أولويات
المواجهة
د.
عصام نعمان/لبنان
دخل
الصراع مع الأعداء في فلسطين والعراق مرحلة
جديدة وخطيرة. لعل المرحلة الجديدة بدأت في
النصف الثاني من شهر آب/أغسطس الماضي بعمليات
اغتيال مدوّية استهدفت قيادات المقاومة
الإسلامية في فلسطين والمرجعيات الإسلامية
في العراق.
ليس
من المبالغة في شيء القول ان ثمة مشتركات
ثلاثة بين الوضعين الفلسطيني والعراقي في
المرحلة الجديدة. المشترك الأول هو العدو
الأمريكي - الصهيوني في كلا البلدين. المشترك
الثاني تماثل الأسلوب الذي يستخدمه العدو في
المواجهة. المشترك الثالث تشابه الغاية التي
ينشدها العدو.
في
فلسطين، ثمة احتلال صهيوني بعون أمريكي سيطر
على نحو نصف فلسطين التاريخية في حرب العام ،1948
وعلى نحو نصفها الآخر في حرب العام 1967.
في
العراق، ثمة احتلال أمريكي بتحريض صهيوني
سيطر على العراق كله في ربيع العام الجاري بعد
نحو عشر سنوات من الحصار المضني والعقوبات
الجائرة.
في
فلسطين، طوّرت حكومة ارييل شارون أسلوب
الاغتيالات المدبرة: من استهداف كوادر
المقاومة الإسلامية، إلى استهداف قياديي
الصف الأول فيها، وصولا إلى استهداف زعيمها
الروحي الشيخ احمد ياسين.
في
العراق، استهدف (الموساد)، بإغماضةِ عين
من سلطات الاحتلال، أعلى المرجعيات فنجا
بعضها بأعجوبة بينما سقط أبرزها السيد محمد
باقر الحكيم في فجأة الغدر على باب مرقد
الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
المقصود
من وراء اعتماد هذا الأسلوب البالغ الوحشية
غايات قريبة وأخرى بعيدة. من غاياته القريبة
إلهاب المشاعر وتأجيجها وإنتاج ردة فعل عصبية
ثأرية لدى الطرف المستهدف تؤدي، في فلسطين،
إلى تنفيذ عمليات انتقامية مرعبة، وفي العراق
إلى تفجير فتنة شاملة بين أهل الشيعة وأهل
السنة.
الغرض
من استثارة ردة الفعل الدموية في كلا البلدين
يكاد يكون واحداً: إعطاء العدو الحجة
والذريعة للرد الدموي الساحق على نحوٍ يؤدي
إلى محاولة تصفية أركان القيادة الوطنية
السياسية (الفلسطينية والعراقية) من جهة،
وإعدام المقاربة السياسية في معالجة الأزمة
من جهة أخرى.
صحيح
ان القيادة الوطنية الفلسطينية بمختلف
تلاوينها تدرك غرض العدو الصهيوني من وراء
تصعيد العنف الدموي، لكنها لا تستطيع السكوت
عن جرائمه المنكرة الأمر الذي يُضطر أجنحتها
العسكرية إلى الرد تفاديا لحبوطٍ في معنويات
جمهورها وكوادرها.
خلافا
للوضع في فلسطين، ليس من قيادة سياسية موحدة
لمنظمات المقاومة في العراق. هذا مع العلم ان
اغتيال الحكيم لم يكن ردة فعل انتقامية على
عملية للمقاومة سبقتها بل هو فعل متعمد
ومباشر نفذّته الجهة المجرمة بقصد التعجيل في
تفجير الفتنة بين الشيعة والسّنة.
كما
يختلف الوضع في فلسطين عن الوضع في العراق من
حيث ان شارون حاول دائما دفع السلطة
الفلسطينية بشخص رئيسها ياسر عرفات وبشخص
رئيس حكومتها محمود عباس إلى ضرب (حماس) و(الجهاد
الإسلامي) و(كتائب شهداء الأقصى) وتجريدها من
السلاح. لكن جناحي القيادة الفلسطينية -
السلطة والمقاومة - رفضا الانجرار إلى الصراع.
في العراق، يتماهى مجلس الحكم الانتقالي مع
سلطات الاحتلال ويترك لها أمر التصدي لمختلف
منظمات المقاومة بأقصى درجات العنف.
غير
ان الوضع في فلسطين يتشابه مع الوضع في العراق
من حيث رفض العدو خيار السياسة والتسوية
السياسية مع منظمات المقاومة. فهو حازم جازم
في مسألة استئصالها بلا رحمة وبأي ثمن.
*
* *
بإزاء
هذا الوضع المتفجر في كل من فلسطين والعراق،
ما العمل؟
يميل
جناح في السلطة الفلسطينية إلى اعتماد مقاربة
سياسية في التعامل مع العدو بدعوى ان
اللاتكافؤ الواضح بين قوى المقاومة و(اسرائيل)
يجعل اللجوء إلى العنف خيارا خاسرا. هو يؤيد
المقاومة المسلحة في حدود ضيقة، لكنه يؤثر
اعتماد الحوار والمفاوضة مع العدو لتفادي
لجوئه إلى نهج العنف الأعمى ومحاولة سحق قوى
المقاومة بلا رحمة. غير ان مشكلة هذا الجناح
انه غير راغب، ناهيك عن كونه غير قادر، على
تلبية رغبة (اسرائيل) في البطش بمنظمات
المقاومة وتجريدها من السلاح. هذه الممانعة
تستغلها حكومة شارون لتبرير تولّيها هي
بذاتها تصفية قادة منظمات المقاومة ومحاولة
إخراجها نهائيا من ساحة الصراع.
