أين
اصبح المشروع الإمبراطوري بعد الاختبار
العربي؟
مطاع
صفدي/كاتب ومفكر عربي يقيم في باريس
أمريكا
هم عربي إسلامي وأوروبي بل عالمي. وقد ابتلت
عالم اليوم بأمراضها العضال، فهي الدولة
الوحيدة ربما التي لا تعرف كيف تواجه مشاكلها
بذاتها، بل تفرض على المجتمع الدولي ان يتحمل
عنها أعباءها، كأنما كل ما ابتليت به من
مصائبها هي من صنع الآخرين الذين عليهم ان
يتنكبوا مسؤولياتها، ويدفعون من ثرواتهم ومن
سلام شعوبهم أثمانا لذلك المتجبر الذي لا يقر
لنفسه بخطيئة، بل يفترض ان ضحاياه ملزمون
بالتعويضات عنها.
عندما تم اختراع العولمة في أوائل العقد
الماضي كان على جميع دول الأرض ان تشرع حالا
وسريعا بتغيير أنظمتها الاقتصادية مهما فرض
عليها ذلك من تكاليف اجتماعية رهيبة وأزمات
بنيوية صاعقة، كانت في غني عنها لولا ان
عباقرة الاستراتيجيا الأمريكية قد اعتبروا
انه لا شيء يدفع الانهيار النهائي عن مصير
اقتصادهم إلا إذا تم له استيعاب الاقتصاد
العالمي في دورته الكلية الخاصة به، ذلك ان ما
يسمي باتفاقيات تحرير التجارة العالمية إنما
تضع اقتصادات الدول، وخاصة منها
العالمثالثية، تحت إشراف وتوجيه ومراقبة
البنك الدولي وأمثاله من المنظمات الممسكة
بقيادة فعاليات الإنتاج والاستهلاك وحركة
الاستثمارات ما بين دول الأقطاب الرأسمالية
وبقية العالم. وتجيء العولمة تتويجا تنظيميا
ومعترفا به على صعيد أممي، لاستتباع آلي
وتلقائي للأسواق المحلية، بالسوق العالمية
المسيطر عليها من قبل أقوى اقتصاد، مكرس
لأمريكا وحدها.
ان رفع الحمايات الجمركية وإلغاء السياسات
الاقتصادية الداخلية لدول الصف الثاني
والثالث لا يؤكد انقسام الكوكب إلى قطاعي
التقدم والتخلف بصورة نهائية لا رجعة ولا
تعديل مأمولا لها في المنظور المستقبلي فحسب،
بل يحكم على هذه الدول بفقدان آخر معالم
استقلالاتها الوطنية، ويترجم انفتاحها
الاقتصادي القسري إلى استباحة شاملة لمختلف
شؤونها الخاصة لما يسمي بضرورات التكامل
الكوني، الذي هو في واقع الحال تدخل أجنبي
سافر في أخص خصوصيات هذه المجتمعات المجردة
أخيرا من ابسط حماياتها الطبيعية.
لقد نجحت العولمة في إنعاش مؤقت للاقتصاد
الأمريكي، حتى ان الرئيس كلينتون سلم خزينة
الدولة إلى رئاسة بوش وهي محققة لأول مرة
فائضا بعدة مئات من مليارات الدولارات في
ميزانيتها، وهو ذلك الفائض اليتيم الذي لم
تلبث سياسة عولمة من نوع آخر قد ابتلعتها خلال
السنتين الأوليتين من العهد البوشي، وحولت
الميزانية إلى عكس حالتها السابقة، فوصل
العجز إلى حدود خمسمئة مليار مع السنة
الحالية، والمقصود بعولمة من نوع آخر، هي هذه
النقلة الفجائية والقفزة غير المنتظرة من
الكونية الاقتصادية إلى الكونية العسكرية مع
نظرية الحرب الاستباقية التي تضع العلاقات
الدولية كلها تحت طائلة حرب عالمية شاملة، بل
حرب أمريكية على العالم اجمع، وتنتقل ساحاتها
وأجواؤها من بلد إلى آخر. فما هو سبب هذه
النقلة العجيبة المروعة، وهل أخفقت العولمة
الاقتصادية في إنقاذ أمريكا ليس اقتصاديا
فحسب، بل من ذلك المصير المحتوم الذي يتنبأ
لها به بعض الصفوة من مفكريها، وهل يمكن فقط
الرجوع إلى حجة الإرهاب الذي أوقع ضربته
الأولى في عقر الدار الأمريكية، وضد أهم رموز
عملقتها المتجبرة، هل كان الإرهاب هو
المفاجأة البنيوية الأكبر التي ربما استبقت
مصير النهاية المحتومة، وقدمت عنه نموذجا
اصغر لكنه عالي الكثافة في ترميزه وتأثيره
اللامحدودين. كأنما ضربة الحادي عشر من
سبتمبر كانت قبل عامين حربا حقيقية في الصميم
من مراكز التفوق والجبروت الأمريكية، مخترقة
خطوط دفاعاتها كلها إلى ما وراءها، حتى ظهر
العملاق فورا مجردا دفعة واحدة من عرينه
وأسواره.
