من
يستفيد من تغييب محمد باقر الحكيم؟
نحو
مصالحة أو مقاومة باستفتـاء
د.
عصام نعمان
inaaman@issamnaaman.com
في
الجنايات، يتجه التحقيق غالبا إلى التركيز
على الشخص أو الطرف الذي له مصلحة في الجريمة.
في السياسة، يميل الباحث إلى تطبيق المقاربة
ذاتها. فالمستفيد من الجريمة السياسية هـو،
غالبا، صاحب المصلحة في ارتكابها، مباشرةً أو
مداورة.
من يستفيد من إخراج الحكيم من المشهد السياسي
العراقي؟ يقتضي، باديء الأمر، تجاوز
الاتهامات المضطربة التي صدرت عن الشرطة
العراقية الخاضعة لسلطة الاحتلال الأمريكي
بحق الموقوفين العراقيين والعرب. فالتحقيق لم
ينتهِ والمحاكمة لم تبدأ وهما، على كل حال،
عمليتان يشوبهما، في ظل الاحتلال، الكثير من
الشكوك والأغراض السياسية.
في التحقيق السياسي، يهتم الباحث بتقصي
المصالح والمواقف الحقيقية للاعبين
المتنافسين، كما يهتم بأساليب العمل التي
يعتمدونها في الماضي والحاضر. ولعله يقوم،
بعد الإحاطة بهذه الأمور، بتقديم تحليل
للواقعات التي تمّ حصرها وتصوّرٍ لمن يمكن أن
تكون له مصلحة في ارتكاب الجريمة السياسية
والاستفادة من مفاعيلها وذيولها.
على صعيد اللاعبين، ثمة لاعب رئيسي هو أمريكا
التي شنت حربا على العراق وقامت قواتها
باحتلاله. وهي إنما فعلت ذلك لتحقيق أغراض
ومصالح، بعضها معلن وبعضها الآخر مضمر. بعضها
حقيقي قيد التنفيذ وبعضها الآخر خادع بقصد
التمويه.
من الأغراض المعلنة: التفتيش عن أسلحة الدمار
الشامل، وتغيير النظام السياسي بدعوى إنهاء
الاستبداد وإطلاق الحريات وإعادة تشكيل
العراق (وسائر دول المنطقة لاحقا) بغية جعله
نموذجا ديمقراطياً يقتدي به.
من الأغراض المضمرة: السيطرة على احتياط
العراق من النفط والحؤول دون بناء دولة
مركزية ذات وزن ونفوذ إقليميين تفاديا
لقيامها بدور توحيدي في المنطقة، وإقامة
قواعد عسكرية فيه تغني أمريكا عن قواعدها في
السعودية وتتيح لها إخلاءها بعد تعاظم السخط
الشعبي على إقامتها في قلب البلاد التي تحتضن
أعظم الأماكن الإسلامية المقدسة، وتفكيك
العراق وإخراجه من معادلة موازين القوي
العسكرية الفاعلة في المنطقة لضمان أمن
اسرائيل ودعم دورها الإقليمي.
تشاطر اسرائيل أمريكا بعض أغراضها المعلنة
وكل أغراضها المضمرة مع تركيز على غرض
استراتيجي بالغ الأهمية بالنسبة إليها هو منع
ايران من امتلاك قدرة نووية.
إلى أمريكا و(اسرائيل)، يتنافس في الملعب
العراقي لاعبون آخرون معظمهم من دول الجوار
الجغرافي، أبرزهم ايران وتركيا وسورية
والسعودية. فايران مهتمة بتوسيع نفوذها
السياسي والاقتصادي في العراق ذي الغالبية
الشيعية، كما يهمها عدم تجذّر قوة عسكرية
وسياسية معادية في جوارها. تركيا ترغب هي
الأخرى في توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي
ويهمها، في الدرجة الأولى، الحؤول دون إقامة
دولة كردية انفصالية في شماله تكون عامل جذب
وعدوي للأكراد الأتراك ونواة لدولة كردية
مركزية تضم إليها المناطق الكردية في جنوبي
شرق البلاد.
سورية يهمها المحافظة على وحدة العراق
الجغرافية والسياسية لاعتبارات ومصالح
استراتيجية واقتصادية عليا تمليها وحدة
الهوية القومية ومتطلبات الصراع الوجودي مع
اسرائيل. السعودية تخشى عراقا قويا كما تتوجس
من عراق ضعيف. لكنها تهتم، في الدرجة الأولى،
بعدم قيام سلطة سياسية في العراق تتحكم بها
الغالبية الشيعية وتكون مصدر جذب وإثارة
للجمهور الشيعي في مناطقها الشرقية.
