حالة الفكر العربي

د. محمد عبد العزيز ربيع/أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي -  جامعة الأخوين المغرب

الفكر طائر جميل يعشق الحرية، يرقص على الأغصان، يغني للعاشقين، يعانق السماء، ويوقظ المجد والمجتهد والمؤمن في الصباح لتعلو البسمة وجوههم ويعمر الأمل قلوبهم، انه ذلك الطائر الذي يبكي في القفص فتتوقف الأغصان عن التراقص، وتخلو السماء من نجوم النهار وألوانها الزاهية، ويفقد العاشقون من يغني لهم أغاني الفرح، ويستيقظ المجد والمجتهد والمؤمن في الصباح حزينا لتملأ خيبة الأمل والإحباط قلبه، الفكر هو الشعلة التي تحتاج للأوكسجين كي تحترق وتضيء ظلمات الليل، وتذوي وتموت حين تفقد الأوكسجين في شجون الكبت والإرهاب.
الفكر العربي اليوم هو طائر كسيح، كان حرا يغني ويستعد للرقص على الأغصان وحوله مجاميع العاشقين تتأهب لتشاركه الفرحة حين هبت عليه عاصفة ترابية قوية حملته إلى أعالي السماء وكسرت جناحيه. تركته معلقا هناك لا يدري كيف يهبط إلى الأرض ومتى ستهدأ العاصفة كي يهبط. انه يخاف الهبوط بلا جناحين لان الأرض تحته تبدو صخرية وأجواؤها حارقة لا تسكنها الأشجار ولا يتجمع حولها العاشقون.
في الثلاثينات من القرن الماضي حين كان الفكر يتمتع بقدر من الحرية كتب أحد المفكرين كتابا بعنوان (لماذا أنا ملحد)، وذلك دون خوف من ردود الفعل المتشنجة والعاطفية واللاعقلانية، كان الرد عليه في كتابين حمل أحدهما عنوان (لماذا هو ملحد)، وحمل الثاني عنوان (لماذا أنا مؤمن) وهكذا سمح الفكر والفكر النقيض ان يطرح نفسه بحرية، وسمح للقارىء والمعني بقضايا الإيمان والمعني بعدم الإيمان، بالاطلاع على مختلف الأفكار واتخاذ الموقف المنسجم مع ذاته منها دون تشنج ودون اتهامات. كان هذا حال الفكر قبل سبعين سنة، وهي حال عاشت سنوات تراجع للحرية وبروز اتجاهات فكرية - أيديولوجية - سياسية قضت على حرية الفكر ووضعت طائره الجميل في قفص الكبت والإرهاب والقهر التي لا تستند إلى العلم أو الأمانة أو مصلحة الوطن والمواطن.
دخل الفكر العربي عموما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية فترة تمحور حول الذات استهدفت الدفاع عن التراث و(مقاومة المستعمر) والتحريض على الثورة ونيل الاستقلال. وهذا جعل فكر تلك المرحلة يتحرك ضمن إطار ما كان قائما ومتوارثا من الأفكار والآراء في حينه، يقدم الاقتراحات لإصلاح الواقع ولكن دون التفكير في الخروج عليه وطرح بدائل له. لقد رأى مفكرو تلك الفترة حالة التردي والوهن العربية، كما رآها من سبقوهم بعقود، باعتبارها مجرد انتكاسة مؤقتة وان مصيرها بالتالي هو الزوال، واستعادة الواقع العربي والثقافة العربية ما كانت تتمتع به في الماضي البعيد من صحة وعافية وحيوية.
ومما ساهم في تكريس هذه النظرة ومنحها قدرا من العلمنة كتابات الفيلسوف البريطاني ارنولد توينبي التي قالت بأن »التاريخ يعيد نفسه«، وان مصير الغرب وحضارته لا يبشر بخير، بل بالتراجع والانهيار. وهذا جعل الفكر العربي وفكر مختلف الشعوب المستعمرة عامة تؤمن بحتمية تاريخية ترى فيها ومن خلالها العودة إلى الماضي المجيد واستعادة مظاهر القوة وأسباب العظمة التي فقدتها وافتقدها لقرون. ان الاقتناع بهذا المنطق، الذي لم يكن علميا ولا واقعيا في أية فترة من فترات التاريخ الإنساني، جعل الانتظار هو السبيل إلى النهوض، والتمسك بالتراث هو الموقف السليم لضمان تجاوز الانتكاسة.
