القصيدة
تقترب.. الموت ينأى
د.
خالد الكركي/كاتب وأكاديمي من الأردن
ألا
ليت شعري هل أبيتن ليلة
بجنب الغضا أزجي القِلاصَ النواجيا
(مالك بن الريب)
ليلة واحدة،
لك أم للوطن أم للقصيدة! أم أنها للموت..
ليلة واحدة.. وأنت في نار الحُمي، جرحك نازف،
ونجم سهيل بعيد، ووراء الغمام وطن لا يقترب
وحبيب ليس لحضوره سبيل،
ليلة واحدة! كيف؟ والغضا داخل مثلك في أروقة
الحزن بحثا عن إيقاع قصيدة..!
إنها صحوة الموت والرمل! بل هي صحوة القصيدة
وصحو الروح التي تأبي الانكسار!
ليلة واحدة.. مُني إن تكن حقا تكن احسن المُني !
فاذهب إلى القصيدة، شيحها وعرارها، فما بعد
القصيدة من حياة ولا عرار..
أيها الفتي من بني مازن!
قل لنا: ما الذي دفعك نحو الحرب.. ثم خلاّك
وحيدا في سهوب خراسان..
(جاء صوته موشحا بالعتاب والأسى، لكنه واقف
عند حدود الصبر الجميل):
ـ لن أدخل إلى الضريح إلا بعد ان تكتمل
القصيدة، إنني أرى وحشته، وأحس توهجها، وصدري
يجيش بالحسرة والشعر معا، وقصيدة راحلتي إلى
الوطن، وضريحي الذي أمشي إليه طائعا وأقول
لصاحبي ان دنا الموت مني: هيئا لي القبر
والأكفان ثم: خذاني فجراني ببردي إليكما .
زمان بلادي كما زمن العاشقين جميل
وجمرُ الغضا،
قد يردُ الروح،
وحشة هذا الفراق الطويل
وأهلُ الغضا،
لو دعاني الهوى نحوهم
قد يلبون هذا النداء العليل
وحين أري الموت وجها لوجه
ألاقيه عند الضريح،
فما في النهايات من قاتل أو قتيل..
تذكرتُ سيدة
سوف يغمرها الحزن والدمع بعدي،
فقلت: سلام عليك،
فها نحن صرعى،
وتلك الديار بقايا طلول
القصيدة تقترب،
الموت ينأى..
الغضا رماد، وسهيل لا ليل يمخر في عبابه،
والزمان لجة من الأسى، وأنت تلم ما ظل في
الحنايا من إيقاع زمان عتيق، الحب، والحرب،
والأهل، والفرس السابق، والرمح الرديني،
والسيف اليماني، وسهوب خراسان التي اغتالك
الموت فيها، الوالد المشتاق، والوالدة
الملتاعة، وابنتك التي جاز صوتها الدروب إليك
وأنت تسترجع نداءها القديم: سفارك هذا تاركي
لا أباليا .. فأيها أقرب إلى الروح: الغضا، أم
القصيدة، أم القبر..! يأتي صوتك عبر القصيدة،
إنها حفرة لا غير، تهيل عليّ الريحُ فيها
السوافيا، لكنني قبل ان اضطجع فيها سأجعل
قصيدتي أمانة لدى سهيل، فقد يحملها إلى الوطن
ذات زمان جديد.
نعم، إنها حفرة، ولكن قبل أن يجرني أحد إليها
سأنجز قصيدتي، وسأجعلها وردة الشعر العربي
كله، وأول كتاب المراثي، فهي سبب هذا الصراع
مع الموت، وان كان مقدرا لي أن لا أعود إلى
الوطن فسوف تعود القصيدة إليه، وستحملني في
إيقاعها وصباها، وصورها، وتصير لي وطنا في كل
مكان وزمان، وستظل هناك باكية تهيج البواكيا،
كلما استعاد القصيدة حزين، أو رجع إيقاعها
إنسان ينتظر ان يدرج في كفن ثم في قبر.
مالك،
ذاك أنت فأين قبرك!
ـ قصيدتي هي ضريحي، وإذا خرب الغزاة البلاد
بعدنا، فلن يجدوا ضريحي كي يخربوه، وإذا رأيت
صاحبي فقل لهما ان يعرجا علي القصيدة/القبر،
وان ينشدا، باسم أمي، من قصيدة متمم بن نويره
في أخيه:
أبي الصبر آيات أراها وأنني
أري كل حبل بعد حبلك اقطعا
وأني متي ما ادع باسمك لا تجب
وكنت حريا ان تجيب وتسمعا
أرأيت، أننا مدرسة في الحزن، ونحن الذين نطهر
بالشعر أرواحكم، ونعلمكم كيف يكون الأسى علي
الراحلين.. لقد واجهنا موتنا الشخصي أو موت من
نحب، وليت قيس بن الملوح فجع بليلي حتى تكون
صرخته في الموت لا في الفراق:
وأجهشتُ للتوباد حين رأيته
وكبر للرحمن حين رآني
وأذريتُ دمع العين لما عرفته
فنادي بأعلى صوته ودعاني
قلت: هل موت بغير بكاء!
