ترجمة
وإعداد: هدى
أنتيبا (عن الفرنسية)
لأنها
رافقت الشعوب والعصور ودكت
العروش، وصنعت أمجاد الجندي المجهول، تعددت
تسمياتها
وتنوعت عناوينها... انبثقت من
القاعدة الشعبية حيناً، ومن مراكز القيادة
العليا
حيناً آخر، لتخوض حرب الجبهات
الشائكة، وحروب الشوارع الموحلة، وحروب
الريف...
مقاومة هي وتجربة استثنائية
خارجة عن المألوف حسبما دعتها (الفيغارو
الأدبي)، في
ملفها الخاص (بأدب المعركة)...
تجربة استنفرت من أجلها القوافي والألحان
والفنون
المسرحية والتشكيلية (لوحة
غيرنيكا رائعة بيكاسو)، والفن السابع، ألا
يعتبر أدباء
المعركة دعاة مقاومة؟؟...
من
تجربة بين الحياة والموت شقت
طرق الشهادة في سبيل الحرية والتضحية من أجل
الوطن
والخلاص من العبودية... ارتوت
المقاومة بدماء آلاف الفدائيين لتخلد
بطولاتهم أعمال
الأدباء ويوميات الثوار
ومراسلات الصحفيين الحربيين.
في
مقالاته الصحفية. وقبل أن يصبح
رئيس وزراء بريطانيا وقف (وينستون تشرشل) إلى
جانب
المجهود الحربي كأسلوب لدعم
المقاومة الشعبية في بلاده خلال الحرب
العالمية
الثانية... أما الجنرال (ديغول)
فتمجد (مذكراته) العمليات الفدائية التي
نفذّتها
خلايا أنصار المناهضين
للنازية، رافعي شعار (فرنسا الحرة)... كذلك
الأمر بالنسبة
للزعيم الصيني (ماوتسي تونغ)
ومسيرته الأطول على دروب التحرير.. ولأن
المقاومة
مواقف ـ تسلحت تلك التجربة
بالثقافة والعلم حيناً، وبتأييد الرأي العام
أو إدانته
لها في معظم الأحيان...
فالمقاومة الفيتنامية على سبيل المثال قد لا
تختلف عن
شقيقتها الفلسطينية من حيث
المبدأ أو الغاية لكن الثانية تتميز من حيث
كونها لا
تزال ساخنة تنبض بالحياة
وبدماء شهداء الأرض المحتلة.. كذلك الأمر
بالنسبة لمقاومة
المليون شهيد في الجزائر والتي
تعاطفت معها مجتمعات العالم الثالث، وتندرج
تلك
الاعتبارات بالنسبة لتصدي "هانيبعل"
للجيوش الرومانية أو مقاومة (سبارتاكوس)،
لتلك
القوات مع إهمال الفارق الزمني
بين الثائرين.
فرغم
مناهضتها لجحافل الإمبراطورية
الغازية إلا أن (سبارتاكوس) (قتل سنة 71 ق.م).
اعتنق
المقاومة كطريق للخلاص من الرق
خلال صموده مع رفاقه العبيد عامين في وجه
الرومان في
حين حمل الجنرال القرطاجي (انتحر
عام
183م)، السلاح للدفاع عن وطنه
وقد احتله العدو الغاشم... لكن كيف
تنوعت أشكال المقاومة؟..
وماذا
أنجب هذا التباين؟..
خصائص
المقاومة
هزّت
المقاومة الوجدان الإنساني في
مجمل فصولها ومواقفها خلال حروب الأرياف
وحروب
الأنفاق والجبهات وحروب
الشوارع... ولأنها تنشد الحرية والسلم
والعدالة استخدمت
أدوات "أمنا الحرب" على حد
قول (ايرنست يونغر) وبذلت الغالي والرخيص في
سبيل الوصول
إلى غايتها... وفي كتاب موسوعي
صدر حديثاً وعنوانه: "عشرون قرناً من
الملاحم"، [مطبعة بلون الباريسية 2001]،
يسلط المؤلف المؤرخ (آرتو/كونت). الأضواء على
هوية
ونوعية الحروب والمعارك التي
عرفتها الألفيتان الماضيتان إلى جانب نماذج
الأسلحة
المعتمدة وكيفية طي الصفحة عصر
الحصان والرمح ـ لتحل الغواصات النووية،
والدرع
الصاروخي، والتجسس عبر
الساتلايت (الأقمار الصناعية)، مكانها في
معارك الألفية
الجديدة... ويرى المؤرخ الكونت
أن نوازع الإنسان وتطلعاته نحو الخير والشر
وأطماعه
وتضحياته لم تتغير عبر التاريخ..
