قيس عبد الكريم: لا بد من سياسة فلسطينية مختلفة تعيد الأمور إلى نصابها

أدلى قيس عبد الكريم، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية وعضو المجلس المركزي الفلسطيني، بالتصريح التالي رداً على السؤال الذي طرحته مجموعة من الصحف الأجنبية والذي جاء على النحو التالي:

س: هل فشلت خطة خارطة الطريق؟ وما هي جدوى مشاركتكم في الحكومة إذا اعتقدتم أن خارطة الطريق قد فشلت؟ وهل هذه المشاركة خطوة في طريق الإصلاح الجدي والوحدة الوطنية الحقيقية؟

أبو ليلى: الإدارة الأمريكية حكمت على خارطة الطريق بالفشل حتى قبل انطلاق عملية تنفيذها في قمة العقبة، وذلك حين تعهدت علناً لحكومة شارون بأن تؤخذ التحفظات الإسرائيلية على الخطة بعين الاعتبار أثناء عملية التنفيذ. وهذه التحفظات، كما هو معروف، تفرغ الخطة من أي مضمون حقيقي وتحولها إلى مجرد خطة أمنية تملي على الجانب الفلسطيني التزامات عليه الوفاء بها من طرف واحد، بينما تتهرب إسرائيل من تلبية ما يترتب عليها من استحقاقات، معلقة كل شيء على مشجب الأمن ومطالبة السلطة بالتنفيذ الفوري لمهمة مستحيلة التحقيق، مهمة تفكيك البنية التحتية لفصائل المقاومة، وهي المهمة التي عجزت القوة العسكرية الإسرائيلية المتفوقة عن إنجازها في الضفة الغربية رغم مرور عام ونصف على إعادة احتلالها بالكامل. وإذا كانت خارطة الطريق قد مرت بمرحلة من الموت السريري في أعقاب استئناف إسرائيل لعمليات الاغتيال الإجرامية ونسفها الهدنة التي أعلنتها فصائل المقاومة، فإن القرار الوقح الأخير الذي اتخذته حكومة شارون بالتخلص من الرئيس ياسر عرفات سوف يؤدي، إذا ما تم تنفيذه، إلى إطلاق رصاصة الرحمة على هذه الخطة، بل وعلى أي مسعى دولي لإيجاد حل سياسي للصراع الدائر.

في هذه الظروف تشارك الجبهة بفعالية في الحوار الدائر حول عملية تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة لأنها ترى فيه شكلاً من أشكال الحوار الوطني المطلوب بإلحاح للتوصل إلى توافق فلسطيني شامل حول الخيارات السياسية والكفاحية المتاحة في مواجهة العدوان الإسرائيلي الذي بلغت شراسته ذروة لا سابق لها. نحن لم نقرر بعد المشاركة في الحكومة ولكن من الطبيعي بالنسبة لنا، كقوة فلسطينية فاعلة ومسؤولة، أن نشارك في الحوار حول "أي حكومة نريد؟" وأن نطرح رؤيتنا لما يتطلبه الوضع بالنسبة لبرنامج الحكومة وتكوينها. هذا لا يتأتى من مراهنتنا على إمكانية نجاح خارطة الطريق، بل هو بالعكس تعبير عن أملنا في أن تدرك كل القوى الفلسطينية حقيقة أن المسار الذي تفرضه الإدارة الأمريكية وحكومة شارون تحت عنوان التنفيذ المزعوم لخارطة الطريق هو مسار يقود إلى طريق مسدود، وأنه لا بد من سياسة فلسطينية مختلفة تعيد الأمور إلى نصابها وتفرض بداية جديدة لمسيرة سياسية جادة تقود إلى إنهاء الاحتلال لا إلى تكريسه. ونقترح أن نبدأ هذا المسار الجديد بإطلاق مبادرة فلسطينية تدعو إلى وقف متبادل لإطلاق النار بضمانات دولية فاعلة وتحت إشراف مراقبين دوليين، بما يمكن من وضع جدول زمني للتنفيذ المتوازي بخطوات متبادلة للاستحقاقات المترتبة على الطرفين بما في ذلك وقف الاستيطان الإسرائيلي وتفكيك البؤر الاستيطانية وفك الحصار عن الشعب الفلسطيني والرئيس ياسر عرفات، والانسحاب من المواقع التي أعيد احتلالها بعد أيلول 2000، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، ورفع الحظر على عمل المؤسسات الفلسطينية في القدس، وأن يجري ذلك كله في ظل رقابة دولية فاعلة من قبل اللجنة الرباعية بجميع أطرافها. ان مبادرة كهذه يجب أن تكون موضع توافق وطني فلسطيني شامل، وان تشكل بالتالي البرنامج التفاوضي للحكومة الجديدة تحت إشراف منظمة التحرير الفلسطينية التي هي المرجعية السياسية العليا والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

في الوقت نفسه ليس لدينا أوهام بأن هذه المبادرة ستمكن من الاحتواء العاجل للعدوان الإسرائيلي. ولذلك لا بد من دعمها بخطوات فورية وناجعة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني بما يعزز مقومات الصمود لشعبنا في مواجهة هذا العدوان. وهذا يتطلب الاتفاق على خطة وطنية للإصلاح والتغيير الديمقراطي تتضمن التحضير لانتخابات عامة وفق قانون انتخابي ديمقراطي عصري يعتمد التمثيل النسبي، كما تتضمن حلولاً لمعضلات الفقر والبطالة التي باتت تعاني منها الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني في ظل الحصار والإغلاق الإسرائيلي. على أساس هذا البرنامج المشترك، السياسي والإصلاحي، يمكن أن تتشكل حكومة ائتلاف وطني كجزء من عملية شاملة لتعزيز وتوطيد الوحدة الوطنية الفلسطينية وإرسائها على أسس متينة بتشكيل قيادة وطنية موحدة تضم جميع القوى الحية في مجتمعنا وتتولى البت في الخيارات الرئيسية وإدارة المعركة بمختلف جوانبها على أساس المشاركة الجماعية في صنع القرار الوطني. في هذه الحالة ستكون الجبهة الديمقراطية على استعداد للمشاركة في الحكومة الجديدة. والجبهة لم تتخل في يوم من الأيام عن استعدادها لتحمل مسؤولياتها الوطنية، وبخاصة في الظروف الصعبة، ولكن على أساس سياسي وائتلافي واضح يضمن المشاركة الفعلية في رسم السياسات وليس فقط الالتحاق بالسياسات العقيمة التي قادتنا إلى المأزق الذي نحن فيه.