قال: جربت هذا ورفاقي يهيئون لي الضريح، وفي
القصيدة أربع حالات من التمني
.. أعني ان يبكي أحد علي..
في الأولي:
تذكرتُ من يبكي عليّ فلمْ أجد
سوي السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر محبوكا..........
............................
وفي الثانية: ناديتُ علي صاحبي وهما يجهزان
أكفاني:
وقوما إذا ما استل روحي فهيئا
لي السدر والأكفان ثم ابكيا ليا
وفي الثالثة: كنت أسأل: هل بكت أم مالك وفي
الرابعة: كنت:
أقلب طرفي عند رحلي فلا أري
به من عيون المؤسسات مراعيا
وبالرمل منا نسة لو شهدنني
بكين وفدين الطبيب المداويا
قال: إنني أبحث عن طقوس تليق بمالك بن الريب!
قلت: ألست خائفا:
قال: من أمر واحد!
قلت: وما هو؟
قال وقد (بدت عيناه غارقتين في ضباب الأسى
والتذكر):
يقولون لا تبعد وهم يدفنوني
وأين مكان البعد إلا مكانيا
غداة غد يا لهف نفسي علي غد
إذا أدلجوا عني وخلفت ثاويا
قلت: ولكنك في الضريح وقد أنجزت القصيدة ومت:
رد غاضبا: أنت لا تعرف شيئا عن وحشة الموت
وغربة الضريح.
(بدا لي في القصيدة صلبا متماسكا، لكنه كان في
الواقع يتشظى، هل هي المكابرة التي تفرضها
عليه روح المقاتل! أم أنها كبرياء الإنسان
المبدع الذي لا يريد ان تهز رياح الموت كيانه
فيبدو للآخرين هشا وباكيا ومهزوما!
لقد أوغل في المواجهة حتى نهايتها المحتومة،
وغضب حين تخيل انهما يجرانه إلى قبره، وأنهما
قد يضيقان قبره أو يحسدانه عليه، أليس هو
الكريم والشجاع ولا صبور.! وبعد هذا كله في
قفزة من الأرض نائية! وحصانه يقاد ذليلا.. ! من
منهما يتجرع كأس مرارة الفراق علي صاحبه: هو
أو حصانه!).
جاء صوته هادئا هذه المرة، كان ينشد من قصيدة
محمد بن كعب في رثاء أخيه:
وإني لباكيه أني لصادق
عليه وبعض القائلين كذوب
فلو كانت الدنيا تباعُ اشتريته
بما لم تكن عنه النفوسُ تطيب
بعيني أو ويمني يدي وقيل لي
هو الغانم الجذلان حين يؤوبُ
قلت: لماذا تقرأ شعر غيرك في الرثاء!
رد، وقد كاد صوته يغيب:
لأنه ما من أحد سيقرأ قصيدتي علي قبري! أم ان
إيقاعها العذب الحزين يذكركم بالموت!
قلت: لماذا تقرأ شعر غيرك في الرثاء!
رد، وقد كاد صوته يغيب:
لأنه ما من أحد سيقرأ قصيدتي على قبري! أم ان
إيقاعها العذب الحزين يذكركم بالموت!
قلت: لكن الزمان قادم وسيكون لها حضور!
قال: لها حضور منذ ان كان لي غياب!
قلت: أنت حاضر فيها!
قال: ان كان ذلك حقيقيا فخذني إلى الغضا ليلة
واحدة!
ساد صمت بيننا، قلت اقرأ له رثاء لاثنين رحلا
في الأرض التي مات فيها، فطل صديقهما يزور
قبريهما وينشده
خليلي هبا طالما قد رقدتما
أجدكما لا تقضيان كراكما
هتف بي، أعد.. رقدتما .. هل الموت أيها الغريب
رقود وكري ..! ليته كان كذلك! قلت: بعد زمانك جاء
المعري وقال: ان حزنا في ساعة الموت أضعاف
سرور في ساعة الميلاد وقال كبير أحفادك
المتنبي: وفي الموت من بعد الرحيل رحيل .