في ضوء ذلك اصبح الفكر العربي بوجه عام تقليديا إلى حد كبير، ومتفائلا إلى حد بعيد، وبالتالي عاجزا عن إدراك عمق المعضلة العربية ومغزى التطورات العالمية، خاصة في مجال العلم والتكنولوجيا والاقتصاد ووسائل المواصلات والاتصال. ان الفكر التقليدي هو فكر يدعو إلى النهضة انطلاقا مما هو كائن واستنادا إلى ما هو متراكم من التراث الثقافي الذي يعتبره مسؤولا عن النهضة في الماضي وقادرا على معاودة النهضة في المستقبل. وهذا يجعل الفكر التقليدي، سواء أكان دينيا أم قوميا أم ثقافيا محافظا، عاجزا عن رؤية بدائل لما هو قائم، بل غير قادر على قبول بدائل لما هو قائم ومتراكم من العادات والتقاليد والأفكار والمواقف والقناعات وطرق التفكير والتنظيم بل اكثر من ذلك، يميل المتطرفون من المفكرين التقليديين إلى اتهام كل من يدعو إلى نقد ما هو قائم من عناصر ثقافية، وتقييم ما هو متراكم من قيم ومواقف تراثية بالتشكيك في منجزات الأمة وماضيها والترويج لأفكار وثقافات غربية وغريبة ومادية.
ان ما هو قائم اليوم من عادات وتقاليد ومواقف وما هو متوارث عبر العصور من قيم اجتماعية ونظرة إلى الغير فلسفية هي مكونات ثقافية وأيديولوجية تطورت وتراكمت عبر عصري القبلية والزراعة وهذه تركة ثقافية تجاوزها الزمن عندما تجاوزت حركة التطور الحضاري الإنسان مجتمع القبيلة والقرية وأنماط حياتها الإنتاجية وعلاقاتها الاجتماعية. وهذا جعل معطيات الواقع العربي الثقافية غير صالحة للتعامل مع العصر، وجعل تركة العرب الثقافية والأيديولوجية غير محتملة لتحقيق النهضة المرجوة وذلك بحكم قدمها وصلاحيتها لزمن آخر لم يعد زمن اليوم. وفي الواقع، قامت حركة التطور الحضاري الإنساني بجعل تركة العرب الثقافية وعناصرها المختلفة إشكاليات تعيق عملية التطور العربي في كافة المجالات ولا تدفع بها إلى الأمام.
إن الشعوب التي قادت حركة التطور الحضاري الإنساني من عصر القبلية والزراعة إلى عصر الصناعة لم تواجه المشكلة التي تواجه العرب اليوم بنفس الدرجة من الحدة أو العمق. ويعود السبب في ذلك إلى ان تلك الشعوب، وخلال انتقالها إلى عصر الصناعة، وجدت نفسها تعيش حالة تحول اجتماعي، ثقافي أملتها طبيعة التطور وحتمها تغير نمط الإنتاج، كذلك لم تكن الثقافة في حينه قد تطورت وتبلورت على شكل ثقافة مجتمعية ووطنية تخص مجتمع الدولة أو الأمة ككل. وفي الواقع، لم تتبلور الثقافة التي يطلق عليها اليوم (الثقافة الوطنية) بشكل واضح إلا بعد ظهور وتبلور الدولة القومية أو الدولة الوطنية. أما العرب فان غالبية عناصر ثقافتهم أصبحت عبئا عليهم لأنها لم تتطور بسبب الفشل في تطوير نمط الإنتاج في بلادهم، ولأن الدولة الوطنية استكملت مؤسساتها وبلورت ثقافتها كرد فعل على تحديات الآخر وفي غياب النهضة بمفهومها الاقتصادي - التكنولوجي والسياسي الاجتماعي.
