الحكومة الفلسطينية الجديدة وضمانات الخروج من المأزق الراهن

د. أحمد مجدلاني/رام الله – فلسطين المحتلة

التغيير الحكومي المتعدد خلال الفترة القليلة الماضية، عوض عن سنوات طويلة من الجمود والاستمرارية في عمر الحكومات الفلسطينية التي كانت تميل عادة إلى الثبات وعدم التغير، وإذا ما كانت التجربة الأولى تعكس ميلا الى المحافظة وعدم التجديد فإن الظاهرة الأخرى لا تعني بالضرورة الحالة الصحية الضرورية والمطلوبة في أي نظام سياسي يميل نحو التطوير والتجديد، بل تحمل أو هي انعكاس لازمة سياسية عميقة يعيشها المجتمع وبالتالي النظام السياسي المعبر عن ذاك المجتمع، ومما لاشك فيه فإن النظام السياسي الفلسطيني قد تعرض لهزة قوية اثر الاجتياح الإسرائيلي العام الماضي، هذه الهزة كادت تطيح به، وبكل الإنجازات التي راكمها شعبنا بتاريخ طويل من النضال والتضيحات الجسام، غير إن هذه الهزة قد أدخلت عوامل للتغيير والتجديد افتقرها النظام داخليا، وبدأت تفرض بفعل تداعياتها جملة من التغيرات والإصلاحات الداخلية، في بنية النظام السياسي نفسه استهدفت في السياق نفسه تغيير مضمون وطبيعة ووظيفة النظام السياسي الفلسطيني وبالطبع قيادته لتكون اقرب ما يكون إلى قيادة لحدية جديدة تلعب دورا أمنيا للحفاظ إلى أمن الاحتلال والمستوطنين، وتكريسه بصيغ سياسية تخدم المفهوم الإسرائيلي للتسوية التي تقوم على حكم ذاتي للسكان وليس للأرض.

ومما لاشك فيه أيضا أن العديد من القضايا والعناوين الإصلاحية التي اتخذت سمة التدخل الخارجي، كانت في معظمها مطالب وطنية داخلية كانت أطراف عديدة من الحركة الوطنية والديمقراطية الفلسطينية قد طرحتها قبل الاستيقاظ المفاجىء لدى الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأوروبية والتي جعلتها هدفا وعناوين للتدخل والإصلاح، بما في ذلك استحداث منصب لرئيس الوزراء في السلطة الوطنية الفلسطيني.

لقد ولد السياق الذي استحدث فيه المنصب أزمة ثقة منذ البداية، حيث جاء على خلفية مفهوم يقوم على استيلاد قيادة بديلة من رحم النظام القائم، والعمل على تعزيز حضورها ودورها لتحل محل القيادة السابقة، ولم تخف الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية موقفها هذا بل مارسته بأكبر قدر من الوقاحة عبر التدخلات الفظة في الحياة السياسية الفلسطينية وحتى الساعات الأخيرة من عمر الحكومة السابقة، حيث كانت تصر الى عدم إمكانية تعاملها مع أي حكومة فلسطينية جديدة ، وبهذه الطريقة ، كانت الولايات المتحدة الأمريكية وحكومة شارون ، سواء بقصد أم بغير قصد تدمر الحكومة السابقة ، من خلال المس من سمعتها ، بل وأكثر من ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تمارس أي دور مفترض أن تقوم به لحماية وتطبيق خطة خارطة الطريق التي هي بالأساس خطتها لإقرار الأمن والسلام في المنطقة وقيام الدولة الفلسطينية في نهاية الأمر ، بل إن الولايات المتحدة وكعادة كل الإدارات السابقة انحازت الى الموقف الإسرائيلي وأخذت الاشتراطات الإسرائيلية التي سمتها حكومة شارون تحفظات ، أخذتها كتعديلات عند التطبيق العملي منذ اللحظة الأولى والخطوة الأولى لتطبيق خطة خارطة الطريق في قمة العقبة .

لقد أدى الانحياز الأمريكي إلى إطلاق العنان ليد حكومة شارون لمواصلة سياسية الاغتيال والقتل وتدمير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، بذريعة مكافحة الإرهاب، ولم تتوقف عن ذلك فقط بل واصلت سياسية الحصار والخنق الاقتصادي والاجتماعي، بما في ذلك الوضع الشاذ وغير المقبول بحصار الرئيس المنتخب ديمقراطيا.

إن هذا المسلك من قبل حكومة شارون مدعوما من الولايات المتحدة، قد قوض خطة خارطة الطريق التي جاءت الحكومة السابقة على أساس برنامج لتطبيقها، وقوض بنفس الوقت قدرة الحكومة على البقاء والاستمرار بنفس الدور، لأنها أدخلتها في تناقض داخلي كان لا يمكن لها أن تحله، باللعب على الكلمات والوعود المؤجلة، لقد كان على ما يبدو المطلوب من الحكومة السابقة أن تتواءم مع الوضع القائم وتقوم بمهمة أمنية مكملة ومتناسقة مع المهمة الأمنية الإسرائيلية لتدمير ما يسمى بنية الإرهاب الفلسطينية، على اعتبار أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الوضع الفلسطيني باعتباره ساحة صراع مع الإرهاب الدولي وبالتالي فإن الحليف والشريك الإسرائيلي يواصل هذه المهمة ميدانيا.

