في
سبيل استشعار لحظة الإنقاذ
حرية
التعبير مدخل المعارضة ضد البطالة المعرفية
مطاع
صفدي/مفكر عربي يقيم في باريس
ما يواجه الجيل العربي
المعاصر ليست الكارثة السياسية فحسب وفيما
يتعلق ببنية السلطة وعلاقتها الضدية مع
مجتمعاتها، بل هو ذلك الانهيار المخيف الشامل
لمختلف قطاعات الحياة العامة. والأفظع من ذلك
هو فقدان الحدود الدنيا من استشعار المشكلات
أو الوعي بمدى خطورتها واستفحال أسبابها
بصورة تجعل حتى اكثر المتفائلين بالتغيير
يعتقدون أن الكارثة لم تعد تتوقف على توفر
إرادة للتصحيح أو الإصلاح لدى المسؤولين، بل
وصلت الأمور إلى مستوى انعدام الحلول في حد
ذاتها. فلو افترضنا أن نظاما عربيا ما قد بدأ
يستشعر قليلا أو كثيرا خطورة الأحوال العامة
المتردية، فأنه ليس من السهل عليه أن يجترح
إمكانيات الإصلاح، وهو لا يدري من أين يبدأ،
حتى لو كان بعض أقطابه يعرفون تماما أن نقطة
الانطلاق إنما تتفاعل من معالجة النظام
لذاته، ومن عناوينه السياسية أولا. ذلك إن
تعديل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، من مالك
ومملوك، ومن طاغية ومظلوم، ومن مستغل فاسد
وفقير ومعدوم، هذا التعديل هو المدخل الوحيد
إلى تصحيح بنية العلاقات والأوضاع من رأس
الهرم إلى قاعدته، فإن لم يتغير الاستبداد
السياسي لا يمكن لأية مشكلة اجتماعية أو
اقتصادية بل إدارية أن تنكشف آليتها كما هي
وأن تنتقل من دائرة الغموض والتغطية الدعاوية
إلى دائرة الوضوح والعلانية، إن لم يدخل
المجتمع ككل إلى مرحلة الشفافية التي تتيح
للوعي العام التحسس بعناصر المشكلة
المطروحة، وفضح أسبابها الحقيقية ثم العمل
على استنباط الحلول من قبل المختصين، ومشاركة
الرأي العام في التحليل والتوضيح واقتراح
الحلول.
لقد وصل المجتمع العربي المقهور في مختلف
شؤون حياته، والمطعون في كرامته السياسية،
إلى حد إذلال إنسانيته المقموعة، بحيث أصبحت
مختلف المشكلات الأخرى التي يعانيها أشبه
بنتائج محتومة للقهر الحقوقي العام الذي آلت
إليه أصول الأفراد والجماعات في زمن الحرمان
من الحق الأول الذي هو الحق باسترداد كرامة
المواطن الحر قبل أن يكون المواطن العامل أو
المثقف أو الموظف والمهني العادي وسواه.
فالبلد المقهور سياسيا من قبل حكامه أولا
يكون مضطهدا اجتماعيا، ومحجوبا عن الرؤية
النقدية في كل شؤونه الأخرى. ومن هنا تتوالد
مختلف المشكلات الاجتماعية وتتراكم وتتعقد
آلياتها الذاتية دون أن تثير مقابلة أية
اهتمامات نظامية تدفع إلى معالجتها قبل
وصولها إلى مستوى الاستعصاء حتى على الحلول
العلمية الشاملة. لكن الحالة المروعة التي
يستيقظ الوعي المتأخر على هولها تكون قد
جاوزت قابلية الإصلاح العادي، وأمست تتطلب ما
يعادل الثورة البنيوية الشاملة. إذ لم يعد ثمة
مجال للترقيع الجزئي أو ترميم ما لا يرمم، أو
تصحيح ما لا يصحح. ولقد انتهى جيل النهضة
الثانية منذ عهد الاستقلالات إلى ما يماثل
هذه النتيجة وهي ضرورة الثورة البنيوية
الشاملة، لكن فيما يتعلق بالمجتمع الموروث من
عصر الاستعمار، والذي كان ينقصه كل شيء مدني
وعصري آنذاك، ويحتاج إلى إعادة بناء كاملة
لدولته وكيانه معا، والآن يقف جيل النكبات
النهضوية أمام ما يماثل ذلك الوضع عشية جلاء
الاستعمار الاحتلالي، مع الفارق وهو أن عصر
التسلط (الوطني) لا يزال قائما وتحرسه دولته
الأمنية الطاغية على كل شكل آخر للدولة
العصرية وتقنيتها الإدارية المتقدمة. ومع ذلك
تتعاظم الدعوات من كل حدب وصوب إلى التحديث.