بات واضحا، من مضمون تقرير صحيفة (نيويورك
تايمز) المنشور بتاريخ 10/8/2003، أن أمريكا أفلحت
في استمالة ضباط كبار في الجيش العراقي
وإقناعهم بعدم القتال وبالتعاون مع قيادتها
العسكرية لوضع نهاية مبكرة للحرب ولضمان سلم
شامل في أعقابها، إلاّ أنها تقصدت إهمال هذا
الخيار حرصا منها على اخذ العراق عنوة
واحتلاله لأمد طويل. كما بات واضحا من تقارير
صحافية ميدانية ومعلومات استخبارية أمريكية
وأوروبية ان إدارة بوش وقيادة جيوشه الغازية
في العراق اختارتا قصدا عدم التحسب وعدم
الإعداد لتحديــات اليوم التالي ، أي
لمتطلبات مرحلة ما بعد الحرب، الأمر الذي أدى
إلى اندلاع حالة مرعبة من انعدام الأمن
والتسيب والسلب والنهب والتدمير طاول مرافق
الـعراق الخدمية، وبنيته التحتية، وميراثه
الثقافي والحضاري، وصناعته المتقدمة،
وجامعاته ومعاهده، ومؤسساته العلمية. كل ذلك
شكّل ويشكّل أدلة ساطعة على ان إدارة بوش
أرادت بصورة حاسمة احتلال العراق وإشاعة فوضي
عامة وشاملة في ربوعه خدمةً لأغراضها المعلنة
والمضمرة سالفة الذكر.
هل يخدم تغييب السيد محمـد باقـر الحكيم
الأغراض الأمريكية المشار إليها؟ وهل يخدم
التغييب أغراض اسرائيل في شطرها المتطابق مع
الأغراض الأمريكية، والآخر الخاص بها
والمتكامل أيضا مع المصلحة الأمريكية
الاستراتيجية والمتمثّل في حرمان ايران من أي
قدرة نووية؟
ثمة من يعتقد في صفوف المحللين الاستراتيجيين
ان أمريكا لم تحتل العراق لتخرج منه في مدي
ثلاث سنوات أو أربع، وان احتلاله ضروري
لإقامة مشاريع سياسية واقتصادية واستراتيجية
قد يتطلب إنجازها ما لا يقل عن عشر سنوات، كما
تتطلب إدامتها وجودا عسكريا ثابتا.
باختصار، الحرب على العراق وفيه هي، كما قال
وزير الخارجية الأمريكي كولن باول: من اجل
صياغة شرق أوسط جديد . بل أنها حرب، على حد
تعبير وليم كريستول، رئيس تحرير أسبوعية (ويكلي
ستاندرد) النافذة وكبير منظري الحرب
الاستباقية، ترمي إلى تغيير الثقافة
السياسية في المنطقة كلها (...) فالأمريكيون لا
يرغبون في شن حرب على المصالح بل على القيم.
أنها حرب على رؤية أخلاقية (...) وإذا لم تقم
الولايات المتحدة بصياغة العالم على صورتها
وشاكلتها، فسيقوم العالم بصياغتها على صورته
وشاكلته !(
بازاء هذه الأغراض الاستراتيجية الأمريكية
التي تطاول المنطقة كلها، نشأ وضع ميداني في
العراق بالغ الخطورة. فقد اندلعت أعمال
المقاومة غداة إعلان الرئيس الأمريكي جورج
بوش انتهاء العمليات الحربية في 1/5/2004 . أعمال
العنف والمقاومة تتصاعد الآن بوتيرة عالية
وتطاول، إلى قوات العدو أفراداً ومعدات،
مرافقَ عامة استراتيجية كأنابيب النفط. وكانت
استهدفت سفارة الأردن في بغداد ومقر الأمم
المتحدة وأودت بحياة ممثل أمينها العام
سيرجيو دي ميللو. غير ان اخطر أعمال العنف
وأعظمها دلالة كان اغتيال آية الله السيد
محمد باقر الحكيم.
