د.
محمد صالح المسفر/أستاذ العلوم السياسية في
جامعة قطر
(1)
الأحداث
في العراق متسارعة واللحاق بها صحفيا يكاد
يرهق الكاتب والقارئ معا، فما يكتب اليوم قد
لا يكون صالحا ليوم غد لان حدثا أهم من حدث
اليوم قد وقع وهكذا يسير وقع الأحداث.
نتوقف
عند أحد تلك الأحداث وهو انتهاء جولة وفد مجلس
الحكم الانتقالي في بعض العواصم العربية
رافقتها تصريحات متناقضة تارة يقال ان الوفد
طلب الانضمام إلى منظومة مجلس التعاون لدول
الخليج العربية وان طلبه رحب به أيما ترحيب،
وتارة أخرى يتم نفي ذلك الخبر، يقال ان جميع
الدول العربية التي زارها الوفد المذكور وعدت
وعدا لا رجعة عنه بالاعتراف به، والقبول
باحتلاله مكان حكومة العراق السابقة في جامعة
الدول العربية، يقال أيضا ان هناك ضغوطا على
أمانة جامعة الدول العربية بعدم التصدي لقبول
ممثلي ـ مجلس الحكم الانتقالي المفروض من قبل
سلطة الاحتلال ـ في أخذ مكان العراق الدولة
المستقلة سابقا في الجامعة، يقال أيضا ان بعض
دول الخليج قد أبلغت الأمانة العامة لجامعة
الدول العربية بموافقتها على الاعتراف
بالحكومة العراقية التي شكلها السفير
الأميركي الحاكم الفعلي للعراق بول بريمر،
وموافقتها أي تلك الدول على ان تحتل المقعد
العراقي في جامعة الدول العربية.
(2)
ومن
هنا يجب التأكيد على عدم عزل العراق عن
المنظمات والوكالات المتخصصة التابعة لجامعة
الدول العربية لكن في شان التعامل مع أي وفد
عراقي في الظروف الراهنة يجب ان يتوازى مع
مواقف المنظمة الدولية، الأمم المتحدة،
ممثلة في الأمين العام وكذلك مجلس الأمن
الدولي.
لقد
أشار الأمين العام كوفي أنان في تقريره
المقدم لمجلس الأمن بتاريخ 22 يوليو/تموز 2003م
ما نصه: وما برح هدفنا الجماعي إنهاء الاحتلال
العسكري من خلال حكومة نيابية معترف بها
دوليا، من الأساسي أن يتمكن الشعب العراقي من
رؤية جدول زمني واضح (...) لاستعادة السيادة
الكاملة في اقرب وقت ممكن ومفهوم الاعتراف
الدولي في هذا السياق وما سيتبع هو إنهاء سلطة
الاحتلال واستعادة السيادة الوطنية.
اما
في جانب مجلس الأمن ومعاملته لوفد (ممثلي
الحكم الانتقالي) فقد دعا رئيس مجلس الأمن (وفد
الحكم الانتقالي) عدنان الباجه جي ورفاقه
للمشاركة في مداولات مجلس الأمن فيما يخص
الشأن العراقي بموجب المادة (39) من النظام
الداخلي المؤقت لمجلس الأمن والذي نصها لمجلس
الأمن أن يدعو أعضاء الأمانة العامة وغيرهم
من الأشخاص الذين يعتبرهم مؤهلين لذلك إلى
تزويده بالمعلومات أو تقديم المساعدات
الأخرى في دراسة المسائل الداخلة في اختصاصه.
وهنا
نرى أن مجلس الأمن الدولي قد تعامل مع وفد (الحكم
الانتقالي) كأشخاص أي بصفتهم الشخصية وليسوا
ممثلين لسلطة ذات سيادة.
كما
أن الفقرة (9) من قرار مجلس الأمن رقم 1483/2003
اعتبر مجلس الحكم الانتقالي (إدارة انتقالية)
يسيرها العراقيون إلى ان ينشيء شعب العراق
حكومة ممثلة له معترفا بها دوليا وجاء في قرار
مجلس الأمن الدولي رقم 1500 المؤرخ في 14 أغسطس/آب
2003 الفقرة العاملة الأولى يرحب المجلس بإنشاء
المجلس الحاكم في العراق (...) كخطوة هامة نحو
تشكيل شعب العراق حكومة معترف بها دوليا
تمثله وتتولى مستقبلا ممارسة السيادة في
العراق ومن هذا المنطلق فإن مجلس جامعة الدول
العربية حري به أن لا يخرج عن ممارسات المنظمة
الدولية في هذا الشان.