فالتزامات الجندي المجهول شبيهة بالتزامات (تشي
غيفارا) من حيث التضحية
والفداء، أما المستجدات الطارئة في هذا
المجال فطالت فنون
وأساليب القتال ليس إلا.
الأسلحة
على سبيل المثال، تختلف من عصر إلى آخر فهي
أيام (روبن هود)
غيرها أيام (الفرسان الثلاثة)..
وقد عرف القوس والنشاب عصرهما الذهبي خلال
القرنين الرابع عشر، والخامس
عشر، ثم جاءت "الكرات الحديدية" لتدلي
بدلوها في ظل
حكم لويس الحادي عشر أما
البارودة (الموسكية) التي تُطلق بفتيلة
ملتهبة فقد أطلّت
إلى الساح عام 1525 والبندقية
عام 1699.. لترافق المقاومة أصناف الأسلحة. ولعل
أمضى أسلحة العصور الحديثة،
الأسلحة الفكرية في مقاومتها الأدبية التي
أغنت المكتبة
العالمية وتركت بصمات عميقة في
هذا الحقل الإبداعي وعلى الصعد كافة مع
انتقال
عدواها إلى الفنون الأخرى.. فها
هي (الفيغارو الأدبي) وفي ملف خاص حول (التعذيب
وأساليبه في كتابات الأدباء)
تعدد مواقف هؤلاء من المقاومة وتعذيب الثوار
ـ فتقول: "إن مقاومة عدد من الأقلام
التقدمية للممارسات التعسفية للغستابو على
سبيل المثال،
كانت أشد وقعاً من أكثر
الأسلحة فتكاً بالإنسان".. ألم يتمرد كل من (فولتير)
و(هوغو)، و(تولستوي) و(موسيه)، و(بودلير)،
و(مالارميه)، و(غوركي) و(هيمنغواي)،
و(فانون) و(آراغون) و(فورياك)،
على أهوال جرائم الملكية أو فظائع المظالم
عشية قيام
الجمهورية؟!.
هاهو
(فرانسوا مورياك) صاحب النوبل لعام 1925 على
غرار الأديب المناضل (جورج برنانوس)،
يقف إلى جانب الثوار العرب في
شمال إفريقية ليعلن مناهضته للعنف ضد الشعب
الجزائري
أيام الاستعمار الفرنسي وقد
رأى عدد من الكتاب في الحروب الشر المطلق وفي
المقاومة
الخير والمطر الضروري لإنعاش
الأرض.
كما
عند (دريولا روشيل) الذي مجد
عظمة الإنسان خلال المعارك وزميليه: (مالابارتي)
و(مونترلان).. ولئن "خاضَ
الإنسان الحروب دون أن يحبها"، كما قال: (مالرو)
إلا أن
المقاومة تظل في عيون الفدائي
صرخة حب الوطن والسمو بالذات إلى فوق الطبيعة
البشرية، وهي حق طبيعي لرد ظلم
الإنسان من أخيه الإنسان (الوحش)..
ملاحم
المقاومة
اكتوت
عشرات الأقلام بلهيب حروب
شاركت فيها أو عاصرتها أو.. لتبدع في تصوير
وتمجيد أشكال
وأساليب المقاومة الشعبية، أو
في استنكارها وإدانتها حين تتحول عن هذا
الهدف النبيل
لتغدو الحروب مجازر وأداة بطش
وإبادة جماعية.
هاهو
(هيمنغواي) في رائعته (لمن تقرع
الأجراس) - صدرت عام 1940 وتعتبر حسبما أجمع
النقاد
من أهم أعماله الأدبية ـ يحمّل
البطولة مهمة تحدي المستحيل والصعاب.. وهو
الذي
التزم بالقضايا التقدمية التي
عرفها عصره رغم حصوله على جائزة نوبل عام 1954.
ألم يتطوع في الصليب الأحمر كسائق سيارة
إسعاف خلال حرب إيطاليا، ولم يتجاوز
التاسعة عشرة من عمره؟.. جرح
خلالها عام 1917، وكاد يفقد حياته على غرار
أبطال
روايته (وداعاً أيها السلاح) و...
ليعمل من ثم مراسلاً حربياً في أوروبا
انطلاقاً
من عام 1937، وليشارك في المهمات
القتالية للقوى الجوية الأمريكية فوق
ألمانيا ثم
في تحرير باريس إلى جانب
الفرقة الفرنسية للدبابات... وتكاد مواقف
شخصيات روايات
وقصص (ارنست هيمنغواي) القصيرة
تشكل إسقاطاً لمسيرة حياته الخاصة..
ففي
(لمن تقرع الأجراس) ينضم (روبير جوردن) إلى
صفوف الجمهوريين الإسبان ليتولى مهمة
شبه مستحيلة تقضي بتفجير جسر
استراتيجي على طريق تقدم أنصار (فرانكو).. وفي
مغاور
الجبال يقوم (روبير) مع مجموعة
من الفدائيين بالتدرب على المهمة السرية.