كان السيد محمد باقر الصدر ابرز المراجع
الشيعية من حيث المكانة والدور السياسيين، بل
لعله الزعيم الأبرز للمعارضة العراقية اكثر
من عشرين سنة. قاد معارضته السياسية
والعسكرية للنظام العراقي من طهران، وكان على
علاقة وثيقة معها، لكنه احتفظ بهامش من
الاستقلالية عنها. تبدّت استقلاليته في
موافقته على إيفاد مندوب عنه إلى مؤتمر
واشنطن للمعارضة العراقية في المنفي، كما في
إيفاد أخيه، السيد عبد العزيز الحكيم، لتمثيل
تنظيمه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في
العراق في مؤتمر لندن الذي رعته إدارة بوش.
عشية الحرب، رفض دعوة القوي الوطنية والقومية
والإسلامية العربية لمواجهة العدوان
الأمريكي على العراق، لكنه نأي بنفسه
وبتنظيمه عن دعم القوات الأمريكية ميدانيا.
كان في الحرب حياديا، لكن في السياسة كان
معاديا سافراً لنظام صدام حسين.
بعد توقف الحرب، عاد إلى العراق في إطار
ترتيبات سياسية قضت بإقامته في النجف
وبمشاركته في مجلس الحكم الانتقالي من خلال
أخيه السيد عبد العزيز الحكيم. عارض المقاومة
المسلحة للاحتلال الأمريكي، لكنه أجاز
المقاومة السلمية ودعا إليها.
لعل أهميته تكمن في انه مثّل، إلى جانب ثقله
الشيعي ومكانته الدينية ودوره السياسي، نقطة
التمفصل بين الوجود الأمريكي والنفوذ
الايراني في العراق. من دون تعاونه، لا تستطيع
إدارة بوش وعاملها المحلي بول بريمر إقامة
نظام سياسي يرضي عنه أهل الشيعة ويحظى بدعم
ايران. بكلمة، كان السيد محمد باقر الحكيم
مشروع جسر للتوافق الأمريكي الايراني في
العراق وضمانته الأولى.
من هنا يبدو تغييبه ضربة لفريق في وزارة
الخارجية الأمريكية سعي، وما زال، إلى تهدئة
المشهد العراقي وإقامة تركيبة سياسية قابلة
للحياة من خلال معادلة تراعي مصالح ايران
ونفوذها في إطار الاحتلال الأمريكي الذي
أقرّه، عمليا، مجلس الأمن بقراره الرقم 1483.
في ضوء هذا التحليل، يبدو تغييب السيد محمد
باقر الحكيم جائزة للفريق الآخر الذي يمثله
وزير الدفاع دونالد رامسفـلد ونائبه بول
وولفوفيتز ويرعاه نائب الرئيس ديك تشيني. انه
الفريــق الذي يؤمن بالحرب المستمرة ولا
يضيره أبدا نشوء حال من الفوضى في العراق في
إبان الحرب وبعـدها. بل لعله الفريق الذي وضـع
في فم رئيسه، جورج دبليو بوش، ذلك الكلام
الغريب الذي أسّر به إلى بوب وودورد في كتابه
بوش محاربا : إن استراتيجية الولايات المتحدة
في أفغانستان هي خلق الفوضى وخلق الفراغ لأنه
من قلب الفوضى يأتي الخير ! بل ان وودورد ينسب
إلى بـوش، في نهاية كتابه، رأيا آخر شديد
الوضوح والخطورة: سوف نصدّر الموت والعنف إلى
أربع زوايا الأرض دفاعا عن امتنا العظيمة ! هل
لأمريكا يد، إذاً، في اغتيال السيد محمد باقر
الحكيم؟
لا يمكن استبعاد ذلك، خاصة إذا أمكن البرهان
على ان فريق تشيني ـ رامسفيلد ـ وولفوفيتز ما
زالت له اليد العليا في صوغ سياسة إدارة بوش
في العراق والشرق الأوسط.
إذ تستوجب ندرة المعلومات والبراهين تعليق
مسألة تحديد الجهة المخططة والمنفذة لعملية
اغتيال الزعيم الشيعي الكبير في الوقت
الحاضر، فان ظاهرةً تستوقف المراقب المحقق هي
مواقف جمهرة المراجع والعلماء والقيادات كما
الجماهير الشيعية التي حملّت سلطات الاحتلال
مسؤولية انعدام الأمن بل أشارت إليها بإصبع
الاتهام. ذلك ان اغتيال زعيم شيعي بهذه
المكانة مع المسارعة إلى اتهام فلول نظام
صدام وعناصر منظمة القاعدة من شأنه إثارة
الفرقة والفتنة بين أهل الشيعة وأهل السنة
والتسبب تاليا في تفجير حرب أهلية. وقد وعي
أركان الحوزة العلمية في النجف الأشرف أبعاد
الدس والوقيعة التي انطوي عليها بيان نُسب
إليها يحرض على الفتنة، فسارعوا إلى نفيه
وتحميل القوات الأمريكية مسؤولية فقدان
الأمن وحدوث الفاجعة.
