تحية إلى الجماهيرية

فؤاد الحاج

أستميح القراء عذرا لأشيد بالموقف الذي اتخذته الجماهيرية الليبية مؤخراً بعدم المشاركة في اجتماعات تلك التي تسمى الجامعة العربية على الرغم من أن البعض قد يقول أن عدم مشاركة ليبيا جاء رد فعل على موقف بعض اللبنانيين بسبب قضية ما يسموه اختفاء الإمام موسى الصدر، وهذا برأينا رأي غير صحيح ولا علاقة لهذا الموضوع بمشاركة الجماهيرية الليبية من عدم مشاركتها في تلك الجامعة العربية لأن موقف أي دولة في العالم لا يتخذ بناء على موقف البعض من مواطني أي دولة أخرى، إنما ربما قد يقنع البعض لو قيل بأن ليبيا لا تريد المشاركة لأنها لم تعد تريد البقاء في تلك الجامعة أو لا تريد أن تشارك العرب في قمم، وهذا ربما يكون فيه مجال للنقاش وعلى الرغم من ذلك فأنه أيضا ليس هو الموقف أو وجهة النظر الصحيحة بشأن عدم مشاركة الجماهيرية الليبية في آخر اجتماع لتلك الجامعة وهذا ما سنناقشه ونطرحه  في الأسطر القليلة التالية.

بداية لا بد من القول بأن المواقف الحاسمة تبقى كالنار الحامية التي تصقل المعادن وتكشف أصالتها من زيفها. وهذا ما عبرت عنه الجماهيرية الليبية يوم الثلاثاء في التاسع من شهر أيلول/سبتمبر الجاري عندما التقى وزراء الخارجية الذين ينتحلون صفة العرب بصفتهم مجلس الجامعة التي توصف بالعربية، وجعلوا جلستهم، مخصصة للاتفاق على صيغة بيان يستر تخاذل وهوان الحكام الذين أوفدوهم لمهمة تجللهم وتجلل أصحاب إقطاعيات بلاد العرب المربوطة والشديدة الوثوق بحبال سرية بأوتاد معلمهم الأكبر بوش الصغير المنفذ العام لأكبر إقطاعية التي تتحكم بها عصبة من الأشرار.. المهم كان المطلوب من أولئك الذين ينتحلون صفة وزراء الخارجية أن يفتحوا أبواب جامعتهم أو مجلسهم ليستقبلوا ممثل الاحتلال الصهيو-أمريكي - البريطاني للعراق الحاكم بأمره (بريمر) واتباعه الذين منحهم لقب (مجلس الحكم المحلي).. وهكذا كان كما أشرنا في مقالات سابقة وقلنا بأن هؤلاء الموظفين في تلك الجامعة والذين أعلنوا سلفاً عن عدم موافقتهم واعترافهم بمجلس (بريمر) المعين في العراق، قلنا أنهم سيوافقوا ويعترفوا ويرحبوا ويهللوا ويطبلوا ويزمروا لهكذا مجلس وفعلا هكذا كان بعد أن تلاعبوا بالألفاظ العربية وابتدعوا صفة مراقب مؤقت في تلك الجامعة التي يقال أنها عربية، وإننا نعذر عناصر تلك الجامعة لأنهم في النهاية لا يمثلوا أنفسهم ولا شعوبهم بل يمثلون أولياء أمورهم وهؤلاء بدورهم لا ينطقون عن الهوى بل بوحي من أسيادهم في ذلك البيت البيضاوي، لكي لا نطيل الحديث وكي لا نكرر ما قلناه مراراً وتكراراً ننتقل إلى موضوعنا وهو التحية إلى الجماهيرية الليبية التي وقفت علناً لوحدها بقائدها العقيد الأخ معمر القذافي من بين الاثنين والعشرين الأعضاء في تلك الجامعة وقفت بشموخ رافضة أن تكون ضمن المرحبين بمندوب عملاء الاحتلال ممثلا للعراق، ورافضة بشجاعة أن تكون مع تلك المجموعة في الاعتراف بشرعية الاحتلال الصهيو-أمريكي. ولم يكن هذا الموقف الليبي مفاجئا أو استثنائيا، فمنذ قيامه بثورة الفاتح تقف ليبيا بزعامة العقيد القذافي المواقف القومية النابعة من إيمان عميق بأن الوحدة العربية هي سبيل أمتنا الوحيد لحماية كرامتها والدفاع عن ذاتها واسترداد حقوقها، وكم من مرة دعت الجماهيرية وعملت على تحقيق ذلك رغم أن الحرب الشعواء ضد الوحدة العربية بين أي قطرين بات من المعروف أن أعداء العرب والأمة بقيادة أمريكا تقف سداً منيعاً أمامها وتفشلها بواسطة مندوبيها من الحكام العرب، وكم من مشروع وحدوي قدمته الجماهيرية في القمم العربية وفي دعوات انفرادية وثنائية منذ منتصف السبعينات كلها باءت بالفشل ومن يعيد قراءة التاريخ العربي وبتأن وتمحيص منذ تلك الفترة وحتى اليوم يجد أن سبب فشل أي وحدة عربية دعت لها الجماهيرية إنما يكمن وراءها عدد من الحكام الناطقين بالعربية، لذلك عندما أعلنت الجماهيرية أنها لن تشارك في تلك الجلسة إنما احتجاجاً على مواقف أولئك الحكام الذين لا ينطقون بأي مفيدة ولا يعملون لرعاية مصالح شعوبهم، ولا يصدرون أي بيان ختامي لأي جلسة من جلساتهم سواء في تلك الجامعة أو في قممهم إلا بعد إعدادها وصياغتها في البيت البيضاوي، ومن المؤكد أن الصهيو-أمريكية تمارس ضغوطا شديدة على أولئك الحكام لأنهم ارتضوا أن يكونوا تبعاً وذيليين..

