من
قتل آنا ليند الوزيرة السويدية التي تحدّت
بوش وشارون
يحيى
أبو زكريا/صحفي من الجزائر يقيم في السويد
خسرت
السويد وأوروبا شخصية سياسيّة لا تعوّض، فآنا
ليند وكما يقول المقربون منها ليست مجرّد
ديبلوماسية تتقن فنّ العلاقات السياسية
والإصلاح بين المتخاصمين الدوليين، بل نجحت
إلى أبعد الحدود في دمج السياسي بالثقافي
والديبلوماسي بالإنساني وأضفت على مسلكيتها
الديبلوماسية نزعة إنسانية كانت تسقطها على
كل مواقفها، ولذلك كان الإنسان المعذّب
والمستضعف على وجه التحديد يشعر بأنّ ليند
كانت قريبة منه، تتفهّم وضعه وقضيته، كانت في
كل مواقفها في خطّ المستضعفين ضد خطّ
المستكبرين الدوليين، كانت ضدّ عسكرة
الديبلوماسية فوقفت بقوة ضدّ الحرب
الأمريكية على أفغانستان وبعدها على العراق،
وتحدّت رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون
أكثر من مرة ووصفته بالمجنون وأعلنت في
القناة التلفزيونية السويدية الرسمية أنّها
ستقاطع البضائع الإسرائيلية ولن تشتري
الفواكه الإسرائيلية التي تباع في الأسواق
السويدية.
تحدّت
الدانمارك عندما قررت الإساءة إلى اللاجئين
القادمين
من
العالم الثالث، ومدت يدها إلى الأفغان الذين
رفضت استقبالهم أوستراليا وأعلنت
عن
استعدادها للتوسط بين الكوريتين.
وفوق
هذا وذاك وصفت الرئيس الأمريكي جورج
بوش
بالأحمق في أوج الغطرسة الأمريكية والترهيب
الأمريكي لأوروبا حتى تنساق وراء
الخطّ
الأمريكي.
كانت
تعرف الكثير عن العالم العربي والإسلامي وحتى
الفضائيات
العربية
كانت تعرفها وتعرف عدد مشاهديها، وعندما حصرت
واشنطن وتل أبيب تعاملها مع
محمود
عبّاس أبي مازن دون غيره قالت آنا ليند أنّ
أمريكا وإسرائيل طبعتا قبلة الموت
على
جبين محمود عبّاس وكانت تقصد الموت السياسي
وموت المسار السلمي في الشرق الأوسط.
كان
مكتبها في ستوكهولم مفتوح لأي فلسطيني وعربي
ومسلم، كانت تلقائية في
حياتها
متواضعة إلى أبعد الحدود تتجول وحدها في
الأسواق وبين الناس، وتسافر
بالقطار
وحدها لتزور أولادها في منطقة نيشوبينغ إحدى
محافظات السويد.
كانت
آنا
ليند
تمثّل مستقبل السويد باعتبارها كانت ستصبح
رئيسة وزراء السويد بلا منازع، وكانت تؤمن
إلى النخاع بحوار الحضارات والديانات وأقامت
وزارتها مؤتمرا كبيرا في ستوكهولم قبل سنوات
عن أوروبا والإسلام حيث دعيّ إلى هذا المؤتمر
شخصيات إسلاميّة
من
كل البقاع الإسلامية وربما بعض من هذه
الشخصيات تتهم بالراديكالية في بلادها، لكن
آنا ليند تؤمن إلى النخاع تماما كالمؤسسة
السياسية والأمنية في السويد بأنّ
الأمر
مادام محصورا في دائرة الفكر والنقاش فلا ضير
في ذلك وبالإمكان مقارعة الحجّة
بالحجّة،
والفكرة بالفكرة، والدليل بالدليل.