 إن أسس وعوامل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ونضج التجربة السياسية الفلسطينية، في الوقت الذي أفشلت فيه هذه الضغوطات للدخول في حرب أهلية فلسطينية لتنفيذ هذه المهمة الموهومة، وقفزت عن الاحتلال باعتباره السبب الرئيس لعوامل التوتر والعنف بالمنطقة وليس في فلسطين وحدها. إن هذا التجاهل كان السبب الرئيس في فشل المخطط الأمريكي الإسرائيلي، وخلق بذور فشل الحكومة الفلسطينية السابقة لأنها لم تتساوق معه بفعل تركيبتها الوطنية أولا، وإدراكها إن وظيفتها الأساس هي تامين تطبيق البرنامج الوطني وليس استبداله برنامج بوش وشارون.

لقد ولدت الأزمة السابقة في سياق تفاعلاتها الداخلية العديد من عوامل الاحتكاك الداخلية ، وهي عوامل طبيعية ناجمة بالأساس إن النظام السياسي الفلسطيني دخل تجربة جديدة من نظام رئاسي مطلق، إلى نظام رئاسي برلماني يستدعي تقاسم السلطات التنفيذية، مما يتطلب توضيح القوانين بما في ذلك القانون الأساسي الذي يعتبر الدستور الفلسطيني المؤقت.

إن تكليف رئيس جديد للحكومة لا يمكن أن يحل الإشكالية التي كانت قائمة ما لم تعالج وتصوب جذورها السياسية والمتمثلة أساسا بالموقف الأمريكي الذي يمارس سياسية مزدوجة حيال الوضع الفلسطيني، وكذلك ما لم تصحصح الوضعية بان الهدف هو إزالة الاحتلال وتامين الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووقف الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وهي قضايا تبنتها خطة خارطة الطريق للتنفيذ وليس للتفاوض عليها وحولها.

لذلك فإن الإسراع في تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة وممارستها لصلاحياتها ومسؤولياتها أمر حيوي ومهم لاستعادة ثقة الشعب الفلسطيني الداخلية التي اهتزت بفعل عوامل الأزمة الداخلية الماضية، وكذلك لترميم سمعتنا الدولية والعربية التي تضررت بفعل تداعيات الأزمة والتي فتحت الباب واسعا أمام التدخلات الخارجية وهددت من وحدانية واستقلال القرار الوطني الفلسطيني، وفتحت المجال واسعا أيضا للتشكيك بقدرة شعبنا وقيادته على تحمل المسؤولية والالتزامات الدولية التي يوقعها.

إن معدم معالجة أوجه الخلل الداخلية أيضا سيعيد إنتاج الأزمة ويضعف من قدرتنا كشعب وليس كنظام سياسي على التصدي للتحديات الخارجية لذا فإنه من الأهمية بمكان مراعاة الجوانب التالية لضمان نجاح الحكومة الجديدة وعدم وقوعها في نفس المأزق السابق.

التمسك بالثوابت الوطنية بما فيها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

التمسك الحازم بالوحدة الوطنية الفلسطينية وسد المنافذ أمام محاولات استثمار الخلافات الداخلية الفلسطينية لتخفيض سقف التوقعات السياسية من قبل أمريكا و(إسرائيل).

التمسك بدور المؤسسات الشرعية الفلسطينية، مؤسسات م.ت.ف. والمجلس التشريعي، والقانون الأساسي والاحتكام إليها لحل التعارضات الداخلية.

المضي قدما في خطة الإصلاحات الإدارية وفي تجديد وتطوير بنية مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وعدم التراجع عما تم إنجازه.

التمسك بالحوار الوطني الفلسطيني كخيار لابد منه لمعالجة الشأن الداخلي ومواجهة كل الدعوات للاقتتال الداخلي ورفض المطالب الأمريكية (الإسرائيلية) بالمداخل الأمنية لحل التناقضات والتباينات الداخلية.

رفض كافة أشكال التدخلات الخارجية لتحديد خيارات شعبنا، والدعوة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في اقرب وقت ممكن على قاعدة قانون انتخابات عصري وديمقراطي يقوم على أساس النظام المختلط.

إن معالجة على هذه الأسس نعتقد أنها توفر أساسا سياسيا متينا لعمل الحكومة الفلسطينية الجديدة وتوفر تناسق وتناغم في عمل المؤسسات الوطنية المختلفة ولا تضعها في تعارض أو تضاد مع بعضها البعض، كما أنها وهو الأساس توحد طاقات وإمكانيات شعبنا لمواجهة التحديات الخارجية وهذا هو الأساس والهدف.