ويكاد يشترك الجميع في إطلاق تلك الدعوات من
الأوساط الحاكمة نفسها فضلا عن المحكومة
صاحبة المصلحة الأولى في هذه الثورة البنيوية
المنشودة. غير أن المبادرة إلى (فعل) الإصلاح
نفسه تظل في حكم الغيب، ولا أحد يجرؤ علي تحمل
مسؤوليتها حتى من بين أصحاب السلطة أنفسهم.
هنالك تحجج دائما بطغيان التحديات السياسية
المتلاحقة على الانشغال بهموم الدار
الداخلية وأهلها، وإذ عاد عصر الاستعمار
ثانية إلى صميم الزمن العربي مع الاحتلال
الأمريكي للعراق فلا أحد يمكنه أن يقدم على (الكفاح
الوطني) الجديد أية اهتمامات أخرى. ولا يبدي
الحكام كيف يردون على التحدي الأمريكي سياسيا
على الأقل في الوقت الذي يمارس هنا الاستعمار
نفسه ضغوطه المباشرة في اتجاه تغيير بنية
الدولة العربية حسب المواصفات الجاهزة نظريا
على الأقل لدى دعاة الليبرالية الغازية.
وهؤلاء يراهنون على نجاح النموذج الاحتلالي
كقوة دفع مادية محسوسة لانتشار هذه
الليبرالية كأيديولوجيا بديلة عن كل ما هو
سائد من العقائد المحلية، سواء صنفت في
الاتجاه القومي والعلماني، أو في اتجاه
الإسلامويات السياسوية على مختلف مذاهبها
القديمة أو المستحدثة. لكن تجربة الاحتلال لا
تنجز حتى الآن إلا كل ما هو مضاد لوعود
الأمركة سواء في سلوكها الطغياني العسكري أو
في أفكارها (التحررية) المنقلبة على أبسط
بديهياتها المتداولة. فالغزو العسكري لا
يساعد الغزو الثقافي بقدر ما يحبط سمعة
أفكاره سلفا، ويقدم عنها المثال الأسوأ.
هذا الواقع يشجع بعض الأنظمة العربية على
التمسك أكثر بأدلجاتها القديمة. ويلقي على
حركات المعارضة لديها شبهات التعامل مع الغزو
وثقافته. في حين أن كلا من الأنظمة والمعارضة
أمسيا منخرطين معا موضوعيا في سياق مقاومة
الغزو سواء في مطامحه العسكرية الراهنة
والمحتملة، أو تطلعاته السياسية والثقافية
نحو قلب الأوضاع العربية رأسا على عقب
والسيطرة على العقل المفكر كمؤسسات ومنابر
وأفراد وتيارات ريادية.
من هنا كانت الضرورة الأولى في أجندة التغيير
تنص على إطلاق حرية التعبير كإشارة أولى عن
إعادة المشاركة الاجتماعية في إنتاج وصنع
الآراء العامة، وإخراج الجمهور من دائرة
الحجب والتغييب القسري، ذلك أن حرية التعبير
لا تتعلق فقط بإطلاق الآراء المعارضة لكنها
تعلن عن دخول مشكلات الدولة والمجتمع عصر
الشفافية الكاشفة عن آليات العطالة الشاملة
وأسباب استنقاع التطور التاريخي وتبديد قواه.