في سياق هذا الترجيح لاعتماد الفتنة المذهبية
والحرب الأهلية وسيلةً لتنفيس النقمة على
الاحتلال وامتصاصها بحروب محلية، على
الطريقة اللبنانية، بين العراقيين أنفسهم،
يطفو على السطح احتمال آخر لا تنقصه قرائن
الثبوت وأدلة الترجيح. ذلك ان أصواتا نافذة في
اسرائيل دعت دائما قبل اندلاع الحرب بأشهر
إلى اعتبار ايران هي الجهة الأخطر في محور
الشر الثلاثي الذي أعلنه جورج دبليو بوش عقب
أحداث 11 أيلول (سبتمبر).
في مقدم هذه الأصوات (ارييل شارون) نفسه ووزير
الحرب (الجنرال شاوول موفاز) ورئيس الأركان (الجنرال
موشيه يعالون) ورهط من زعماء الأحزاب
اليمينية العنصرية وكتّاب الأعمدة في الصحف
والمعلقين في التلفزيون (الاسرائيلي). هؤلاء
اعتبروا دائما ان ايران اخطر مرحليا من
العراق. قالوا ويقولون ان أمريكا كسرت شوكة
العراق بحرب الخليج الثانية، وبمناطق حظر
الطيران التي أعلنتها عقب الحرب، وبالضربات
الجوية والصاروخية المتتالية التي نفذتها
على مدي السنوات العشر الأخيرة، وبالحرب التي
شنتها أخيرا وأدت إلى احتلال العراق كله. لقد
أمكن إخراج العراق كليا من معادلة موازين
القوي العسكرية الإقليمية وبقيت ايران ذات
السبعين مليونا بموقعها الاستراتيجي، ونفطها
الوفير، وقواتها العسكرية الضخمة، وقدرتها
النووية سليمةً معافاة وقادرة على تعطيل
مخططات أمريكا وعلى تهديد أمن اسرائيل.
آخر الدعوات (الاسرائيلية) المحذرة من
التغاضي عن قدرات ايران النووية كانت لسيلفان
شالوم، وزير الخارجية، الذي وصف البرنامج
النووي الايراني بأنه سيناريو مرعب ، ودعا
طهران إلى الموافقة من دون شروط على عمليات
تفتيش مباغتة لمواقعها النووية حتى لا تجلب
المتاعب لنفسها. ما هي المتاعب المتوقعة؟
أنها ضربة (اسرائيلية) مفاجئة لمنشآتها
النووية شبيهة بتلك التي سددتها تل أبيب إلى
مفاعل العراق النووي العام1981.
طهران تعي هذا الخطر. ربما لهذا السبب ربط أحد
المسؤولين الإيرانيين، وفق تقرير إحدى
الفضائيات العربية، بين جهاز (الموساد
الاسرائيلي) واغتيال السيد محمد باقر الحكيم.
ذلك ان لـ(اسرائيل) مصلحة في اندلاع حرب أهلية
في العراق، وفي دخول ايران على خط الصدام مع
أمريكا نتيجة مضاعفات الحرب المذهبية
المحتملة. كل ذلك يعزز داخل الولايات المتحدة
ذاتها مخاوف الفريق المتصلب الذي يتزعمه نائب
الرئيس تشيني ويدعو إلى التشدد مع ايران
لإكراهها على التخلي عن خيارها النووي، حتى
إذا لم تفعل أجاز لـ(اسرائيل)، ربما، تدمير
منشآتها النووية بضربات جوية وصاروخية.
ويلّح سؤال: هل تستفيد جماعة صدام حسين ومنظمة
القاعدة من تغييب السيد محمد باقر الحكيم؟
الجواب: نعم وجزئيا في المدى القصير، لكنهما
تتضرران من تغييبه في المدى الطويل، خصوصا في
حال ثبوت ضلوع إحداهما أو كليهما في عملية
اغتياله. فجماعة صدام، كما القاعدة، تستعجلان
إنهاء الاحتلال الأمريكي وتستفيدان تاليا من
تغييب قطب ديني وسياسي قوي يتعاون مع إدارة
الاحتلال، ولو في حدود ضيقة، من خلال عضويـة
أخيه وتنظيمه في مجلس الحكم الانتقالي.