فيما
يتحجج أنصار المقاربة السياسية في فلسطين
والعراق بعدم التكافؤ الساحق بين طرفي الصراع
لتبرير عدم المراهنة على المقاومة المسلحة،
يردّ قادة المقاومة المسلحة في البلدين على
هذا المنطق بان العدو يشن، بلا هوادة، هجوما
صاعقا لاستئصال منظمات المقاومة فلا سبيل
أمام خطره الماثل للالتهاء بترف البحث في
إمكانية الرد بمقاربة سياسية. ويقول هؤلاء
أيضا إن ما من ثورة أو مقاومة في التاريخ
القديم والمعاصر انطلقت وسط تكافؤ في القدرات
بين طرفي الصراع. ففي الثورات والمقاومات
تؤخذ في الحسبان موازين الإرادات وليس موازين
القوى.
اكثر
من ذلك: يشير قادة المقاومة في فلسطين بارتياح
إلى الأضرار الفادحة التي نزلت بالاقتصاد (الاسرائيلي)
منذ اندلاع الانتفاضة في أواخر أيلول/سبتمبر
2000 وبالهجرة المعكوسة إلى خارج (اسرائيل)
للبرهان على جدوى الكفاح المسلح وفعاليته.
كذلك في العراق، يستشهد أنصار المقاومة
بوقائع استنزاف أمريكا وارتفاع تكلفة
الاحتلال وتكلفة مواجهة المقاومة الناشطة
ضده، وانعكاس ذلك كله على الاقتصاد الأمريكي
حيث يتجه العجز إلى بلوغ رقم فلكي لا يقل عن 500
تريليون دولار قبل نهاية العام.. يستشهدون
بهذه الوقائع للتدليل على جدوى المقاومة
وفعاليتها.
بكلمة،
المقاومة محتمة في فلسطين لأن العدو يضع
الفلسطينيين جميعا أمام أمر واقع هو هجومه
الدموي الصاعق والمستمر، والمقاومة مجدية
لأنها تلحق أضرارا بالغة باقتصاد العدو
ستؤدي، عاجلا أو آجلاً، إلى انكفائه وانهزامه.
*
* *
ماذا
يجب ان تفعل المقاومة في فلسطين والعراق،
وماذا يستطيع العرب ان يقدموا لها ؟ وما هي
بالتالي أولويات المواجهة في هذه المرحلة؟
ما
يتوجب ان يتنبّه له الفلسطينيون والعراقيون
وسائر العرب ان قضيتي فلسطين والعراق لا
تخصان الشعبين الفلسطيني والعراقي فحسب بل
الشعب العربي على مدى القارة العربية أيضا.
انه معني بهما ومهدد بالأخطار التي تشع منهما
أولا بأول. هذا هو فهم العدو لما يواجهنا، فلا
اقل من ان يكون هذا فهمنا له أيضا.
ما
يجب التنبه له هو ان الوحدة الوطنية، لا سيما
في المجتمعات العربية التعددية، هي شرط
المواجهة الفاعلة لأعداء الأمة وقاعدتها
الصلبة. ليس أدل على أولوية هذه البدَهية من
ان الاستعمار القديم، كما الجديد، راهن دائما
على الفرقة والشرذمة والفتنة ومارسها جميعا
لشل المجتمعات العربية والحؤول دون تكامل
بنائها ديمقراطيا وإنمائيا. هذه الأولوية
تطرح، بالضرورة، مطلبا بالغ الأهمية
والإلحاح هو وجوب الحرص على ممارسة
الديمقراطية وحمايتها وتطويرها داخل مؤسسات
المجتمع المدني - من أحزاب ونقابات وأندية
وجامعات الخ - والتوظيف والتثمير في المجتمع
المدني تاليا من حيث هو جوهر النهضة العربية
المعاصرة ومحّركها الأفعل.
وما
يجب التنبّه له هو أننا، عرباً ومسلمين، هدف
لحرب شاملة تحت عنوان (الحرب على الإرهاب). وهي
حرب شديدة ومديدة ومكلفة يلعب فيها الكيان
الصهيوني دورا مركزيا.
من
هنا تستبين الحاجة إلى الرهان على الشعوب
وعلى العمل الشعبي المنظم والهادف من خلال
مؤسسات المجتمع المدني والقوى الحية. غير ان
الرهان على الشعوب واعتمادها من خلال مؤسسات
مجتمعاتها المدنية مسار طويل لا يؤمن
الاستجابة السريعة للتحديات الماثلة التي
تواجه الأمة، لاسيما في فلسطين والعراق وربما
في لبنان وسوريا والسودان، وفي محيطها
الإقليمي، لاسيما في ايران وأفغانستان،
وربما في تركيا وباكستان أيضا. من هنا تلح
الحاجة الاستراتيجية إلى تسريع بناء الكتلة
التاريخية الناجمة عن اتحاد القوى القومية
والإسلامية على امتداد القارة العربية، ولا
سيما في ساحات المواجهة الحالية، بمختلف
الصيغ القطرية والقومية والإقليمية الممكنة.
كما تلح الحاجة إلى بناء وترسيخ مرجعية عليا
لقوى المواجهة والمقاومة، بل لكل القوى
الشوروية والديمقراطية، لتلعب، قطريا
وقوميا، دور المخطط والمنسّق والموفق
والموجّه والمصحح لنضالات الكتلة التاريخية
المنشودة في جميع الميادين وعلى كل المستويات.
بقي
ان نشير إلى ان الظروف والتحديات والقيادات
تتبدل وتتغير الأمر الذي يستوجب إجراء
تعديلات في الأولويات وفي المناهج والآليات.
*
دكتور
في القانون العام - محام
بالإستئناف -
وزير
سابق للإتصالات - كاتب
و معلق
سياسي (لبنان)