جاءت دعوة المصلحين الأوائل عبر قرن من الزمن ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر كرد فعل على الغزو الاستعماري الغربي - العسكري والاقتصادي والثقافي، ونتيجة لإدراكهم ما كان يعانيه الواقع العربي من وهن وتخلف. وبسبب قيام البعض منهم بالدراسة في أوروبا أو التعرف على تجربة الغرب الحياتية اصبح بإمكانهم إدراك أهمية العلم ودور التكنولوجيا في تفوق الغرب على الغير. لذلك طالب أولئك المصلحون باقتباس علوم الغرب والتعلم منها والاستفادة من نتاجهم التكنولوجي - الصناعي والإداري لإعادة تنظيم النشاط الاقتصادي وشؤون الدولة والجيش، وذلك دون المساس بالتراث وتركته الثقافية.
ان الخلفية الثقافية التقليدية لأولئك المصلحين حرمتهم من فرصة التعرف على العلاقة الجدلية التي تربط بين نمط الإنتاج والثقافة إذ يشير التاريخ الإنساني وبوضوح بالغ، انه لا يمكن حدوث تطور اقتصادي وتكنولوجي وسياسي دون حدوث تطور ثقافي - اجتماعي نوعي. وفي الواقع، طالب أولئك المصلحون ولا تزال غالبية المثقفين التقليدين تطالب اليوم بالتحديث ورفض الحداثة، وكأن تحديث الاقتصاد والإدارة وأجهزة الدولة والجيش واستخدام التكنولوجيا المتطورة في الاتصال والمواصلات والإعلام نشاطات خارجة تماما عن العلاقات الإنسانية والترتيبات الاجتماعية والتقاليد والمواقف والقيم السائدة في المجتمع.
بعد هزيمة العرب أمام (اسرائيل) في العام 1967 ظهر في العالم العربي تياران فكريان على درجة كبيرة من التباين والتباعد. قاد التيار الأول مجموعة صغيرة من المفكرين غير التقليدين الذين رأوا الواقع العربي على حقيقته من الوهن والتخلف، وقالوا بان الهزيمة لم تكن عسكرية أو سياسية فقط بل كانت هزيمة حضارية شاملة. ولذلك طالب هؤلاء بنقد الذات وتمحيص التراث وإعادة النظر في المعطيات الثقافية العربية، وتقييم الواقع العربي من النواحي المادية وغير المادية، وتحليل أبعاد الهزيمة وتحديد أسبابها والقوى السياسية وغير السياسية المسؤولة عنها، ورسم الاستراتيجيات وخطط العمل الكفيلة بتجاوزها ودخول العرب عصر الحداثة. أما التيار الثاني والذي قادته مجموعة كبيرة نسبيا من المثقفين التقليديين فقد رأى الهزيمة نتيجة طبيعية لتطور مجتمعي بعيدا عن الدين والتراث، وهكذا تم اختصار الهزيمة وأسبابها وسبل النهوض فيها إلى شعارات بسيطة طالبت بالحفاظ على التراث والعودة إلى الدين والتمسك بالعادات والتقاليد والمواقف القديمة ورفض الغير ثقافة وطرق تفكير وحياة.