لكنهما تتضرران كثيرا من تغييب السيد الحكيم
في حال ثبوت ضلوع أي منهما في عملية اغتياله (وحتى
من إلصاق هذه التهمة بهما) نظرا لما تستثيره
الجريمة من أحقاد وتتسبب به من فرقة وفتنة بين
أهل الشيعة وأهـل السنة.
لعل هاتين الجماعتين استشعرتا بسرعة خطورة
الانزلاق إلى الفتنة المذهبية فحرصت
إحداهما، من خلال شريط الفيديو الذي بثته
فضائية المؤسسة اللبنانية للإرسال LBC
والمنسوب إلى سرايا الجهاد الإسلامي من جيش
محمد، على التهديد بالانتقام من الولايات
المتحدة ثأرا لمقتل آية الله محمد باقر
الحكيم . فالشريط يشي، رغم الحرص على تظهيره
بمظهر إسلامي عام، بان واضعيه من أهل السنة
وان الغاية من ورائه رد تهمة اغتيال الحكيم
على إدارة الاحتلال وتحميل أمريكا مسؤولية
الجريمة النكراء.
صدام حسين لم يتأخر في إدراك مخاطر اتهام
جماعته بتنفيذ الجريمة، فبادر، من خلال شريط
صوتي بثته فضائية LBC
أيضا، إلى نفي علاقته بالموضوع، ملقيا عبء
المسؤولية على سلطات الاحتلال التوّاقة إلى
تفجير فتنة مذهبية.
أخيراً، أيا كان الفاعل والمستفيد من تغييب
محمد باقر الحكيم، فان الثابت من قراءة
التطورات بعد فاجعة الاغتيال ان هيبة إدارة
الاحتلال الأمريكي في الحضيض، وان عاصفة سخط
العراقيين والمسلمين تتجمع في كل مناطق
العراق وبين معظم الفئات والتيارات لتنفجر،
عاجلا أم آجلا، في وجه إمبراطورية القرن
الحادي والعشرين.
نحو
مصالحة أو مقاومة باستفتـاء
د.
عصام نعمان *
القادة
الفلسطينيون حائرون. الرسميون منهم
والمقاومون. كذلك أبناء القضية وأنصارها في
الوطن العربي والعالم.
انهم
حائرون في ما يجب عمله على مفترق الطرق الذي
وصلوا، ووصلت معهم إليه، (خريطة الطريق).
في
المقابل، لا يبدو قادة (اسرائيل) حائرين. كذلك
جورج دبليو بوش وأركان إدارته.
على
مفترق الطرق، ليس ثمة لافتة أو علامة تشير إلى
طريق سالكة وآمنة. ومع ذلك فان على الحائرين
من القادة الرسميين والمقاومين أن يختاروا -
إذا سمح لهم الوقت الراكض نحو النفاد – أقل
الطرق خطورة وأبعدها مسافة عن الفتنة وعن
الخسائر السياسية والبشرية والمادية الباهظة.
في
مناقشات الكواليس المغلقة كما في الصحف
والأندية المفتوحة، تسمع من يطرح، باسم
المقاومة، تحليلا متكاملا مفاده أن (حكومة
شارون) أعلنت موقفها وقرنت القول بالفعل. إنها
مصممة على استئصال المقاومة وقادتها (وهي في
قاموسها إرهاب وإرهابيون) قبل البحث في تنفيذ
أية خطوة من خطوات (خريطة الطريق). وإذا تساهلت
فإنها توافق على إجراء بضع انسحابات محدودة
مع التمسك بسياسة تصفية قادة المقاومة
وناشطيها في كل مكان. هذه السياسة الشارونية
المعلنة تحظى بتأييد لا حدود له من الرئيس
الأميركي الذي لا يتوانى عن المزايدة على
شارون في تصريحه الإذاعي الأسبوعي بالقول:
"لا دولة فلسطينية إلاّ بتفكيك المنظمات
الإرهابية"!