وعندما
اعتقلت الأجهزة الأمنية
الأمريكية
محمد غزالي الجزائري الذي يحمل الجنسية
السويدية في باكستان واقتادته إلى
غوانتانامو
أرسلت وفدا رفيع المستوى من وزارة الخارجية
والداخلية لمطالبة واشنطن
بإطلاق
سراحه فورا حتى لو كان مسلما يؤدي الصلاة و
يحرص على الصيام، فمادام مواطنا
سويديا
فلا بدّ أن يعود إلى ذويه في السويد خصوصا
وأنّ واشنطن لا تملك أدلّة ضدّه، وهددت
باستدعاء السفير السويدي من واشنطن ما لم يعد
محمد غزالي المعتقل في
غوانتانامو
إلى أبيه مهدي غزالي الذي استقبلته ليند
ورئيس الوزراء السويد وهو
الملتحي
ويعتمر طاقية وربما لو كان يتجوّل في شارع من
شوارع العالم العربي لجرى اعتقاله، لكن مادام
يحمل جوازا سويديا و يتمتّع بحق المواطنة
السويدية فلا ضير في
أساليب
تفكيره أو ممارساته العباديّة.
هذه
المواقف الشجاعة وغيرها كثير خاصة
وأنّ
عمرها السياسي بدأ منذ كانت طالبة في جامعة
أوبسالا الشهيرة جعلتها محلّ احترام
السويديين بمختلف ألوان طيفهم السياسي، كما
تتمتع باحترام كبير من الجاليّة
العربية
والمسلمة في السويد، بالإضافة إلى ذلك فإنّ
كل المسؤولين الأوروبيين كانوا
يحترمونها
وقد كانت آنا ليند الرجل الوحيد في كل
اجتماعات الاتحّاد الأوروبي في
بروكسل
وغيرها.
من
قتل آنا ليد!
تجدر
الإشارة إلى أنّ رئيس وزراء السويد
ألوف
بالمه الذي اغتيل في شهر شبّاط – فبراير سنة
1986 كان هو الآخر مناهضا للأمركة
وكان
يتظاهر ضد السفارة الأمريكية في ستوكهولم
منددا بحروب أمريكا في فيتنام وغيرها
وقد
ذكره ريتشارد نيكسون في مذكراته ببعض
الاحتقار، مازال قاتله مجهولا وغامضا،
وعندما يلف الغموض الجهة القاتلة فمعنى ذلك
أنّ هذه الجهة تتمتّع باحتراف شديد و
دقة
أمنية متناهية حيث اختفى القاتل ولم يترك إلا
بعض ما يشوّش به على المحققين أمر
هويته،
ورغم أنّ الأجهزة السويدية معروفة بالكفاءة
الكبيرة إلاّ أنها عجزت في
الوصول
إلى هوية قاتل ألوف بالمه أو وصلت إليه وأخفت
الأمر لأنّ هذه الجهة المنفذّة
تسيطر
على العالم ولا يمكن تحدّيها كما يقول بعض
السويديين.
والأمر
نفسه
يتعلّق
بالسيدة ليند حيث كانت واشنطن وتل أبيب من
أبرز المتضررين من مواقفها وتصريحاتها التي
كادت تحرّض أوروبا على الخط الأمريكي
والصهيوني، ولا يسمح لشخصية
من
وزن آنا ليند أن تخرج عن الخط الذي تريده
أمريكا وإسرائيل أن يسود في أوروبا على
وجه
التحديد.
غير
أنّ نائبة المدعيّة العامة السويدية أغنيتا
بليبيري أعلنت عن اعتقال الأجهزة الأمنية
السويدية لشخص عمره 32 سنة واقتيد إلى التحقيق
وهو معروف
بسوابقه
في مجال استخدام السكاكين.
غير
أنّ الجهات الإعلامية والسياسية في
ستوكهولم
بدأت تطرح العديد من التساؤلات ومنها أين
ذهبت المصورات – كاميرات الفيديو
– المنتشرة
في المحلات التي كانت فيها آنا ليند ألا يعقل
أنّها صورت الجاني وهو
يقترف
جريمته!
ألا
يعقل أنّه وضع بصمات أخرى غير بصماته على
السكين المتروك في
موقع
الحدث لمراوغة الأجهزة الأمنية!!