العراق، قبل وبعد..  

نفي صدام حسين..

باسم سكجها/الأردن

يقطّع القلب مشهد وصول أفراد عائلة عراقية إلى عمّان، ويكون باقي العائلة في انتظارهم، ويذكّرنا اللقاء الحميم بذلك الذي كنّا نشاهده بعد نكسة حزيران/يونيو حين كان يصلنا الأهل من الضفة الغربية، فنكاد نتحسّس وجوههم غير مصدّقين أنّهم ما زالوا على قيد الحياة، ونستمع إلى أصواتهم لنميـّز أنّهم ما زالوا هم أنفسهم.
وقُبيل فجر بداية الأسبوع الماضي تابعت حارتنا مثل ذلك اللقاء، حين أعلنت السيارة الكبيرة القادمة من بغداد عن وصولها بإطلاق الزمامير على آخرها، ونزل المستقبلون إلى الشارع في ما يشبه المظاهرة، وتبادل الجميع القبلات والأحضان، وأمطر القادمون بالأسئلة عن الوضع هناك من ماء وكهرباء وعن باقي الأهل والأصدقاء، وما إذا كانوا ما زالوا على قيد الحياة.
وتثور في أذهاننا أسئلة من نوع آخر، على شكل مقارنة ما كان عليه الوضع خلال الحكم السابق الذي قيل فيه الكثير الكثير، حتّى تحمّل ما لا يحتمله عقل واحد، وما هو عليه الآن حيث المحتل الأميركي الذي جاء لتحقيق الديمقراطية والرفاهية للشعب العراقي، فلم نسمع في يوم أنّ الكهرباء قطعت عن مدينة عراقية، أو أنّ هناك أزمة ماء في مكان ما، وعلى الرغم من الحصار الذي خنق العراق مدّة أربع عشرة سنة، فإنّ الحياة كانت طبيعية بشكل أو بآخر، والأمن متحقّق، والحياة تسير كما أراد لها خالقها.
أمّا اليوم، فلا ماء ولا كهرباء ولا أمن ولا نفط في البلد الذي يملك أكبر الاحتياطات منه، وكانت له هذه النعمة نقمة، وممّا سمعنا من القادمين هناك يبدو أنّ الجحيم هو الذي يفرض ظلاله على العراق، وأنّ الخارج منه يعتبر نفسه وكأنّه ولد من جديد، وأنّ الأمل الصغير في التحرير تبدّد مع دخول أوّل جندي إلى العراق، وفي كلّ الأحوال فالكلّ يتحسّر على الأيام الماضية التي تظلّ جنّة إذا قورنت بما يعيشه العراقيون الآن..
ولسنا نروّج لنظام صار في التاريخ، ولكنّنا ننقل الأسئلة التي تتردّد على ألسنة العراقيين الآن، وتظلّ عيون القادمين تذكّرنا بأهلنا في فلسطين، وهو قدر عجيب غريب هذا الذي ينبغي أن يعيشه المواطن العربي في بلده وفي بلاد الغربة أيضاً.

نفي صدام حسين..

باسم سكجها/الأردن 

نفي صدام حسين شخصياً تبنّي تفجير النجف، وقتل محمد باقر الحكيم ومعه العشرات، وجرح المئات، وترويع عشرات الآلاف، جاء في وقته، ويهدف بالضرورة إلى تجنيب البلاد الدخول في حرب أهلية، ويحمل حسّاً كبيراً من المسؤولية الوطنية، ونتمنّى أن يحقّق غايته في توجيه الأنظار إلى الجهات التي قامت به، وستستفيد من عواقبه المأساوية..
ويأتي النفي قبل دفن جثمان الفقيد، الأمر الذي يؤشّر إلى فهم دقيق للمجتمع العراقي، ومع أنّ ما بين نظام صدام والتوجّه الذي مثّله الحكيم ما صنع الحداد، فإنّ الترفّع عن إثارة الفتنة واتّخاذ الثارات عنواناً للعمل، يُسجّل للرئيس العراقي السابق، ويسحب البساط من تحت أرجل فتنة يُراد للعراق أن يدخلها بعد أن فشل الاحتلال نفسه في إثارتها وجعلها حقيقة واقعة..
ويأتي النفي، أيضاً، في اليوم التالي لإعلان محافظ النجف عن أنّ كلّ الموقوفين في القضية عراقيون، وليس بينهم عرب، وهم يّعدّون على أصابع اليد الواحدة، نافياً بذلك كلّ الأنباء الغربية التي ركّزت على وجود عرب وبالتحديد مواطنين من السعودية، ومنتمين لتنظيم القاعدة، الأمر الذي يبدو تحريضاً واضحاً للشيعة ضدّ السنة في العراق، وتحريضاً للعراقيين على العرب..
ويأتي النفي، أيضاً وأيضاً، بعد يوم من خطاب شقيق الفقيد، وخلفه في الدين والسياسة، الذي أعلن في بغداد عن ضرورة إنهاء سياسة الاحتلال الأميركي، وأدان الطرف الأميركي بشكل مباشر في العملية لسبب عدم قيامه بالحماية، وأكد على أنّ الاحتلال جاء بالقوة، نافياً ضمنياً تأييد الشيعة له منذ البداية..
ومن الواضح أنّ العراق بات كلّه ساحة حرب على الاحتلال الأميركي، وأنّ واشنطن تغرق شيئاً فشيئاً في ذلك المستنقع، ويبدو الحلّ الأمثل لها في خلط الأوراق وتحريض الأطراف المختلفة على قتال بعضها بعضاً لتقف هي على الحياد، وهو ما تنبّه له صدام حسين، ومحافظ النجف، وآل الحكيم أنفسهم.