ويتزعم هذه
الخلية من الثوار القائد (بابلو)
وصديقته (بيلار) التي تحتل رتبة معاونته في
اتخاذ
القرارات الحاسمة.. تشارك هذا
الثنائي مجموعة تتألف من (أوغستان) و(فيرناندو)
و(رافائيل) (الغجري). و(انسلموا)
الدليل العجوز والمراهق (اندريس) و(ماريا)
التي
فقدت كل أسرتها قبل انضمامها
إلى المقاومة ليقع (جوردن) في غرامها.. قرأت (بيلار)
في كف (روبير) الأمريكي المتطوع نهايته
الوشيكة. فاحتمال فشل هجوم أنصار هؤلاء
الثوار أي الجمهوريين كبير
جداً، مما يعني اعتماد
الفدائيين على أنفسهم لتنفيذ
المهمة. وينجح (جوردن) في نسف
الجسر لكنه يصاب بجروح تحول دون تمكنه من
مغادرة
المكان.. فيطلب من رفاقه
الانصراف بما في ذلك (ماريا) التي ترفض في بادئ
الأمر،
فما كان منه إلا تهديدهم
بالنسف، إن لم ينج كل منهم بحياته، ويظل
بمفرده بانتظار
مواجهته العدو القادم لقتله..
وأسوة
بـ(هيمنغواي) انخرط الأديب
الفرنسي (اندريه مالرو) كطيار في الجيش
الجمهوري
الإسباني، الذي نظم مقاومة
شعبية ضد جماعة الجنرال (فرانكو) المنشقة.
وليخوض تجربة
فدائية نقل تفاصيلها في روايته
(الأمل) وصدرت عام 1937.. وتسرد الرواية مسيرة
الجمهوريين الإسبان منذ
انتفاضتهم على (فرانكو) 18 تموز 1936. حتى سقوط
المقاومة مع
فشل الهجوم على (غواد لجارة) في
آذار 1937 لتشكل أحداثها يوميات تؤرخ لتلك
المرحلة.
ويحمل
الجزء الأول من الرواية عنوان (الوهم)
وليرسم مشاعر الأخوة المتنامية في صفوف
جماهير (برشلونة) و(مدريد)
المطالبة بتغير جذري للمجتمع يحقق العدالة
والكرامة
للجميع ويُبعد (فرانكو) (ويدعمه
هتلر وموسوليني)، عن الحكم. ولأن أحداث الحرب
الأهلية الإسبانية اعتبرت
فاتحة الحرب العالمية الثانية نتوقف عند هذه
الرواية
التاريخية.. يعمل البطل (غارسيا)
في وزارة الدفاع في حين يقوم (مانين) خبير
الطيران الفرنسي بالإشراف على
تدريب الطيارين الأجانب المتطوعين في صفوف
المقاومة
الشرعية (لحساب حكومة مدريد
الرسمية)، حين تسقط (طليطلة) في أيدي (فرانكو)
وعصبته.. وتصعق تلك المفاجأة (ينبغ)
و(نيفوس) و(هيرنانديز) الثوار الفدائيين الذين
يخوضون حرب الشوارع جنباً إلى
جنب القوات النظامية الحكومية.. فيقتل (هيرنانديز)
ويتولى (مانوئيل) وهو سينمائي
ناجح عملية قيادة المقاومة الشعبية خلال
معركة (مدريد) و(مانوئيل) مخرج شيوعي النزعة
تنجح فرقته في تحقيق نصر الجمهوريين على
القوات التي أرسلها (موسوليني)
لمساندة (فرانكو).. لكنه نصر مؤقت.. إذ سرعان ما
تتمخض الحرب الأهلية
الإسبانية بعد عام واحد فقط عام 1938 ـ عن سحق
هؤلاء الثوار
وإبادتهم على يد قوات (فرانكو)..
ولتندلع من ثم الحرب العالمية الثانية بعد
أشهر
قليلة من تلك المعارك الدامية..
ولئن افتتح (هيمنغواي) الأسلوب التلغرافي في
الكتابة الروائية إلا أن (مالرو)
يعتبر في الرواية (الظروف الإنسانية) عراب
التيار
الوجودي الذي دشنه كل من (سارتر)
و(كامو).. فيما بعد..
