هل
تكفي كلمة كفى
د.
أحمد مجدلاني/رام الله – فلسطين المحتلة
مع
تزايد حدة الصراع على بين الرئاستين على
الصلاحيات والمسؤوليات المفترضة وهو أمر
طبيعي يحدث في أي نظام سياسي عند بداية تشكله
وتقاسم السلطات التنفيذية فيه. ومع تفاقم
أزمة تنازع السلطات هذه تزداد حدة قلق الشارع
الفلسطيني واتجاهات واسعة من القوى والفئات
السياسية والاجتماعية على مستقبل القضية
الوطنية الفلسطينية التي تتآكل كل يوم بفعل
العوامل التي يولدها هذا الصراع والذي يترك
أثارا في غاية الخطورة ليس فقط على وحدة
الموقف الوطني الفلسطيني فحسب، والذي كان
دوما القلعة التي يتحصن بها وفيها
الفلسطينيون في مواجهة الحصارات والأزمات،
وإنما يترك تساؤلا حول ما هي الأولويات
الوطنية المطروحة وكيف يمكن معالجتها
والتصدي لها في ظل تداخل عميق وقوي بين
العوامل الداخلية والخارجية.
ومما
لاشك فيه أن العوامل الخارجية الضاغطة وهي
ليست بالقليلة والبسيطة ولها أجندتها
الخاصة، ورؤيتها لحل الصراع في المنطقة، قد
ساهمت في تعميق عوامل الأزمة الداخلية من
جهة، وفتحت الأزمة من جهة ثانية الأبواب
مشرعة لتزايد التدخل الخارجي من خلال
استدراجه ليكون اللاعب الأساس في توفير الدعم
أو الغطاء لهذا الطرف أو ذاك.
وبدلا
من أن تتوجه الجهود وكما جرت العادة تاريخيا
لتجميع ما أمكن من عناصر الوضع الداخلي
لمواجهة الضغوط الخارجية يجري تجميع القوى
على قاعدة الفرز والاستقطاب ما بين الرئاستين
خاصة في ظل بروز قوى داخلية اصطفت على الجانين
ولكل منها اعتباراتها الخاصة ومصالحها وسعت
إلى تأجيج الصراع، وتوتير الأجواء ظنا منها
أن هذا هو الوقت الأنسب لمد سيطرتها ونفوذها.
وبصرف
النظر عن منطلقات وأطروحات أي من الطرفين
بشأن أسباب قضايا الخلاف، وبدون التشكيك بصدق
ووطنية وانتماء أي منهم، لكن هذا النمط من
الصراع يطلق آليات ليس لها علاقة لا بنوايا
الأطراف الداخلة في الصراع ولا بأهدافهم،
وإنما بما يمكن أن يوصل إلى هدف حل الصراع
لمصلحته، ومن هنا فإن هذه الآليات تأخذ
منحيين، الأول، استقواء بالأطراف الخارجية،
والثاني، التنافس على تأدية الدور المطلوب.
وهو ما بدا خلال الأيام القليلة الماضية من
إجراءات تحمل أكثر من إيحاء ودلالة على
الوصول إلى هذا المستوى من الصراع.
وفي
حين بقي المجتمع الفلسطيني إلى حد بعيد محيدا
ومبعدا عن هذا الصراع جرت وتجري محاولات لمد
الاستقطاب على النخب السياسية والاجتماعية،
والقوى المجتمعية الفاعلة بهدف استقطابها أو
بمعنى أدق استخدامها كأداة من أدوات الصراع
المحتدم.