إنها
دعوة إلى الحرب الأهلية، يقول أنصار
المقاومة، ويتساءلون: هل يبقى ثمة أمل
بالوصول إلى دولة فلسطينية إذا سلك
الفلسطينيون طريق الفتنة والحرب الأهلية؟
ثم، ماذا ننتظر من قادة المقاومة أن يفعلوا
وطائرات (أباتشي) و(أف – 16) الأميركية الصنع، (الاسرائيلية)
الهوية والغاية الانتقامية تمطرهم بصواريخها
القاتلة، الواحد تلو الآخر، إناء الليل
وأطراف النهار، في المنازل مع الأهل
والأولاد، أو في الطرقات مع الناس الأبرياء
الساعين إلى رزقهم الحلال في الزمن الصعب ؟
هـل نتوقع منهم الاستسلام للذبح كالخراف
الغبية أم الاستمرار في المقاومة بنفوس أبية،
تدفع العدوان بكل الوسائل المتاحة، وتنزل
بالعدو أكبر الخسائر الممكنة، وتسعى إلى
النصر بعزيمة قوية، لا يضير أصحابها أن
يموتوا في سبيله واقفين كالأشجار الشامخة؟
يرد
العقلاء من أنصار أبي مازن محمود عباس : نحن
ضنينون بقادة المقاومة ولا نرضى بأن يُذبحوا
بسيف الانتقام الشاروني، إنما علينا جميعا أن
نفوّت على السفاح فرصة النيل منهم. إذا هو
افتعل اعتداء هنا أو قام بعملية اغتيال
هناك، فلنصبر ولنعضّ على الجرح لنكشف زيف
ادعاءاته أمام العالم. وإذا كان لا بد من الرد
فلتكن ردة الفعل متناسبة مع الفعل، أي على
نحوٍ لا يستثير في العدو رغبة جامحة لتكبير
حجم الضربة الانتقامية. إذا قتل العدو ناشطا،
مثلا، فلا مصلحة في أن ترد المقاومة بنسف
حافلة تنقل خمسين راكبا قد يكون بينهم أطفال.
فلنحترم شروط الهدنة لتعزيز جنوح (الشعب
الاسرائيلي) نحو التهدئة والسلم. هل يضيرنا أن
تستمر الهدنة لنلتقط جميعا، مقاومةً
وحكومةً، أنفاسنا ونرتب أوضاعنا المعيشية
والاجتماعية، ونقوّي مركزنا التفاوضي، ونعزز
قدراتنا القتالية حتى إذا لم يستجب العدو
طروحات اللجنة الرباعية، عدنا إلى القتال
بعزيمة أقوى وجبهة وطنية أصلب؟
أبناء
القضية وأنصارها
في الوطن العربي والعالم، من مريدي المقاومة
وحلفائها أو من مؤيدي حكومة محمود عباس ودعاة
التعامل مع أميركا و(اسرائيل)، حائرون أيضا.
أنصار
المقاومة وحلفاؤها يرددون حجج قادتها
ويزايدون عليهم في الصلابة والتصلب والدعوة
إلى الجهاد بلا هوادة. ويستبشر بعضهم بتصاعد
العنف ضد القوات الأميركية في العراق، واتساع
رقعته، وتسارع وتيرة تحولّه مقاومةً وطنية
شاملة، فتراهم يدعون إلى توسيع دائرة
الاشتباك مع العدو الأميركي على امتداد
العالم الإسلامي، بل يحلمون بمقاومة إسلامية
شاملة ترهق قوات أميركا وحلفاءها وتدفع بها
إلى التقهقر والانسحاب.
أما
مؤيدو محمود عباس، وفي مقدمهم أركان الحكومة
المصرية، فهالهم أن تستمر (اسرائيل) في حرب
تصفية قيادات المقاومة وما يحمله ذلك من
تهديد لمستقبل حليفها الفلسطيني، فكان أن
أوفدوا أسامه الباز، رئيس مكتب الرئيس مبارك،
إلى ياسر عرفات لإقناعه بجدوى استمرار الرهان
على أبي مازن، وعلى الهدنة، وعلى ضرورة لجم
منظمتي (حماس) و(الجهاد الإسلامي)، وإلاّ يكون
الفلسطينيون قد أعطوا شارون فرصة ذهبية
لتصفية المقاومة بوحشية لا سابق لها، ولإضعاف
الموقف الفلسطيني عموما، ولإنهاء (خريطة
الطريق) وأي أمل بتسوية معقولة.
صحيح
أن معطيات الصراع العربي – الصهيوني في هذه
المرحلة العصيبة تنطوي على تحديات شديدة
الخطورة وعلى خيارات محدودة يضيق معها هامش
المناورة. غير أن الإحاطة بهذه المعطيات
ودلالاتها القريبة والبعيدة تسمح بتوضيح
الرؤية وتساعد على اتخاذ القرار المناسب رغم
خطورة التحديات الماثلة على مختلف الصُعُد
والمستويات.