حصدت
رواية (اندريه مالرو) تلك جائزة
(غونكور) الفرنسية عام 1933 لإثارتها إعجاب
اليمين
واليسار على حد سواء. جمعت في
طروحها البطولة والإنسانية والجمالية الفنية
حين
تناول الأديب من خلالها الثورة
ووحدة الأمة.. وتجري أحداثها في (شنغهاي) عام
1927 لتتناول
ميتافيزيقية الحياة والموت والتضحية
والبطولة والفداء والالتزام.. ويعبّر (مالرو)
في (الظروف الإنسانية) عن إعجابه بالزعيم
الصيني (شون ان لاي) وجسد تلك
الشخصية البطل (كيو) لتغدو
المقاومة الوطنية أشرف وأنبل الأهداف..
وتستجيب جمالية
البطولة لإيديولوجية العمل
القومي وهي الأفكار التي دعت إليها الديغولية
و(مالرو)
من أشد أنصارها حماساً وعملاً
لتجديد المسار الوطني في فرنسا ما بين
الحربين
العالميتين..
ثم
تأتي (المعذبون في الأرض) كأهم
أعمال (أدب المقاومة) في النصف الثاني من
القرن
العشرين وكمرجع المثقفين في
العالم الثالث خلال المرحلة المذكورة..
ويعتبر
هذا العمل آخر كتاب صدر عام 1961 للطبيب
النفساني الانتيلي (من جزر الانتيل) (فرانز
فانون) (1925 ـ 1962)، وأحدث ضجة في الأوساط
الثقافية في
الشمال والجنوب على حد سواء..
فمن خلال (المعذبون في الأرض) سمع الرأي العام
العالمي صوت الثورة الجزائرية
لأول مرة وكانت تحمل لواء حركات التحرر
الوطني في
الجنوب. انضم (فرانز فانون)
لجبهة التحرير الوطني الجزائري منذ انطلاقها
ليصور في
مؤلفه التظاهرات المناهضة
للاستعمار الفرنسي (الفصول الأولى) مع تحول
المقاومة
الباسلة إلى السبيل الوحيد
للحصول على الاستقلال.. ويرى (فانون) أن
المقاومة
مرتبطة بالأرض أي بالطبقة
الفلاحية الكادحة التي تعمل في الزراعة.. وهي
طبقة ثورية
بالفطرة تبنت المقاومة لتواجه
الفقر وعناصر الطبيعة الغاضبة إلى جانب سعيها
للتحرر
من العبودية والاستغلال
والاستعمار.
وقد
امتدح (جان بول سارتر) هذا
العمل وكتب له مقدمة مشهورة.
وصنف
(المعذبون في الأرض)، كأبرز كتب (أدب المقاومة)
منذ (إنجلز)..
شهود
عيان
لأن
اعترافات شهود العيان من
الوثائق التاريخية المعتمدة امتلأت ملاحم (المقاومة
الأدبية) بهؤلاء الناطقين
بالحقيقة المرّة والحلوة والحامضية المذاق..
وقد تباينت
آراء النقاد حول مكانة وأهمية
شهادات هؤلاء المراقبين الصامتين حيناً
المشاركين
أحياناً في أعمال البطولة
والفداء.. فمنهم من وجد أن تسجيلات وانطباعات
شهود
العيان تستحق التوقف عندها على
اعتبار أن صاحبها خاض غمار تجربة غير مألوفة..
ومنهم من اعتبرها وثيقة من
الدرجة الثانية لكونها ذاتية أكثر منها
موضوعية.. ومهما
يكن من أمر تلك الآراء
المتناقضة في معظم الأحيان فإن أمثلة تلك
المشاهدات
والمعاينات وحدها تستطيع
إقناع القارئ بجديتها وعمقها أو بسطحيتها
وهامشيتها..
ففي
رواية (عشرة أيام هزت العالم)
للصحفي الأمريكي التقدمي (جون ريد) يسجل
الكاتب
الأحداث التي عاينها خلال
وجوده في (بيتر وغراد) تشرين الثاني 1917، يومها
تعاطف (ريد) مع البلاشفة لمعايشته تحركاتهم
وكتب على طريقة فيلم تصويري وثائقي المستجدات
على الساحة الروسية والتي أدت
إلى قيام ثورة أكتوبر 1917، كذلك شارك (ريد)
بصفته
صحفياً وشاهد عيان أعمال
المقاومة السوفيتية انطلاقاً من (بترو غراد)
مقاومة وضعت
يدها على مراكز الاتصالات
السلكية واللاسلكية في المدينة قبل الوصول
إلى محطة
البلطيق ومن ثم التوجه إلى
القصر الشتوي لقياصرة روسيا. ويتوقف هذا
الكتاب الوثائقي
التسجيلي ـ الحدث عند
المواجهات الدامية بين الثوار السوفييت الذي
رفعوا شعار
(المقاومة حتى النصر) وبين
أنصار القيصر المنقسمين على أنفسهم.