فالمسألة المصيرية لم تعد تقتصر على بقاء
الفئات الحاكمة أو زوالها، بقدر ما تمس
مستقبل المشروع النهضوي في منطلقاته
المبدئية خارج كل ادلجة موروثة أو طارئة.
ومع أن هذه الحرية لن تتبرع بها الأنظمة
مجانا، لن تعطيها مجرد عطاء بل تنتظر أن تؤخذ
منها وتنتزع انتزاعا قسريا أو بالتراضي
المحتم، فإن كل الظواهر تبين للأسف أن طبيعة
الحكم العربي القائمة أساسا على شهوات مطلقة
بدون حدود للتسلط والتملك من البلاد والعباد،
لا زالت تشكل جوهر الحالة الموصوفة بوضع
الاستعصاء الشامل للفهم والعمل معا. هذا يعني
أن اكثر الأنظمة الحاكمة قد نالها من تحجر
الوعي وشلل الإرادة ما جعلها تتشبث اكثر
بأساليب تسلطها المعتادة، كما لو كانت هذه
الأساليب والمناهج أمست تعادل وجود الأنظمة
واستمراريتها أو زوالها في حال التخلي عن شيء
من تفردها بالسلطة. حتى أن الحاكم العربي الذي
تآلف طويلا مع دوام القطيعة الكاملة إزاء
شعبه بات يخشى حقا من كل مسعى يهدف إلى مد أية
جسور أولية نحو أية قوى أخرى تقع خارج محيطه
السلطوي. فالعلاقة مع كل (آخر) ما زالت هي
علاقة الآمر بالمأمور والقائد بالمقود. ولا
يمكنها أبدا أن تتقبل إمكانية التحاور،
وانعقاده على مستوى الأنداد ولو بصورة رمزية
على الأقل، وليس فقط على مستوى التابعين
والمتبوعين. أقصى ما يخشاه المتسلط هو
الإتيان بالآخر. ولو رمزيا إلى ضواحي عرينه.
لذلك قبل أي تفكير بأي صيغة من صيغ التحالف أو
المشاركة المحدودة والبسيطة مع بعض القوى
السياسية الأخرى المختارة لا يتصور الحاكم
العربي انه سوف يضطر في يوم قريب إلى الاعتراف
المبدئي بوجود مثل هذه القوى خارج إطار
زعامته الأحادية.
هنالك آلية احتكار نهائي لكل ما يمت إلى
السلطة المتفردة بأسباب قريبة أو بعيدة،
وتكاد تكون من طبيعة نفسية وعقلية لدى
المستبد قبل أن تكون سلطته نفسها من طبيعة
إقطاع سياسي وقروسطي، أو (عثماني) ـ إن أردنا
المرجعية الأقرب ـ فالوالي التركي يعينه
السلطان حاكما مطلقا على قطر بكامله، أي أن (يقطعه)
الولاية بكل ما تحويه من البشر والثروات
مقابل أن يدفع إليه خراجا سنويا معلوما. وأكثر
حكام العرب اليوم يعيدون إنتاج سلطة الإقطاع
السياسي والبنيوي الكامل على شعوبهم مقابل
أداء جزية الولاء الكلي لسلطان البيت الأبيض
في واشنطن. غير أن جزية الولاء لم تعد كافية
ذلك هو التغيير الأخطر الذي طرأ على توازن هذه
المعادلة التي حمت استمرارية شكل السلطة
العربية طيلة نصف القرن الماضي. فهي تبدو فجأة
وقد أضحت بدون سقف دولي يحميها. كأنما فقدت
مرجعيتها السلطانية التي استمدت منها (شرعيتها
الواقعية) الصادمة عبر تقلبات الظروف
الإقليمية والدولية، لكن دون أدنى تأثير على (مصداقيتها)
في عين حماتها، إلا عندما وقع زلزال الإرهاب
وقيام إمبراطورية الشر المنظم التقني بإعلان
حربها الكونية ضد الإرهاب الشعبوي، كسلاح
أخير للمستضعفين. لكن هذا لا يعني أن النظام
السلطاني العربي قد ترك ليلاقي مصيره المحتوم
على يد شعوبه المقهورة. بل ربما كانت الإطاحة
ببعض رموزه القوية ليست سوى بديل عابر عن
إمكانية تغيير النظام بأيدي ضحاياه من شعوبه
بصورة مباشرة، وذلك كمدخل تاريخي إلى تسلم
هذه الشعوب لإرادة حريتها الفعلية لأول مرة،
من براثن الإمبراطورية، ووكلائها القدامى
والجدد في آن.