لقد صنفت واقعة تلك الحرب الاستثنائية بكل
المعايير، تحت مصطلح الإرهاب. فتم بذلك
انتزاعها من دلالاتها التاريخية
والاستراتيجية غير المسبوقة. ومنعت مقدما من
توليد نتائجها المنطقية المنتظرة، بدلا من ان
تفتح الطريق المغلق أمام صفحة وعي موضوعي
يستكشف المعني الاتهامي الوحيد الذي أرادت
تلك الحرب الرمزية القصوى ان تفجره أمام
الملأ العالمي كصرخة احتجاج إنساني، رغم كل
شيء، ضد أعلى مراحل الاستبداد المركزي الذي
ينقلب إلى طغيان كوني مطلق. انه سلاح احتجاج
الضعفاء الذين قدروا أخيرا ان يقرنوا موتهم
الكلي ببعض موت ترميزي للآخرين العدوانيين،
وهم في عقر دارهم. فلقد استغلت فئة اليمين
المتصهين هجوم نيويورك كيما تفرض تحويلا
جذريا لبنية السياسة الأمريكية، بما يمكن ان
ينعكس كذلك تحولا دستوريا وقانونيا في طبيعة
الدولة الأمريكية نفسها. هذا هو السؤال
الأعمق الذي يشغل بال الكثيرين من المفكرين
والقادة داخل البلاد وخارجها. انه السؤال
الذي يريد ان يتفهم حدود التحول الأمريكي
عندما لم يعد شأنا يخص ذلك البلد وحده. بل أمرا
يمس مستقبل العلاقات الدولية في أوسع واعمق
معانيها وقيمها. هل يمكن اعتبار ذلك التحول
الأخطر مرتبطا بعهد رئاسي معين، قد يبقي
ببقائه أو يذهب معه مع انتهاء ولايته، أو انه
مجرد سياسة لعهد قد يضطر هو نفسه للرجوع عنها
بعد تجربتها وانكشاف نجاعتها أو عقمها. ان
الجواب المباشر على هذه الاستفهامات الكلية
لن يكون صعبا عسيرا. ذلك ان التحول الذي يمكن
وصفه مع الكثيرين بالفاشي، قد وضعت محاولاته
الأولى موضع الاختبار، خلال العامين
المنصرمين، ملء سمع الدنيا وبصرها وتوالت
محصلات الاختبار في مسلسل كارثي لم تغب
أمثلته المروعة عن حركة النقد الذاتي
المتصاعدة في أوساط الإعلاميين والسياسيين
المحترفين. وترتفع حدة النقاش العام مع
اقتراب الانتخابات الرئاسية.
لا أحد اليوم داخل أمريكا وخارجها يمكنه أن
يتعامى عن رؤية النتائج السلبية الرهيبة
المتفاقمة لحربي أفغانستان والعراق. وهما
شكلا افتتاحية دموية فريدة وكاشفة عن الوجه
الحقيقي لما يسمي بالحرب العالمية على
الإرهاب. فقد اتضحت أنها حرب أمريكية على
العالم. صحيح أن ساحات القتال لا تزال محصورة
بين أفغانستان والعراق، إلا انه لم يحدث ان
انشغل الرأي العام الدولي، الرسمي
والجماهيري بحروب إقليمية في العالم الثالث،
مثل انشغاله بوقائع هاتين الحربين وتطوراتها.