ويتابع
من ثم (ريد) تصوير المحطة القادمة للمقاومة
وقد تحولت إلى لجان شعبية مع
انضمام العمال الذين خرجوا من
مصانعهم إليها (المقاومة) بهدف الدفاع عن
مدينتهم.
وعلى غرار (جون ريد) قام (اندريه
ماندوز) ـ وهو أستاذ في جامعة السوربون اليوم
شارك
خلال الاحتلال الفرنسي
للجزائر بمجلة (دفاتر) (المقاومة) ـ بكتابة
مذكراته حول تلك
المرحلة، وصدرت عام 1999 في
باريس.. يسرد في تلك المذكرات الوثيقة قصة
التزامه
ووقوفه إلى جانب المقاومة
الجزائرية للاستعمار الفرنسي..
شكل
(ماندوز) مع (مورياك) أهم الأصوات الأدبية
المسيحية ـ كما تدعوهم الصحافة الأوروبية
ـ المناهضة للممارسات
التعسفية للقوات الفرنسية في الجزائر... وفي
مقابلة أجرتها
معه (الفيغارو الأدبي) بتاريخ
31/أيار/2001 تكلم (ماندوز) عن انخراطه في صفوف
المقاومة الجزائرية قائلاً:
"أعلنت حفنة من الأدباء التقدميين وكانت
غالبيتهم تعمل
في الصحافة إلى جانب نشرها
الروايات والمسرحيات على غرار (فرانسوا) (مورياك)
و(كلود
بوردي) مناهضتها لأساليب
التعذيب التي استخدمتها القوات الفرنسية
لقمع انتفاضة
الشعب الجزائري والشبيهة
بأعمال الغيستابو.. يومها انتقلنا من مقاومة
إلى أخرى. من
مقاومة العنصرية الهتلرية إلى
مقارعة الاستعمار.. وقد وجدنا في كل منهما
رفضاً
للإخاء المسيحي بشكل خاص
وانتهاكاً لحقوق الإنسان بشكل عام.. فها هو (مورياك)
يقف
في أعماله والتزاماته قبيل عام
1954 إلى جانب المجاهدين الجزائريين برفقة
صديقه (روبير بارات) خلال زيارتهما لمخيمات
المقاومة الجزائرية كذلك الأمر بالنسبة (لجورج
برنانوس)، الذي ندد بالعنف
السياسي الفرنسي في الجزائر المحتلة.. وقد
نشرنا عدة
كتابات ومقالات لهؤلاء
الأدباء حُظرت طباعتها علناً ويتابع (اندريه
ماندوز) لقد عشت
في الجزائر (16 عاماً)، وشاركت
حياة هذا الشعب العربي عن كثب.. وأستطيع القول
إن المظالم
التي ارتكبت بحق الجزائريين مجحفة ويندى لها
جبين الإنسانية، أما بالنسبة
للمثقفين الفرنسيين الذين
هاجموا (موليه) و(فيشي) وأنصارهما فقد تم
إعدامهم.. فعلى
سبيل المثال: (أودان) تمت
تصفيته و(اللينغ) تم تعذيبه حتى الموت.. ولم
يسلم عدد من
رجالات الدين المسيحي الذين
استنكروا ممارسات القوات الفرنسية في
الجزائر من
الأذى.. ألم يطلق أعداء
المونسينيور (دوفال) ـ وهو أول من ندد
بالتعذيب الجسدي
الذي يتعرض له
رجال المقاومة الجزائرية ـ على
هذا الأسقف لقب (محمود دوفال)؟!.. ومن
الأدباء شهود العيان الذين
قالوا لا للاستعمار الفرنسي في شمال إفريقية
نذكر على
سبيل المثال: (فرانسوا مورياك)
أشهر الروائيين في الخمسينيات من القرن
العشرين
والذي رمى جانباً جائزة نوبل
التي حصل عليها ليفضح الممارسات العسكرية
الاستعمارية
في المغرب العربي.. ولكم أثارت
مقالاته الهجومية غضب السلطات في باريس التي
شعرت
بتعريته لفضائحها واستنكار
الرأي العام الأوروبي لشرعيتها آنذاك.. أما (جورج
برنانوس) (1888 ـ 1948) فقد دعي بحق (محرض
الشعب الفرنسي على المقاومة).. كذلك
الأمر بالنسبة لكل من (مالرو) و(كامو)
و(سيلين) صاحب الرواية المعروفة (السفر إلى
آخر الليل) وصدرت عام 1932.. هذا
ولا تزال حرب التحرير الجزائرية مثار اهتمام
المثقفين عبر شاطئي المتوسط
لدرجة أن أضخم تظاهرة ثقافية حول هذا الموضوع
نظمت في
مدينة (مونبليه) بتاريخ (11/12/2001)
في نادي الصحافة.. وتناولت (حرب الجزائر)
واستقطبت كبار الأدباء
والفنانين ونقلت وقائعها مجلة (اللموند
ديبلوماتيك).. في
التاريخ المذكور.