إن
أي خروج عن النسق الدولي في هذا الشأن يشكل
سابقة خطيرة على العالم العربي والعلاقات
الدولية بشكل عام نسوق مثالا على ذلك، قد تقدم
(إسرائيل) على إعادة احتلال الضفة الغربية
وغزة وطرد ياسر عرفات وسلطته إلى خارج الحدود
وتنصب حكومة عميلة وبالتعاون مع أميركا، ثم
تفرضها على العرب لكي يعترفوا بها ومن ثم تصفى
القضية الفلسطينية لصالح (إسرائيل) وقد يحدث
لأي دولة من الدول العربية المستهدفة هذه
الأيام من قبل الولايات المتحدة الأميركية.
قد
يقول قائل أن فلسطين محتلة ومع ذلك هي عضو في
جامعة الدول العربية نؤكد أن الأمر في هذا
الشأن مختلف بكل معنى الكلمة ولا تجوز
المقارنة.
العراق
دولة مستقلة مؤسس لجامعة الدول العربية
والقرارات الدولية التي أشرنا لها وموقف
الأمانة العامة للأمم المتحدة لا تعترف
بالوضع القائم إلا كدولة محتلة أما الاعتراف
بمنظمة التحرير الفلسطينية في الجامعة فهو
اعتراف سياسي لا قانوني أي لا يصبغ عليها صفة
الدولة في منظمة الأمم المتحدة وغيرها من
المنظمات.
إن
الاعتراف بالسلطة الوطنية الفلسطينية ومن
قبلها منظمة التحرير الفلسطينية هو اعتراف
قومي بحقوق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه
وعودة اللاجئين وبقاء دولة مستقلة وعاصمتها
القدس، جاء ذلك الاعتراف لدحض المقولة
الصهيونية بأن فلسطين ارض بلا شعب وأن أرض
الفلسطينيين هي الأردن.اما العراق فوضع مختلف.
الملاحظ
أن الولايات المتحدة إذا أرادت تمرير أمر من
أمور (الشرق الأوسط) فإن أول ما تلجا إليه هم
الزعماء العرب وتفرض رأيها عليهم عنوة وتتم
الاستجابة منهم للمطلب الأميركي كما حدث عام
1991م (حرب عاصفة الصحراء) ضد العراق، وإحكام
الحصار على الشعب العراقي الشقيق لثلاثة عشر
عاما، والحرب على العراق عام 1998م والحرب
الثالثة ضد العراق واحتلاله هذا العام، كل
ذلك جرى بموافقات عربية ثم اتجهت الإدارة
الأميركية ـ الديمقراطية أو الجمهورية ـ
لإقناع الرأي العام في أميركا والرأي العام
الدولي بوجه عام بأن ما تقوم به أميركا ما هو
إلا مطلب دول المنطقة وأولهم العرب.
وهذه
هي السيرة ذاتها، تدفع أميركا عن طريق
الترغيب والترهيب ببعض القيادات العربية
بالاعتراف الرسمي بمجلس الحكم في بغداد
وحكومته المنتظرة وقبوله في المنظمة
الإقليمية العربية على قدم المساواة، ثم تلجا
إلى مجلس الأمن لفرض الإرادة العربية الوهمية
بالمطالبة بقبول مجلس الحكم الانتقالي كعضو
عامل في المنظمة الدولية أي ان تحل مكان
الدولة التي أفلت سيادتها. ولا يستبعد الكاتب
أن يصاغ مشروع قرار أميركي بهذا الشأن على أن
يكون المتبنون له هم مجموعة من الدول العربية
وبعض الدول التي ستمارس عليها أميركا ضغوطها
السياسية لتبني المشروع والتصويت لصالحه
وبهذا تكون الولايات المتحدة حققت أهدافها
كاملة دون عناء.
إن
الإرهاب السياسي الذي تمارسه الولايات
المتحدة الأميركية على المملكة العربية
السعودية ومصر وسوريا وبعض الدول الأخرى يصب
في صالح هذا الاتجاه، فهل يدرك قادتنا مخاطر
هذا التوجه.
إذا
كان الزعماء العرب أخطأوا عام 1991م في التعامل
مع الأزمة العراقية الكويتية واستدعوا قوات
أجنبية لحسم ذلك النزاع، وإذا كانوا أخطأوا
في استمرار الحصار على الشعب العراقي لثلاثة
عشر عاما، وإذا كانوا أخطأوا في السماح
للإدارة الأميركية بشن غارات جوية وصاروخية
على الشعب العراقي الشقيق عام 1998م وإذا كانوا
أخطأوا بالسكوت وتعاون البعض مع القوة
الأميركية البريطانية لاحتلال العراق في
إبريل/نيسان هذا العام وتحويله إلى مسرح
للعابثين بأمنه وخيراته وسيادته، وإذا كانوا
مخطئين في الصمت الرهيب على ما يجري لأهلنا
ومقدساتنا في فلسطين هذه الأيام.
فإني
أرجو أن لا يخطئون ويتعاملون مع وفد الحكومة
العراقية المشكلة بالأمس والتي يرأسها بول
بريمر على قدم المساواة مع مندوبي الدول ذات
السيادة في جامعة الدول العربية.
وآخر
دعائي: يا رب احم بيت العرب.