وحيث ان الدولة هي المسؤول الأول عن إدارة الصراع مع الغير وسن التشريعات المنظمة لحياة المجتمع فقد رأت في دعوة التيارين تهديدا لها وانتقاصا لرغبتها، إلا ان تهديد التيار الفكري غير التقليدي كان هو الأهم والأخطر، ذلك لأنه حاول وضع أنظمة الحكم في قفص الاتهام وطالب بمحاكمتها. أما التيار الثقافي التقليدي الذي طالب بالعودة إلى الدين ومنابعه فقد اتجه إلى وضع أنظمة الحكم في بوتقة المجتمع الفاسد ككل دون توجيه أصابع الاتهام لأفراد أو أجهزة أو غيرها. وفي الواقع لم يطالب اتباع هذا التيار، حتى وقت قريب، بالاستيلاء على السلطة وتغيير أنظمة الحكم القائمة، أو بتكفيرها وتكفير كل من اختلف معهم من مفكرين ومثقفين تقليديين وغير تقليديين، لذلك لم تحاول الدولة كما حاولت مع المفكرين غير التقليديين، ملاحقة قادة هذا التيار والعمل على عزلهم بل قامت بمهادنتهم والتعامل معهم، وأحيانا استخدامهم لتبرير هزائمها وإضفاء بعض الشرعية على وجودها الذي افتقد الشرعية.
لقد اتجه ذلك التيار إلى مهادنة السلطة وإلى إقناع اتباعه بان ما صارت إليه الأمور قدرا لا بد من القبول به وان السبيل إلى النهوض يكمن في العودة إلى الدين والتراث وليس في العمل على تغيير أنظمة الحكم وتطوير المعطيات المادية وغير المادية للمجتمع. وهذا جعل التيار الفكري غير التقليدي العدو الأهم والأخطر لأنظمة الحكم مما جعلها تتجه إلى كبته ومطاردة قياداته ورموزه وعزله عن حياة المجتمع ومشاكل العامة.
لقد أدت هزيمة العام 1967 إلى هزيمة أنظمة الحكم (الثورية) وبالتالي الأسس والمبادئ الفكرية - العقائدية التي قامت عليها. وهذا أدى بدوره إلى هزيمة الفكرة القومية وقضية الوحدة العربية وفكرة الاشتراكية وقضية العدالة الاجتماعية وفكرة الحزبية وقضية العمل الجماعي المنظم. وإذا كان التيار الفكري التقليدي في دعوته إلى العودة إلى الدين وإحياء التراث قد أعطى عامة الناس هوية ثقافية واضحة، فان اتباع التيار القومي وجدوا أنفسهم في أعقاب الهزيمة يعيشون في نفق ضياع يعانون أزمة هوية جارف، وهذا دفعهم إلى السير في اتجاهين: قبل أحدهما بمقولة المثقفين التقليديين وتمسك الآخر بمقولة تجاوزها الزمن وعاش في عزلة عن العصر يدعو إلى خصوصية ثقافية هلامية لا يمكن تحديد محتوياتها ويفهم مراميها، أنها مجرد رد فعل غريزي هدفه الحفاظ على الذات من خلال العيش خارج العصر وعلى حساب الاتباع السذج.
في السنوات العشر الأخيرة ظهر تطرف واضح في فكر التيار التقليدي والتيار القومي مما خلق حالة من التمحور الفكري والسياسي، وأحيانا الصدام بين التيارات الفكرية المتباينة من ناحية، وبينها وبين السلطة من ناحية ثانية. وفي غياب الحرية السياسية وعدم قيام الدولة بواجبها في حماية الحقوق الفردية وضمان حرية الرأي تعددت مصادر الكبت الفكري، إذ بينما تتعامل الدولة مع المفكر غير التقليدي على أساس مقولة (هو يفكر إذن هو خائن) تتعامل معه قيادات التيار الديني المتطرف على أساس مقولة (هو يفكر إذن هو ملحد) والمصير المشترك، فيتعامل مع المفكر غير التقليدي على أساس مقولة (هو يفكر إذن هو جميل) ومن المضحك المبكي ان أمريكا التي تعي تماما إمكانيات هذا المفكر وقدرته على تغيير الواقع العربي، وتحقيق النهضة، تتعامل معه على أساس مقولة (هو يفكر إذن هو عدو للمصالح الأمريكية) وهذا يجعل مصالح تلك التيارات تلتقي على محاربة الفكر غير التقليدي، واضطهاد من يملك رؤية لتغيير الواقع وانتشال الجماهير العربية من حالة التردي والتخلف والإذلال والاستغلال التي تعاني منها.