كاميكاز
المقاومة
إعلام
المقاومة أكبر من أن تصنّفهم
إحصاءات رسمية أو سجلات حكومية، إنهم ملائكة
البطولة
وصانعو المعجزات والمستحيلات..
قد تشبه طفولتهم طفولة أي إنسان آخر لكن
إنجازاتهم
خارجة عن الطبيعة لا يمكن
تصديقها أحياناً إلا بصعوبة.. فالعمل الفدائي
والتضحية
في نظر هؤلاء (الكاميكاز) لا
يميز بين آدم وحواء.. وهاهي القصة الحقيقية
لإحدى
(بطلات الظل) وقد تحولت على يد (لوران
غوفران) إلى رواية عنوانها (الأميرة المنسية)
صدرت عن دار (لافون) 2002، استخرج
(غوفران) من أرشيف الحرب العالمية الثانية (مكتبة
أسرار الدفاع في وزارة الدفاع
الفرنسية) الملف الخاص بإحدى فدائيات تلك
الحرب
الكونية، ولينسج حوله رواية
غاية في الواقعية. ويعمل (لوران غوفران) مدير
تحرير
مجلة (النوفيل اوبسرفاتور) وهو
أديب وصحفي فرنسي يساري. وتسلط الرواية الضوء
على
حياة الفدائية (نور عناية خان)
الأميرة الهندية الحسناء التي انخرطت في
المقاومة (الفرانكوبريطانية) جناح العمليات
الاستشهادية ورمزها
SOE احترفت
(نور) الموسيقى
والعزف على الطنبور والعود
الهندي والبيانو والكمان إلى جانب تمتعها
بجمال فائق،
انضمت إلى (جيش الظل) كما تدعى
تلك المقاومة ـ ولأن ديانتها تحظر عليها
القتل. لم
تستخدم (عناية خان) السلاح قط
واكتفتْ بالقيام بدور (الراديو) أو عملية
الاتصال بين
الخلايا.. وحملت اسماً
مستعاراً (الفجر)..
تم
إنزالها بالمظلة فوق الأراضي
الفرنسية لتمهد الطريق أمام نزول قوات
الحلفاء في
النورماندي يوم السادس من
حزيران 1944..
أخذ
(لوران غوفران) هذه القصة الواقعية ليصنع منها
روايته المشوقة المدججة بالحب
والمقاومة والفداء.. يسرد على
لسان الراوي وهو من الثوار الإنكليز أحداثاً
جرت عام 1943 فوق الأراضي الفرنسية، من خلال
قيامه مع زميلته الأميرة (فجر) بتنفيذ مهمة
فدائية سرية لصالح المقاومة
الفرنسية..
كما
ويتناول مطاردة النازيين لتلك
الخلية في شبكة
SOE وكيفية اغتيال أفرادها
وتعرضه
شخصياً للتعذيب، واتهامه
بالتخريب من قبل (الغستابو) ثم محاولة (فجر)
تهريبه
فوقوعها في حبه وفشلها في
عملية إنقاذه وموتها خلال عملية استشهادية
مشتركة..
وعلى
غرار
SOE انطلقت (ريمي) وهي شبكة
المقاومة الفرنسية المناهضة للنازية
اعتباراً من
حزيران 1944، لتلتّف حولها عناصر
تنتمي لمختلف الأحزاب السياسية والفصائل
الشعبية..
ويأتي الكتاب الوثيقة (ريمي
العميل السري رقم 1 لفرنسا الحرة)، تأليف: (غي
بيرييه)
إصدار دار النشر (بيرن) لعام 2002،
ليكشف وجهاً آخر من أوجه البطولة خلال الحرب
العالمية الثانية كما عاشها
أحد فدائيي الظل وهو صاحب هذا العمل الأدبي...
يقول
الأديب: (غي بيرييه) وكان أصغر
أفراد شبكة (ريمي) قبل ستين سنة من الآن: "تنتمي
ريمي قلباً وقالباً لأنصار
ديغول.. تركت بصماتها في الجبهة الداخلية
للمقاومة بين
تشرين الثاني من عام 1940 وأيلول
1944، حين نجحت في تنفيذ 3600 عملية استشهادية ذهب
ضحيتها 1540 فدائياً وفدائية
وألقت الغيستابو خلالها القبض على (537) عنصراً
في حين
ارتفع عدد الذين تم اغتيالهم
إلى (487) شهيداً.. توزعت أعمال هؤلاء الأبطال
بين
الدعاية المناهضة للنازية في
مرحلة شهدت غسيل أدمغة الشارع الفرنسي من قبل
الألمان
وبين العمل السياسي وقامت به
شبكات (نوتردام) و(ريمي) و.... التي اهتمت بجمع
المعلومات وتفجير مراكز قيادة
العدو ومطاردة قواته إضافة لتجنيد المواطنين
المخلصين.. ونجحت تلك المقاومة
في نقل المعلومات إلى لندن خاصة بالنسبة
لتحركات
الغواصات الألمانية في بحر
الشمال..