قال: نحن نعرف حالنا قبيل ان نموت، أما بعده
فالعلم عند الله العلي القدير.. ان الموت حدث
كوني فردي، ولكل موته وحشرجته، ووجعه،
وتذكره، وضريحه، ولكن ليس لنا جميعا قصيدة،
بل أنا صاحبها، وهذا هو احتفالي بالحياة في
ساعة الموت علي غير نهج صاحبك المعري الذي
تطاول به الزمان وما زاره الموت وهو مثلي فتي
عائد من ميدان المعركة.
قلت: لقد تغير الموت في زماننا!
قال: كيف!
قلت، بيننا وبين زمانك مدن، ومستبدون، وحكام
ومهزومون، وأرض ضائعة، ورؤوس مقطوعة، وبيننا
كثير من الكتب والقصائد، وقليل من الحرية،
وجبال من الموت والذبح، وبيننا بعض زمان
الحزن الطيب والفرح القليل، وقد أضاعت الأمة
صباحاتها التي طلعت في زمن الفتح، واخترنا
الرثاء الجماعي العام للنكبات (مثل خراب
البصرة) ورثاء المدن (مثل بغداد) والدول (مثل
ممالك الأندلس)، وقد أطلق فينا شاعر علامة
نبدأ عندها النواح حين قال: لكل شيء إذا ما تم
نقصان!، وها نحن كلما اكتمل بناء، أو إنجاز،
نرقب نقصانه، فإن لم يفعل هدمناه لنبدأ
البكاء عليه!
(تذكرت وجوها طيبة من الطلبة الذين قرأت معهم
رائعة بن الريب، وظننت آنذاك أنني أقدم لهم
جماليات النص الفنية، وها أنا اكتشف الآن
أنني كنت أزين لهم الموت، وأدركت ان للموت
طرقا ودوافع غير التي نعرف، وان اعلي درجاته
انه حياة.. ذاك هو الشهيد الذي تمني مالك ان
يكونه وهو في جيش سعيد بن عثمان).
مالك:
أيها النائم في الورد أفق من عتمة الموت
وأحزان الظلام
انفض الأكفان عن روحك
فالنجم اليماني قريب
والمدى خيل وأسراب حمام
ثم ضوء قد صحا في الفجر،
والفجر ـ كما العشاق ـ شيخ لا ينام،
ليس عزما ان تموت الآن،
فالدهشة، مثل اللدغة الأولى،
نهارات وجمر وغمام
مالك
ها موتنا نحن مثل قطع الليل، موت علي الطرقات،
وموت ونحن نسلم أسلحتنا للأعداء، وموت
للمروءة والروح، استثني من هذا كله الذين
ظلوا على روح الفتح الأولى يقاتلون حتى السطر
الأخير في كتاب الشهادة العظيم.. ثم يصبون
دمهم في عروق القصائد والسيوف حتى لا يظل
الزمان خيبة وبكاء، وحتى لا يظن الطغاة
والخائفون والفاسدون ان الذين استضعفوا في
الأرض قد نسوا وعد الله بأنهم الأئمة
والوارثون.
مالك،
أطبق الجفن ونام .. يا الفتي الذي قال لنا، أي
أسرارك قد كان الختام! أيها الموغل بين السيف
والندي انهض فقد جاء موعد الرحيل إلى ارض
الغضا، انهض فما زال جرحك الأعلى بين موجعات
الموت، وقد مرت ألف سنة وتزيد!
انهض،
فدمك النجم، ونجمك العلامة، أما نحن فلا جمر
ولا نجم ورواء..
فالدروب إلى البصرة بعيدة ومحتلة، والأندلس (التي
ما عرفتها) جاءت بعد رحيلك بزمن قصير،
وعشقناها ثمانية قرون ثم ودعناها دون هجر
جميل، لذلك نقرأ قصيدتك، كي نتعلم أول دروس
المواجهة مع الموت، والموت في زماننا ألوان
وأشكال:
موت الرؤى، وموت الخوف، وموت الاستبداد، وموت
تحت حراب المحتلين!
فانهض أيها النسر المجنح، ثم علمنا كيف نبدع
ونحن نتجرع السم ونحول فزع اللدغة إلى دهشة في
القصيدة.
لقد تعلمنا منك ان آخر كلام يقال في قصيدتك
إنها رثاء.. إنها نشيد الحياة الذي انتزعته من
أنياب الموت وزرعته في كتاب الحزن العربي
الكبير.
صوت
نخب ذكراهُم، علي أرواحهم منا السلامُ،
الأحباءُ، الأحباءُ ـ قليلا ما أقاموا
دارتِ الكأسُ عليهم دورة أو دورتين
وهوت حباتهم تترى فمالوا ليناموا.
(تيسير الشبول)