وإن
كان لا يصح القول بأننا محايدين اتجاه ما يجري
من صراع مؤلم ومدمر لطاقات وإمكانيات الشعب
الفلسطيني ومؤسساته، فإننا وبنفس الوقت لسنا
منحازين لأي من الطرفين والمسافة التي تفصلنا
عنهما واحدة بصرف النظر عن وجاهة ما يقدمه كل
منهم، ورغم أن هذه القضايا المطروحة من
الممكن حلها في إطار المؤسسات التشريعية
والدستورية الفلسطينية ووفقا لما تم التوافق
عليه من قانون أساسي الذي يحدد ويفصل وما بين
السلطات، وما بين الصلاحيات والسلطات
التنفيذية، وما دام من الممكن تأجيل البت
ببعض عناصر الصراع الداخلية انطلاقا من عدم
الحاحيتها، ومادام من الممكن لو وضعت القضايا
المختلف عليها على الطاولة وجرى بحثها
وتناولها استنادا للأسس الشرعية والقانونية
والأخلاقية المتعارف عيها، فإن عوامل الصراع
من الممكن إطفائها وحلها، وإذا كان الآن من
غير الممكن معالجة المشكلة من جذورها، وهو
أمر ضروري على أية حال ولا يمكن تجاهله، فإن
البدء بالهدنة وصولا لتهدئة الصراع، أمرا بات
ضروريا، تفرضه المصلحة الوطنية العليا
لشعبنا، فالمناخ الذي يجري تحضيره من قبل
حكومة شارون هو أسوء بكثير من المناخ الذي هيئ
قبيل اجتياح ما سمي بعملية السور الواقي، وما
يجري الآن يعطي المبرر لشارون للمضي بتأكيد
مقولته العنصرية أن الشعب الفلسطيني لم ينضج
بعد لكي يكون قادرا على حكم نفسه بنفسه، لكن
الأهم والأخطر من كل هذا وذاك إن الإدارة
الأمريكية وهي تبدوا طرفا في الصراع الداخلي
المحتدم تعد العدة للانسحاب من مسؤولياتها
كراعي أساسي للعملية السياسية وكضامن لتطبيق
خطة (خارطة الطريق)، والطرف الأوروبي لم يعد
يجد له متسعا من دور ليس بفعل الرفض للأمريكي
الإسرائيلي فقط، وإنما بفعل التشتت الذي فرض
عليه في ظلا مناخ الاختلاف الداخلي.
إن
المسؤولية الوطنية تقع على عاتق جميع الأطراف
للتدخل وبقوة لوقف هذا المسلسل الذي يسيء
لشعبنا وتضحياته، ولصورة نضاله العادل،
والمسؤولية الأولى تقع على عاتق الحزب القائد
والحاكم، فالمسؤولية ليست بتوزيع المغانم
واقتسام كعكة السلطة فقط، وإنما المسؤولية
تنطلق من الحفاظ على المصلحة الوطنية
والانحياز لها، وليس الانحياز والاستقطاب
لمصلحة أي من الطرفين. إن مسؤولية حركة فتح في
هذا لظرف التاريخي تنطلق من دورها التاريخي
في الحفاظ على القرار الوطني المستقل
وصيانته، وذلك بوحدة موقف يعيد الأمور إلى
نصابها ويدفع للاحتكام للمؤسسات الوطنية
والتشريعية، وعدم تحويل المجلس التشريعي
الذي يحاول كل طرف الاستقواء به إلى ساحة صراع
وتنافس، لان من شان ذلك أن يشق ويمزق هذه
المؤسسة ويعطلها عن ممارسة دورها التشريعي من
جهة، والرقابي والمحاسبي اتجه الحكومة من جهة
أخرى.
كما
إن المناشدات الأخلاقية لوحدها لم تعد تكفي
في ظل هذا الوضع المتفاقم، وإنما بات المطلوب
وبمسؤولية وطنية أيضا من كل القوى السياسية
المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية،
واللجنة التنفيذية معالجة الأمر ليس على
قاعدة الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذلك وإنما
كمسؤولية عامة ومشتركة تهدد مصير الوطن
والقضية وإخراج الصراع الدائر من دائرته
الضيقة في الإطار الفتحاوي إلى المستوى
الوطني العام لان ما يدور عليه الخلاف هو أولا
وأخيرا شانا وطنيا عاما، إن قوى منظمة
التحرير الفلسطينية واللجنة التنفيذية
باعتبارها المرجعية للسلطة الوطنية
الفلسطينية اتخاذ موقف حازم اتجاه ما يجري
وتحميل المسؤولية لأي طرف لا يريد أن ينصاع
لقرارات الإجماع الوطني، فالمسؤولية كبيرة
وكل يوم يمضي تزداد الخسائر وتكبر المأساة
وشعبنا يدفع المزيد من الدماء.
إن
ما ندعوا له معالجة سريعة لوقف حالة التدهور
والانهيار الحاصلة ليتسنى بعد ذلك العودة
للمعالجة الجذرية، لكن وبدون أوهام بالوصول
لحلول شافية يبقى خيار العودة للشعب ولصناديق
الاقتراع هو العامل الحاسم والأساس في حسم
وتقرير خيارات شعبنا.