على
الصعيد (الاسرائيلي)، يجب ألاّ يغيب عن ذهن
المراقب الحصيف أن شارون وأركان التركيبة
السياسية الحاكمة ليسوا في وارد القبول بدولة
فلسطينية بين النهر والبحر، أو إزالة
المستوطنات أيا كان الثمن والاغراءات، أو
التنازل عن مطلب إعادة (تهويد ارض اسرائيل)
المكوّنة من كامل مساحة فلسطين التاريخية في
زعم البعض، أو الممتدة من الفرات إلى النيل في
زعم بعضهم الآخر.
يتظاهر
هؤلاء، في سياق استرضاء الرأي العام العالمي،
بالموافقة على مشروعات باهتة أو ترتيبات
غامضة لتسوية قضية الفلسطينيين في مناطقهم
المحتلة، لكنهم يحتاطون لذلك كله بطائفة من
الشروط والتحفظات، ويعوّقون تنفيذها بشتى
الأسباب والأعذار، ويحتالون للخروج منها
بعشرات الذرائع والادعاءات، ولا يتورعون عن
نقضها أو نسفها بنسج مؤامرات وتنفيذ اغتيالات
وشن حروب تنشيء أوضاعا جديدة تُشغل الأطراف
المعنيين عن قضايا الماضي بمعالجة مشكلات
الحاضر.
ويعتقد
هؤلاء المسؤولون الصهيونيون المتعصبون
العنصريون القساة بأن ثمة فرصتين تاريخيتين
نادرتين يجب عدم تفويتهما لتحقيق الحلم
الصهيوني بإقامة (اسرائيل كبرى) والهيمنة على
مقدرات المنطقة. فالولايات المتحدة، بعد
أحداث 11 أيلول/سبتمبر، أصبحت في وضع نفسي
وسياسي واستراتيجي متطابق كليا مع (اسرائيل)
على جميع المستويات الأمر الذي يمكّن الدولة
العبرية من تحقيق أغراضها التوسعية بسرعة
قياسية وتكلفة محدودة . والعرب بلغوا أو
كادوا، بعد احتلال العراق، قاع الانحطاط
والضعف وباتوا كمّا مهملا، فلا داعي لأن
يُحسب لهم في أي أمر حساب في الحاضر والمستقبل
المنظور.
على
الصعيد الإقليمي، حدث انقلاب مهول في موازين
القوى إذ أصبحت الولايات المتحدة، بعد احتلال
العراق، في قلب المنطقة تفصل بين عوالم
إسلامية ثلاثة، العربي والفارسي والتركي،
وتتحكم بمفاصلها الاستراتيجية وبمواردها
الطبيعية وفي مقدمها النفط. ذلك كله زاد العرب
والمسلمين ضعفا فوق ضعف ، فلا عجب إن بدوا
عاجزين عن مواجهة التحدي المستجد بأكثر من
تحفظات خجولة يسوقها بعضهم ضد السياسة
الأميركية، بينما لا يتوانى بعضهم الآخر عن
ركوب موجتها علنا وببالغ السرور.
على
الصعيد الأميركي، تتحكم زمرة من (المحافظين
الجدد) بمقدرات إمبراطورية لعلها الأكبر
والأعتى في تاريخ البشرية، تبسط هيمنتها على
العالم دونما منافسة ملحوظة وبقليل من
المناقشة المضبوطة، وتنبري علنا وبلا تردد
إلى تنفيذ مشروعها الإمبراطوري القاضي "بإعادة
تشكيل العالم لئلا يقوم العالم بإعادة
تشكيلها".
في
ظل هذه الأوضاع والتحديات، وخصوصا في موسم
الانتخابات الأميركية، لا سبيل ولا أمل في
التوصل إلى تسوية، ولا إلى مجرد هدنة، بين
الفلسطينيين و(اسرائيل). فالكيان الصهيوني
الذي أضحى في قبضة غلاة المتعصبين التوسعيين
المصممين على تحقيق (اسرائيل الكبرى)،
والقادرين على استغلال حاجة جورج دبليو بوش
الملّحة إلى أصوات اليهود الأميركيين بعد
تعثّر سياسته في العراق وتزايد المعارضة في
الداخل الأميركي لإعادة انتخابه.. الكيان
الصهيوني المتمكن من ظروفه الإقليمية
والأميركية والدولية لن يتهاون أو يتراجع
بوصة واحدة عن اندفاعه في تحقيق مشروعه
التوسعي، ولن يهادن المقاومة الفلسطينية ولن
يسمح لها بالتقاط الأنفاس.
