العودة إلى أبجديات الصراع العربي ـ الصهيوني

محمد ناجي عمايره

mohamayreh@hotmail.com

صعدت حكومة شارون من ضغوطها على الفلسطينيين بقرارها طرد الرئيس ياسر عرفات أو إبعاده عن الأراضي الفلسطينية، ومثل هذا القرار أوجد ردود فعل واسعة داخل فلسطين وخارجها وهي ردود فعل متفاوتة ومتباينة ويلفت الانتباه رد الفعل الأميركي الذي لم يجد في القرار إلا انه لا يشكل حلا!!

لا شك ان الشعب الفلسطيني متمسك حتى الموت بقيادته الشرعية المنتخبة التي يمثلها الرئيس المنتخب ياسر عرفات ولكن (اسرائيل) تضرب عرض الحائط بكل المعايير والأعراف والاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والإقليمية والدولية، وهي تتصرف برضا ومباركة الراعي الأميركي الذي بات طرفا إلى جانب (اسرائيل) وليس وسيطا ولا محايدا.

وخطابات بوش وتصريحات باول، وتصرفات كبار الساسة الأميركيين تصب في هذا الاتجاه وتوضحه ولا تدع مجالا للشك فيه، وعلى الرغم من هذا يبقى لدى بعض سياسيينا وإعلاميينا ـ نحن العرب ـ شئ من التفاؤل بأن أميركا ستكون منصفة وتساهم في (منحنا) شيئا من حقوقنا!

لا نجادل مثل هذا التوجه فقد أوضحت الأحداث والتطورات الأخيرة مدى سذاجته وضعف محتواه، وغرائبيته ان لم نقل رومانسيته!

ومن اللافت ان أصحاب هذا الاتجاه الغرائبي الذي لا يزال يراهن على (عدالة نظام بوش العالمي) يتهمون أصحاب التوجهات الجذرية الوطنية والقومية والإسلامية بالرومانسية والحلم والتباعد عن الواقع غير أننا نسأل هؤلاء ما الذي جاءت به مراهنتهم على العدالة الأميركية؟ وما الذي أعطاهم إياه توجههم الذي يعتقدون انه (واقعي)؟

ومثل هذا السؤال لا يحتاج منهم إلى إجابة فها هي نتائجه الواضحة على ملامح المرحلة كلها التي قوت فرصة السيطرة الأميركية و(الاسرائيلية) على المنطقة، وكل ما سموه فرصا ضائعة لم يؤت أكله، كما ان التعاطي (بالواقعية) مع الطروحات والمشروعات الأميركية منذ اكثر من ثلاثة عقود، حتى لا نعود إلى فترة ابعد، لم يعط نتائج افضل من الرفض المطلق وما سمي في حينه بـ(لاءات الخرطوم).

بالتأكيد نحن لسنا مع العدمية والانغلاق، ولا مع تضخيم القدرات والإمكانيات العربية التي أدت إلى كثير من الهزائم والضياع والانحسار، لكننا أيضا لا نستطيع ان نكون مع (واقعية) لا تجد أمامها إلا الاستسلام والقبول بما يقسمه لنا شارون وبوش أو ما يرغبان لنا فيه ! فهي وقوعية على أقدام الأعداء والأصدقاء ـ على حد سواء!

ولا يبدو المشهد العربي مشجعا على المضي في جدلية التفاضل بين (الواقعية) و(الثورية) في ظل النظام العالمي الجديد والانكسارات والهزائم المتوالية، فكلاهما لن يؤدي إلى نتيجة تقبل بها الأجيال القادمة التي لطالما راهن عليها المراهنون في الجانبين، غير ان العودة إلى الثوابت وأبجديات الصراع ستكون أجدى من اللهاث وراء حلول موعودة وتسويات وهمية، والعودة إلى الثوابت وأبجديات الصراع تعني أولا وأخيرا الانتباه إلى تعزيز إرادة المقاومة والمواجهة لا التراخي والاستسلام، ونحن في كل الحالات ندافع عن وجودنا وهويتنا وحقوقنا، ولا نعتدي على أحد، والمفروض ان نعي هذه الحقيقة وان ننطلق منها في إعادة هيكلة سياساتنا وخياراتنا فالسلام الذي اخترناه نهجا ـ لا تكتيكا ـ لا يلغي الإرادة في التحرير والمواجهة، وإعداد القوة القادرة على استعادة التوازن المفقود، وهذا يتطلب توظيف سائر إمكانيات الأمة ومواردها، واستعادة الود المفقود بين فصائلها وقياداتها وكياناتها والعودة إلى التفكير الجدي بدور الجماهير واستثارة الحماس الشعبي للمقاومة ورد التحدي والرهان على عمقها المؤهل لامتصاص الضربات وانتزاع زمام المبادرة.