وكان
دور (ريمي) حاسماً في معركة
الأطلسي كما ذكر (غي بيرييه) وفي الإغارة على
الرادار
الألماني المنصوب في (برونيفال)
(شباط 1942)..
ورغم
انتماء (ريمي) للحزب الديغولي
إلا أنها ساهمت باعتبارها حركة مقاومة في
تمويل
الشيوعيين بالأسلحة، وتقديم
المعلومات لهم فانضموا إلى صفوفها.. وتمكنت من
إرسال
أول موفد لهذا الحزب إلى لندن
حيث مركز قيادة ديغول عام 1943.. شارك (بيريه) في
معارك باريس قبيل وبعيد
التحرير ليعمل على توحيد الصفوف الشعبية داخل
البلاد بعيد
سقوط (فيشي) و(بيتان) وأتباعهما.
أما
(غياب) القائد الفيتنامي الكبير الذي خاض مع
المقاومة الشعبية معركة البطولة (ديان
بيان فو) فأشهر من أن يعرف..
استطاع هذا الزعيم الثوري وضع حد لأول حرب في
الهند
الصينية خلال العصر الحديث.
وذلك خلال تلك المعركة التي تعتبر رمزاً
لحروب
المقاومة.. رمزاً أكدّ أن النصر
حليف الفدائيين الذين يتمتعون بتأييد
الجماهير
لهم.. فقد جندت معركة (ديان بيان
فو) (موقع قرب الحدود اللاوسية الفيتنامية
وجرت
بين 13 آذار و7 أيار 1954). مئات
الاستشهاديين من أبناء شعب فيتنام البطل الذي
سارع
لتلبية نداء (غياب) وتقديم
الثوار والفدائيين لخدمة الوطن.. وقد تصدت تلك
القوافل
من الشهداء لمظليي الجيش
الفرنسي المحتل من خلال نقل قوات (غياب)
المعدات العسكرية
على ظهر المدنيين (75000)
والمواطنين الذين قاموا بحفر ممرات جوفية تحت
الغابة
المجاورة لـ(ديان بيان فو)،
حملت لهم النصر على العدو.. وقد وردت تفاصيل
تلك
العمليات في مذكرات (غياب)
المشهورة.. كذلك ساهمت (الألوية الدولية) وضمت
(35000)
متطوع من 53 دولة ـ في التصدي
للفاشية خلال الأعوام (1939 ـ 1945). من خلال تنظيم
أعمال مقاومة بطولية.. ومن أبرز
أعلامها (جوزيف بروس تيتو) الرئيس الأسبق
ليوغسلافيا الموحدة وسيرته
الذاتية غنية عن التعريف.
هذا
وتتميز (حرب الريف) من حيث
تمثيلها للمقاومة المغربية المناهضة
للاستعمار في
العشرينات من القرن الماضي..
قادها الزعيم العربي (محمد بن عبد الكريم
الخطابي) (1882ـ 1963)، وتتناولها عدة أعمال
لمؤرخين مغاربة وفرنسيين اليوم.. دعيت (مقاومة
الريف) لأنها استمرت خمس سنوات
في منطقة الأرياف المغربية وتمكنت من دحر
الإسبان
بين الأعوام 1921 و1925 عن تلك
المواقع المعبأة بالثورة والتضحية والفداء..
المقاومة
والسلم
ولأن
للمقاومة هدفاً نبيلاً يتلخص
في إزالة الغبن عن المجتمع وتحقيق الحرية
لأفراده ونشر
السلام في أرجاء الوطن.. جاءت
أعمال عشرات الأدباء تدعو لمتابعة المسير حتى
بلوغ
تلك الغاية المنشودة.. و تترجم
رائعة (نورمان ميللر) وعنوانها (جيوش الظلام)
الصادرة عام 1968 نزعة الإنسان
التاريخية للوصول إلى هذا الهدف إلى جانب توق
دعاة
السلم بين الأدباء والمفكرين
لتحقيقه.. ويسجل (ميللر) في هذه الرواية
انطباعاته
الشخصية حول تداعيات حرب
فيتنام أواخر تشرين الأول عام 1967، حين قامت
التظاهرات
الأمريكية في شوارع المدن
الكبرى تندد بتلك الحرب. ورأت فيها واشنطن
مقاومة داخلية
لسياستها الخارجية.. فخلال
يومي 21 و22 أكتوبر اتجهت المسيرات الشعبية إلى
(البنتاغون) يتزعمها ممثلو
حركة اليسار الأمريكي وشملت أساتذة جامعات
ومثقفين وصحفيين
وقيادات زنجية ونساء تقدميات..