وقد كان من الأشرف والأفضل لأولئك الحكام العرب وممثليهم في تلك الجامعة على الأقل رفض دعوة ما أسماه (بريمر) "وزير خارجية العراق" المحتل للمشاركة في اجتماعات المجلس الوزاري للجامعة العربية، بحجة أن ذلك يتطلب عقد اجتماع على مستوى القمة العربية، وأن هذا المجلس سيرفع تقريره لتلك القمة وهي تقرر القرار النهائي بهذا الشأن على اعتبار أن العراق وهو أحد الدول المؤسسة لتلك الجامعة، وأن الشرعية القانونية تقول بأن العراق تحت الاحتلال باعتراف رسمي مما يسمى بهيئة الأمم المتحدة ومجلسها الأمني، وأن الشعب العراقي هو الوحيد الذي يحق له أن يقرر من يمثله بعد سقوط النظام فجأة، على الرغم من أننا لا نوافق على هكذا كلام مائة بالمائة ولكننا نقبله ضمن الظروف المتغيرة التي تمر بها الأمة والبلاد العربية، لأن العراق فعلا هو تحت الاحتلال وتم غزوه بأسلوب همجي وكذب ونفاق دوليين، وبما أن مصير الرئيس العراقي مجهول وأعضاء الحكومة العراقية قيد الاعتقال القسري ولا يسمح لأي كان بزيارتهم حتى لمندوب من تلك الجامعة أو من ممثل لآخر قمة التي قيل أنها عربية، للوقوف على حقيقة ومجرى ما حدث في العراق، وأن مجلس النواب أو المجلس الوطني العراقي هو آخر مجلس تم اختياره من قبل الشعب العراقي شرعاً وقانوناً، وأن ما يفرض بالباطل يعتبر باطل فأنه لا يحق لهؤلاء بالترحيب واستقبال وزير (بريمر) بالأحضان والتقاط الصور عبر شاشات التلفزة وعرض ابتساماتهم علا رغم من أن بعض وزراء خارجية الحكام العرب أشاحوا بوجوههم العابسة خجلا من أنفسهم كما اعتقد وهم يصافحون وزير الاحتلال الصهيو-أمريكي العراقي!