لكن العراق وحده احتل مركز الحدث الكوني،
والتجاوب معه كونيا كذلك، سلبا أو إيجابا،
وفضلا عن كل الأسباب الأخرى لهذه الظاهرة،
تبقي العلة الأهم هو السؤال حول مصير المشروع
الإمبراطوري الأمريكي، وإمكان نجاحه أو فشله
مع تجاربه الأولى وانطلاقا من حصائلها على
ارض الواقع. لن نعيد إلى الذاكرة القريبة ان
أوسع حركة رفض شاركت فيها جماهير الكوكب في
تلك التظاهرات المليونية، كان محركها الأول
منع الحرب ليس لكونها كارثة تحل على مجتمع
معين هو العراق، بل لان الهجمة الضارية تلك
غير المبررة، إنما هي تدشين للمشروع
الإمبراطوري الذي يتحدى العالم كله ويهدده
بفقدان سيادته على أوطانه. ولن يكون الأمر
مقتصرا على سلب الشعوب الضعيفة لاستقلالاتها
المنقوصة أصلا، إنما أدركت القوى الكبرى
الأخرى من أوروبا وروسيا والصين أنها هي
المقصودة في نهاية المطاف. وان التسلط
الأمريكي يضع في أساس حساباته التخلص من
الأنداد المنافسين، وبدءا من اقرب منافس
وربما كان الأهم والأخطر هي أوروبا واتحادها
المتنامي في مختلف أبعاده شرقا وجنوبا في
السياسة والثقافة والاقتصاد.
على كل حال فإن الرفض العالمي للمشروع
الإمبراطوري تتابع من الثورة الجماهيرية
الكوكبية غير المسبوقة في تاريخ النضال
الاجتماعي والسياسي، ضد حرب العراق قبل
وقوعها، وقد تنبأ لها بكل المآثم والفظائع
التي ما لبثت ان تداعت مع خطوات العدوان، كما
توقع لها كل خيبات الفشل والضياع عندما
يتمادى العدوان إلى مرحلة الاحتلال والتسلط
على البلاد والعباد. وها هو الآن وفي المرحلة
الثالثة من مسيرة الخطيئة العظمي يراقب
إشارات وعلائم السقوط المحتوم. لا للعدوان
والاحتلال فحسب، بل لفلسفة فائض القوة التي
سيطرت على أيديولوجيا البيت الأبيض أو
البنتاغون. لكن هذه الأيديولوجيا لا تزال
بعيدة عن الاستلام. وهي إذا كانت تقر مضطرة
بالعودة إلى شرعية الأمم المتحدة كوسيلة
خبيثة جديدة لجعل سيطرتها على العراق محمية
بقناع التدويل، إلا أنها في الوقت نفسه تفرض
إتاوة مالية وبشرية يدفعها الأنداد الكبار
كيما تقبل شراكتهم بالغرم، وليس بالغنم أبدا.
وقد أعلن باول صراحة انه يريد السيطرة لبلاده
وحدها، والتدويل من قبل الآخرين. هذه
المعادلة الوقحة في تناقضها الصارخ، هي آخر
مبتكرات الهيمنة التي لا تقر بالهزيمة بل
تسعي لجعل الشركاء الآخرين يتحملون نتائجها
الكارثية، وفي الوقت الذي سوف تمتلىء به
ساحات العراق بالجنود الدوليين، يحلم
الأمريكيون بإحكام سيطرتهم على السياسة
والاقتصاد من أعلى الهرم الاجتماعي. إذا كان
بوش قرر أخيرا الاستنجاد بتدويل الاحتلال
وحمايته عسكريا وتغذيته ماليا من قبل أقطاب
المجتمع الدولي الذين عارضوا الحرب جهارا، ثم
أدانوا الاحتلال واقعيا، فهؤلاء الأقطاب
واعون للفخ الأمريكي الجديد لن يمنحوا
شرعيتهم، ولن يجازفوا بأرواح جنودهم كبدائل
عن المحتلين الأصليين، ولن يمولوا الهيمنة
ومشاريعها، وقد اصبحوا هم اليوم في الموقع
الأقوى أخلاقيا وقانونيا. فهم الذين يمتلكون
ناصية الشروط وتعيينها. وإلا فليتركوا الذئب
الجريح يلعق جراحه بلسانه. وليحفظوا له عزلته
الأولى التي اختارها منذ ان صمم ان يلعب لعبته
وحيدا بدون شريك.