كل هذا لا يؤدي إلى حتمية إصلاح قاعدة الهرم
المهترئة بالتخلص من رأسه الفاسد، بل قد يبدو
للبعض أن وجود أية سلطة في اعلي الهرم ولو
كانت من سلالة الفساد والطغيان افضل من حال
انكشاف الغطاء عن الكوارث الأخرى، وربما
الأصعب، النائمة تحت ظواهر الاستقرار العام.
وأمام المثال العراقي فقد تقوم دعوات من نوع
آخر للتعلق بأذيال الاستقرار ولو استكان على
زغل مخيف، إلا أنه بين أن يأتي قطار التغيير
أجنبيا أو وطنيا يتبقى هناك خيار حرية
التعبير الذي قد يخرج المجتمع الاستبدادي من
حال البطالة المعرفية إزاء أسرار مشاكله
وكوارثه البنيوية، ويسمح بعرضها قليلا أو
كثيرا أمام الرأي العام. فليس ثمة نظام أو جهة
محددة بذاتها قادرة على الإطاحة بحصائل
الانهيار الشامل الذي يعم مختلف مرافق البناء
الاجتماعي المنخور، فالمسؤولية عن الخراب
الشمولي العظيم هي فوق طاقة أصحاب الأنظمة
وحدهم رغم تحملهم الحصة الكبرى من أعبائها.
فاللحظة هي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المركب
الغارق، وليست لحظة للمحاسبة والمعاقبة.
والجميع مدعوون إلى هذه المهمة المضاعفة
حماية ذلك الاستقلال الوطني المنقوص، بما
تبقى منه والشروع في كشف مجاهيل المشكلات
المزمنة، المؤسسة لأخطبوط الخراب العام
والمغذية لمفاعيله.
لا حاجة للتذكير بأن المعارضة العربية في شتى
أقطارها هي المتعلقة أولا بتنمية حالة
الاستشعار الجماهيري بلحظة الإنقاذ التي
تتجمع حول بؤرتها مختلف الأزمنة العربية في
شتى توقيتاتها المتوافقة أو المتحالفة. ومن
ثم فإن لهذا الاستشعار ثقافته الخاصة ومنهجه
التحليلي، وممارساته المتنوعة، ولكن
المتناغمة. لن يحتكرها فكر محدد مسبقا، ولن
تؤطرها أية أدلجة، ولن يختطفها أي حزب أوحد،
أو (طليعة) متفوقة. إنها ثقافة المراجعة
الحيادية لهذه الحقبة المصطلح عليها بعبارة
النهضة العربية الثانية. هذه المراجعة لن
تكون بمثابة توديع جنائزي لوعودها وعهودها
المحطومة. لكنها ربما استطاعت أن تشارك في هذه
المكافحة المشتركة مع العصر الإنساني كله، ضد
سلطة الخطأ. إن هذه المكافحة قد تثبت على
الأقل أن هناك سلطة أخرى للصواب لا تزال
بانتظار دورها التاريخي.