مع العلم بأن أي مواطن عربي في البلاد العربية أو من أصول عربية في الخارج، لم يفاجأ بفتح أبواب تلك الجامعة أمام مندوب العراق المحتل، وأن الذين قبلوا بذلك لا يختلف حالهم عن حال العراق المحتل، إذ يكفى التذكير هنا بأن البعض من رؤساء وملوك وشيوخ العرب أعطوا المجرم بوش الأب شرعية العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991، وعدد منهم بعثوا بجيوشهم إلى حفر الباطن وآخرون تحملوا نفقات ذلك العدوان الإجرامي وفتحوا قواعدهم للقوات الأمريكية البريطانية التي نفذت جريمة العدوان الاحتلالي الذي تزعمه بوش الصغير وتابعه الذليل بلير، والبقية استمروا يبتهلون إلى الله من أجل أن ينجح الأمريكان والإنكليز في التخلص من صدام حسين لأنه كشف مستورهم وفضح تخاذلهم تجاه كافة القضايا العربية وفي المقدمة منها قضية فلسطين.
ومن أغرب الأمور التي فرضت على مجلس وزراء خارجية تلك الجامعة ليس فقط بقبول مندوب الاحتلال الصهيو-أمريكي في العراق بل قبولهم أن يتضمن بيانهم الختامي الذي طبع في البيت البيضاوي وترجم هناك أيضاً على ورود كلمات وفقرات هي بالأساس ليست من اختصاصهم بل من اختصاص مؤسسات ومنظمات وجمعيات يقال أنها للدفاع عن حقوق الإنسان وهذه لم تؤشر إلا من باب رفع العتب على بعض الجرائم التي يرتكبها الصهاينة في فلسطين المحتلة وبكلمات مستحية، على العموم وكي لا نخرج عن حديثنا هنا لأن موضوع هذه المنظمات وغيرها له حديث آخر، أن يأتي ولأول مرة منذ تاريخ تأسيس تلك الجامعة على ورود فقرة تدين انتهاك حقوق الإنسان في العراق من قبل نظام الرئيس صدام حسين وهذا فعلا ملفت للنظر أن تتحول تلك الجامعة ومجلسها إلى منظمة تدافع عن انتهاك حقوق الإنسان!.. ونظراً لانعدام الحياء والخجل عند الذين أدرجوا تلك الفقرة في بيانهم الخداعي نود أن يخبرنا هؤلاء هل في بلادهم حقوق إنسان؟!.. صحيح صدق الذي قال: اللي استحوا ماتوا.