حرب بوش لم تنته بعد، وكذلك لم ينفد صبر
التدويل وأركانه. والنتائج الأبعد للمعصية
الأمريكية لا تزال مرهونة بأوقاتها، وان كانت
طلائعها لامست ارض الواقع منذ الآن.
المسألة اليوم تتعدى مصير الاستعمار
الأمريكي للعراق إلى مشروع الإمبراطورية
الذي جاءت للتجربة العراقية البائسة بمثابة
الافتتاحية الفاشلة التي تقرر مقدما كل ما
سوف يبنى على نتائجها من ذلك المشروع
الإمبراطوري الدونيكشوتي الخارج عن منطق
التاريخ والعصر. فليس ثمة قوة بدون عقل يضبطها
ويوجهها، وإلا جرفت القوة العمياء أصحابها
أنفسهم فيما يفترض ان تجرفه من أعدائها. تلك
هي ابسط الحكم التي تختصر تجارب
الإمبراطوريات الماضية التي لم تنقض وحدها،
بل انقضت معها الظروف التاريخية التي سمحت
بها.
ويقال من جديد ان الهجوم على برجي نيويورك قبل
عامين قد غير السياسة العالمية بدءا من تغيير
استراتيجية اكبر قوة قائدة لها. لكن ذلك
التغيير لم يأت في الخط المنشود والمرتقب
منه، بل جاء ضدا على انتظاراته الكونية
والإنسانية. لم ينجح في إيقاظ وعي أمريكي آخر
حتى اليوم في مواجهة عقيدة الطغيان المتسلطة
على عقول الطبقة السياسية، كتقليد متوارث بين
عهود الرئاسات منذ الحرب العالمية الثانية.
وخلال هذه الفترة الطويلة تبدلت المعالم
الجيوسياسية للعالم عدة مرات، لكن عقيدة
الطغيان كانت الأسرع في اختطاف نتائج تلك
التحولات وتوظيفها في تقوية جذورها مع تحديث
مخططاتها حسب موازين القوى المستجدة حتى سمح
أخيرا سقوط الاتحاد السوفييتي ومعسكره، في
تقديم عقيدة الطغيان سافرة كليا، فاحتلت مركز
القرار بدون منازع مع وصول المدرسة البوشية،
من الأب إلى الابن، إلى قمة البيت الأبيض
وبذلك ينقلب معني (الإرهاب) الاسلاموي إلى
توليد أقصى أشكال إرهاب الدولة العظمي، مما
يسمح لها بالتحول إلى إعادة إنتاج ذاتها
كإمبراطورية لا تقف حدودها إلا عند حدود
العالم اجمع. غير أنها وقعت في الخطيئة الكبرى
عندما لم تجد أمامها غير البوابة العربية
الإسلامية كمعبر وحيد نحو الحلم الإمبراطوري
الأعظم. وها هي اليوم تترنح على عتبة هذه
البوابة. حيثما لن تبقى الإمبراطورية ممسكة
وحدها بدقة التغيير العالمي، إنما ستكون هي
ذاتها موضوع التغيير وتأتيها رياحه العاصفة
من أية جهة تدري أو لا تدري بها. فالوعي
الأمريكي المعارض الذي لم يستيقظ كفاية بعد
ضربة نيويورك، لن يظل سادرا بعد انهيار ردود
الفعل الخاطئة عليها، وبعد سنتين وحربين
عابثتين عسى ان يهتدي عقلاء أمريكا إن كان لهم
دور، إلى علة العلل جميعها في عقيدة الطغيان،
والنافخين في نارها والمستثمرين لفظائعها.
أنها وحدها سبب كل إرهاب ينبع من الذات والآخر.
وهي تبدأ من داخل البيت قبل ان تنطلق إلى
شوارع العالم. ولعل هذا الوعي سوف يسجل لذاته
بعض وقائعه الفاصلة عبر هذه السنة الأخيرة
القادمة من عمر أسوأ عهد لأتعس رئاسة.