الراهنة
بالاستفزاز والتحدي الغاضب لم يكن حظها من
النجاح أكثر من الكتابات الهادئة الموضوعية.
الأمر الذي دفع بعدد كبير ممن يكتبون في
القضايا العربية إلى التوقف عن الكتابة، وبلغ
الأمر بالبعض منهم إلى إعادة النظر في موضوع
الكتابة ذاتها. مع ملاحظة أن مشكلات الواقع
العربي ليست شديدة التعقيد إلى درجة يصعب
تحديد معالمها فهي من الوضوح إلى درجة تجعل
الإنسان العادي يتمثل إمكانات حلولها.
وما
من شك في أن فشل الأنظمة العربية في تمثل شروط
التطور ووسيلة هذا التطور هو المسؤول الأول
والأخير عن الحالة الراهنة وما يكتنفها من
سوء، وما من شك أيضاً في أن نماذج التطور التي
نقلت الشعوب من وضع أدنى إلى وضع أرقى هي في
متناول الجميع. وليس صحيحاً ما يقال من أن
الشعوب التي كانت متخلفة وارتقت قد كانت في
منأى عن الأطماع والخصومات، فما من شعب على
هذه البسيطة إلا ويعاني من عداوات وصعوبات،
لكن الوعي بها وبكيفية التعامل معها هو الذي
منح هذه الشعوب القدرة على تجاوزها وتحويلها
إلى إمكان للتحدي والتطور.
والثابت
أن لدى الأمة العربية الآن أكثر من إمكانية
لتجاوز أوضاعها لو كان المسؤولون فيها قد
ارتقوا برؤيتهم ومواقفهم إلى مرحلة الإحساس
والشعور بأنهم يحكمون أقطاراً من أمة واحدة
لا أقطاراً ذات كيانات قائمة بذاتها ومنفصلة
عن غيرها.
abdulazizalmaqaleh@hotmail.com