ولم يتردد المتظاهرون في مواجهة رجال الشرطة
بأجسادهم وأيديهم لينتهي بهم
المطاف إلى السجن وبرفقتهم (نورمان ميللر)،
الذي زج
خلال أسبوع وراء القضبان..
ويكشف الأديب الأمريكي في هذه الرواية
الطريقة التي
يساق فيها الإنسان إلى حرب لا
يفهمها ولا يريدها أو يقرها.. ويتوقف الكاتب
عند
دوافع قيام (المجمع الصناعي
العسكري) الذي لا هاجس له سوى زيادة التسلح،
بتصعيد حمى
الحروب في
أرجاء العالم، وتأجيج بؤر
التوتر في المناطق الساخنة. فالمجمع الصناعي
العسكري ناهضته تظاهرات 1967 ـ
وهي مقاومة شعبية سلمية تعتمد اللا عنف كسلاح
للتعبير ـ ولا يزال يجد في
الحروب سبباً لوجوده..
أما
مقاومة (العولمة) ذات الطابع
السلمي فقد اتخذت وجه الإبداع الثقافي في
تصديها
لطاحونة (الآلة التكنو ـ
اقتصادية) كما قال (روجيه ليغار) (المؤرخ
وأستاذ الجامعة
ورئيس لجنة التعليم العالي في
باريس)، وقد وجد (ليغار) في تلك الطاحونة صورة
الاستعمار القديم الحديث.. ألم
يطرح التساؤل في (اللموند ديبلوماتيك) ـ (كانون
الأول: 2001) هل تحمل (منظمة التجارة العالمية)
في جعبتها العولمة أم الاستعمار الجديد؟
فمنظمة التجارة العالمية
اليوم أداة العولمة في الترويج للمركزية
الإتنية، انطلاقاً
من مقولة: "ثقافتي أفضل من
ثقافتك لذلك سأفرضها عليك بالقوة"..
ثقافة
الكوكاكولا، والجينز، والميكروسوفت،
والانترنيت، والساتلايت التي أغرقت العالم
بصور
لا ذاكرة لها وتموت بمجرد بثها..
أنجبت تلك الثقافة استعماراً مألوفاً يعمل
وفق
مبادئ التمييز العنصري
والتطهير العرقي الخ..
وفي
هذا السياق جاء كتاب (مودبارلو
وتوني كلارك)، وعنوانه: (معركة سياتل) دار
فاريا
للنشر 2002، والذي لا يعتبر
سرداً لتظاهرات (سياتل) (كانون الأول 1999)، بقدر
ما يترجم
المقاومة الجماهيرية للعولمة التسويقية.
أو
بتعبير آخر المجتمعات المدنية
في مواجهة العولمة الاستهلاكية... وتأتي أهمية
هذا
المؤلف وعرضته (اللموند
ديبلوماتيك) في عدد تموز 2002، من حيث أنه يعطي
صورة حية
لحركة مناهضة، ومقاومة الرأي
العام العالمي لتلك العولمة.. مقاومة سلمية
انطلقت من
الهند عام 1980. تندد بتدخل
الشركات المتعددة الجنسية في قضايا الغذاء
العالمي
والشؤون الثقافية في العالم
كحق الملكية الفردية وحروب المياه ومشاكل
البيئة و..
ليطل
السؤال: إلى أين تتجه
التظاهرات الشعبية المناهضة للعولمة؟!
ولماذا
تحولت إلى مقاومة جديدة لهذا الاستعمار
الثقافي القديم ـ
الحديث؟..
هل
لأن الآلة (التكنو ـ اقتصادية)
والعولمة الاستهلاكية التسويقية ترفع شعار: (الغاية
تبرر الوسيلة)، في كل شيء؟ أم؟
المراجع:
-
(الفيغارو الأدبي) 25/10/2001، (ملف).
-
(الفيغارو الأدبي) 31/5/2001، الدفتر الثالث.
-
(اللموند ديبلوماتيك) عدد كانون الأول 2001.
-
ملحق (الفيغارو الأدبي) 4/10/2001.
-
(اللموند ديبلوماتيك) عدد تموز 2002.
-
معجم (أحداث القرن العشرين).. مطابع "الجيب"
الفرنسية 1980.
-
معجم (مؤلفات الأدب الأمريكي) دار لاروس 1990.
-
معجم (مؤلفات الأدب الفرنسي) دار لاروس 1990.