فلنكفّ،
إذاً، عن تعاطي الأوهام والتشاطر في تقديم
التنازلات للعدو أملاً بإغرائه لاعتماد صيغة
من صيغ المهادنة والمخاتلة التي يظن البعض
أنها تحفظ ماء الوجه ظاهراً في سياق تقديم
مزيد من التنازلات باطنا لشراء الوقت.. لعل
وعسى!
فلنواجه،
فلسطينيين وعربا، قدرنا والتحديات التي
تحاصرنا بعقل وشجاعة وبإرادة سياسية مصممة
وبهجوم ديبلوماسي كبير واستثنائي مع استعداد
كامل وشامل للمواجهة والمقاومة بلا هوادة حتى
بلوغ النصر أو الشهادة.
ما
يقتضي وما نستطيع القيام به، أولا، الاستعداد
لأسوأ الاحتمالات وأكثرها واقعية وهو تصعيد
العدو الصهيوني هجومه الوحشي على المقاومة
الفلسطينية، قادةً وقواعد، بقصد التصفية
الكاملة حتى لو اقتضى الأمر احتلال قطاع غزة
برمته والبقاء فيه ردحا من الزمن.
بإزاء
هذا الاحتمال الراجح، يجب ألاّ تتردد
المقاومة والمقاومون لحظة واحدة في مواجهة
قدرهم بشجاعة الرجال وإيمان الأولياء وثقة
المجاهدين بالنصر عاجلا أو آجلا. ليس
للمواجهة من بديل. إما أن تستكين المقاومة
فتذبح ذبح النعاج أو تقاتل بكل ما لديها من
قوة وتصميم وأسلحة متاحة فتنتصر بقدر ما تسمح
به نسبة القوى المتصارعة أو تموت واقفة
منتصبة كشجرة زيتون سامقة.
ما
يمكن وما يحسن القيام به، ثانيا، هو إعلان
حكومة محمود عباس، بإجماع أعضائها، مدعومةً
بموقف تأييد حاسم من الرئيس ياسر عرفات،
والمجلس التشريعي، واللجنة التنفيذية لمنظمة
التحرير الفلسطينية، ومنظمات المقاومة
الفلسطينية في الداخل المقاوم والخارج
المناضل، بما فيهـا (حماس) و(الجهاد الإسلامي)،
عن التزامها مضامين القرارات الصادرة عن
الأمم المتحدة، ومبادرة قمة بيروت العربية،
ومشروع (خريطة الطريق) للجنة الرباعية
الدولية وإصرارها على مباشرة مفاوضات شاملة
مع (اسرائيل) تتناول مختلف أوجه القضية
ومراحلها بما في ذلك الوضع النهائي للأراضي
المحتلة، بالسرعة الممكنة وفي خلال مهلة حدها
الأقصى سنة من تاريخ بدئها، على أن يصار إلى
طرح نتائجها، إيجابية كانت أم سلبية، على
استفتاء عام يبدي فيه الشعب الفلسطيني في
الوطن والمهاجر العربية والأجنبية رأيه
فيها، قبولا أو رفضا.
إذا
جاء رأي الشعب الفلسطيني موافقا فإن حكومة
محمود عباس تكون ملزمة ومفوّضة بتنفيذ أحكام
مشروع الاتفاق الذي تكون المفاوضات قد انتهت
إليه، وذلك بإرادة الشعب الفلسطيني وبمواجهة
الجميع أياً كان حجم المعارضة ونوعها في
الاستفتاء العتيد، ومهما كانت التضحيات.
إذا
عارضت حكومة شارون هذه المبادرة الفلسطينية
الاستراتيجية – وهذا هو الاحتمال الراجح –
وبادرت قبل طرح المبادرة أو بعد رفضها إلى
تصعيد هجومها على المقاومة، قادةً وقاعدة،
فان القوى الفلسطينية مجتمعةً، رسمية
وشعبية، مقاومةً مدنية ومقاومة مسلحة، تخوض،
ثالثا، معركة الدفاع عن النفس والمصير جبهة ً
واحدة متحدة موحدة حتى النصر أو الشهادة.
باعتماد
مثل هذه المبادرة الاستراتيجية تكتسب
المصالحة، كما المقاومة، مع العدو شرعية
تاريخية، على مدى الزمن، في وجدان الأمة
وذاكرة البشرية.