ومن أعجب عجائب تلك الجامعة!! أنها وعبر مراجعة لتاريخها منذ نشوئها وحتى يومنا هذا نجد أنها لم تكن سوى أداة إقليمية لمجلس الأمن الدولي!!.. وهذا الكلام لا نطلقه جزافاً على تلك الجامعة بل من إثباتات وشواهد نعيد التذكير بأهمها، وهي أنها منذ تأسيسها وحتى اليوم لم تساعد الفلسطينيين ولا عملت على حل قضيتهم، بل تركت ذلك لمنظمات ومؤسسات دولية منبثقة عن هيئة الأمم المتحدة.. وفي الوقت ذاته لم تعمل على حل المشاكل العربية العربية، مروراً بحروب فلسطين ولبنان وصولاً إلى الحصارات التي فرضت على الدول العربية الأعضاء فيها، بل على الدول المؤسسة لها مثل العراق ولبنان، ومن ثم الحصار الذي فرض على ليبيا منذ نيسان/إبريل من عام 1992، وكذلك على الصومال والسودان وغيرهم.. ومن هذه العجائب أيضاً ما بثته وكالات الأنباء نقلا عن متحدث عن تلك الجامعة التي يقال أنها عربية أنها أصدرت بياناً "رحبت فيه برفع الحصار عن ليبيا"!!.. وهنا لب المشكلة التي تثبت بأن هذه الجامعة ليست جامعة عربية بل هي ناطق غير رسمي باسم مجلس الأمن الدولي الذي تسيطر عليه قوى الشر العالمية بقيادة أمريكا!!. فهل نحن بحاجة لمزيد من الأدلة والعجائب عن تلك الجامعة، من يريد عليه كما قلنا بالعودة إلى فترة منذ ما بعد وفاة المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر وحتى اليوم ليجد الكثير من دقائق الأمور وتفاصيلها العملية على أرض الواقع، كي لا نقول عليه بالعودة إلى فترة تأسيس وإنشاء تلك الجامعة منذ منتصف الأربعينات من القرن الماضي، ومن يراجع وثائق وزارة الخارجية البريطانية ورسائل سفراء بريطانيا عن البلاد العربية ودورهم التجسسي فيها يجد الكثير مما لا يعرفه معظم أبناء الأمة وهنا تكمن مصيبة أمتنا..

وبما أن حصار الجماهيرية الليبية هو بالأساس حصار عربي، كما أن حصار العراق هو أيضاً حصار عربي وتم غزوه بدعم وإسناد عربي.. وها هي اليوم القدس تدنس وشعب فلسطين يقتل ويباد على مرأى ومسمع زعماء تلك الجامعة كما على مرأى ومسمع ملوك وأمراء ورؤساء تلك القمم التي يقال أنها عربية!! فهل بعد ذلك تستحق هذه الجامعة والقمم الناطقة بالعربية أن يقال عنهم سوى أنهم بياعي كلام بالعربي؟!!.. لذلك نقترح عليهم أن يعيدوا النظر باسم تلك الجامعة كما على القمة وأن يستبدلوهم باسم (اتحاد جامعة دول الشرق الأوسط الصهيوني الجديد).

وأنه يحق للشعب الليبي أن يفرح مرتين أولا بتحقيق رفع الحصار عنه وعن بلده، وثانياً لأنه عرف في نهاية الأمر بأن الانتماء إلى هكذا جامعة ذيلية لا يقدم ولا يشرف، وأن هذه الجامعة وكافة القمم العربية ليست سوى ظاهرة صوتية لأسيادهم المجهولين المعلومين.. ولأن تلك القمم التي يقال أنها عربية مع جامعتهم الذين لم يعملوا على رفع الحصار عن ليبيا أو على الأقل محاولة  لخرق الحصار ولو بطائرة من بلد مجاور ومحاذ للحدود الليبية كما فعلت الدول الإفريقية ذلك عمليا متحدية الحصار المفروض.. فهنيئا للشعب الليبي بفرحته الذي كشف مستور تلك الجامعة والقمم مجدداً.

ختاما اعتقد أن الحديث طال وتشعب فأكرر الاعتذار من القراء الأعزاء وأوجه التحية للجماهيرية الليبية المتمسكة بموقفها الرافض لتلك الجامعة وللقمم التي يقال أنها عربية، كما أنها تستحق التحية والإكبار لأنها قدرت وبأسلوب دبلوماسي سيادي ومبدئي مقابل بضعة مليارات من الدولارات من رفع الحصار الذي فرضته قوى الشر عليها منذ نيسان/إبريل عام 1992، وبذلك تكون قد أثبتت نظرية أؤمن وأعمل بها وهي أن كل شيء رخيص مهما غلا ثمنه المادي مقابل إثبات الوجود والاعتزاز بالكرامة الشخصية للفرد والمجتمع، كما أن كل شيء يبقى رخيص مقابل تحقيق ما تريد، أتمنى أن يكون البعض قد تعلم درسا في احترام الذات..