العراق والعلاقات بين الدول الغنية والفقيرة  

التجربة العراقية والمؤسسات الدولية

بقلم الدكتور لويس حبيقة/خبير اقتصادي بيروت – لبنان

lgh@sodetel.net.lb

يطرح واقع احتلال العراق مواضيع تفوق في أهميتها حدوده الجغرافية لتضع علاقات الدول الغنية بالفقيرة على المحك.  المؤسسات الدولية متهمة، قبل حدوث الانفجار المؤلم لمقر الأمم المتحدة في بغداد، بالانحياز للدول الغنية على حساب الفقيرة.  فقد لمح العديد من الموظفين السابقين في المؤسسات الدولية لهذا الأمر، أهمهم (ستيغليتز) كبير الاقتصاديين في البنك الدولي و(ايسترلي) أحد أبرز الاقتصاديين لديه.  الاقتصاديان يشغلان اليوم مناصب تعليمية مهمة في جامعتين مختلفتين في مدينة نيويورك.  التهمة الموجهة للمؤسسات الدولية تتلخص في أنها تنفذ سياسات الدول الغنية وفي طليعتها الولايات المتحدة، بل تحافظ على مصالحها مباشرة أو بشكل غير مباشر.

هكذا يمكن للدول الغنية الصناعية التأثير بقوة على تطورات الأحداث وعلى صياغة القوانين أو القواعد التي تبنى عليها العلاقات الاقتصادية الدولية.  من أبرز القواعد تلك المتعلقة بالتجارة الدولية التي تشرف عليها مباشرة من جنيف منظمة التجارة العالمية.  فهل هذه الاتهامات في محلها كليا أو جزيا؟  ما العمل لمعالجتها حفاظا على علاقات دولية سليمة وعلى مصالح الدول النامية التي تزيد أوضاعها صعوبة؟

لا شك أن الدول الغنية وفي مقدمها أميركا مؤثرة جدا في المؤسسات الدولية. إلا أن الحقيقة هي أن الدول الغنية لا تقف دائما في خندق واحد، اذ تتنافس فيما بينها ولها علاقات خارجية ومصالح مختلفة أو متضاربة أحيانا.  المثال الأكبر هو أن الولايات المتحدة لم تستطع تأمين دعم مجلس الأمن لحربها ضد العراق، بل تجنبت التصويت وذهبت الى الحرب دون غطاء دولي.  فرنسا لم تكن الدولة الوحيدة بين الدول أل 15 التي عارضت الحرب بل كانت أبرزها. من هنا لا يمكن القول أن الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية هي دائما في جيب أميركا وتنفذ مصالحها. حتما إذا تجمعت الدول الصناعية وراء موقف واحد، يصبح من الصعب جدا الوقوف في وجهها. أما إذا كانت متفرقة وهذا هو الحال في معظم الأمور العادية، يمكن للدول النامية عندها التأثير على مجرى الأمور عبر تحالفات مع مجموعة أو أخرى من الدول الصناعية.  لا أحد ينكر أن مصالح الدول الغنية مؤمنة في معظمها عبر المؤسسات الدولية، إلا أن هذه الدول قامت بخطوات ايجابية وان كانت خجولة تجاه الدول النامية تعويضا لها عن خساراتها وتجنبا لحدوث اضطرابات تؤثر سلبا على الاستقرار السياسي الدولي. من أبرز هذه الخطوات نذكر اثنتان:

أولا: المساعدات المباشرة التي قدمتها عبر الزمن الدول الغنية، صناعية ونفطية، للدول الفقيرة والتي ساهمت في التخفيف من أوجاع الفقر دون أن تؤثر على الانتاج والانتاجية. كانت مسكنا مؤقتا لأن مشاكل الدول النامية أكبر بكثير، هذا اذا وجدت الرغبة أصلا داخليا وخارجيا في ايجاد حلول مناسبة طويلة الأمد. يبقى ميزان الحساب الجاري للدول النامية عاجزا، اذ وصل الى معدل 28 مليار دولار سنويا في فترة 1977-1982، الى 35 مليار دولار في فترة 1983-1990 وإلى 93 و61 تباعا لفترتي 1991-1996 و1997-1999. فكيف يمكن للدول النامية الاستمرار اذا لم تساعدها الدول الغنية مباشرة أي عبر هبات وقيود ميسرة أو عبر استثمارات خاصة مباشرة وغير مباشرة.  يكون الاستثمار الخارجي مباشرا عندما تنشئ الشركات الأجنبية مصانع أو فروع للانتاج مع تصدير للخبرات ولرؤوس الأموال. أما الاستثمار غير المباشر فيكون عبر شراء الأسهم أو السندات في الأسواق المالية الوطنية. لا شك أن المباشر هو أهم ما تطمح اليه الدول النامية توسيعا لسوق العمل لديها. هنا يجب القول أن الولايات المتحدة مقصرة جدا على صعيد المساعدات، اذ ما تمنحه للدول الفقيرة لا يشكل إلا جزأ زهيدا من ناتجها المحلي الاجمالي. بإمكان أميركا عمل الكثير للدول النامية، خاصة وأن الأخيرة متضررة من السياسات الحمائية القاسية التي تطبقها واشنطن تجاه العديد من السلع المستوردة وفي مقدمها الزراعية.

ثانيا:  تخفيف وطأة الديون الخارجية عبر برامج عامة مدروسة، أهمها برنامجي (بايكر) و(برايدي) وعبر برامج خاصة للدول الفقيرة ذات المديونية العالية يشرف عليها صندوق النقد الدولي. في بداية الثمانينات حصلت أزمة الديون الخارجية بدأ من المكسيك الى البرازيل والعديد من الدول الأسيوية. وصلت الديون المكسيكية الخارجية الى حدود 140 مليار دولار والبرازيلية الى 151 والروسية الى 121. تجنبا لحدوث افلاسات خطيرة، اقترح وزير المال الأميركي (بايكر) سنة 1985 برنامجا متكاملا يقضي أولا بتخفيض الديون وبيع قسم منها في الأسواق المالية الثانوية بحسومات كبيرة وثانيا بتشجيع الدول والشركات الغربية على الاستثمار في هذه الدول. لم ينجح برنامج (بايكر) كما كان متوقعا له وبقيت مشكلة الديون الخارجية قائمة. في سنة 1989 قدم (نيكولاس برادي) وزير المالية الأميركي الجديد برنامجه المرتكز على دور اصلاحي ومالي أكبر للمؤسسات الاقراضية الدولية أي البنك وصندوق النقد. أنفقت المؤسستان بين سنتي 1989 و1992 ما مجموعه 25 مليار دولار لتخفيف الديون، بالإضافة إلى 4,5 مليار دولار أتت من اليابان. من الدول التي استفادت من البرنامج الأخير نذكر الأردن (بدأ من شهر 6\1993) والأرجنتين (4\1992) والبرازيل (8\1992) والمكسيك (9\1989) وبولونيا (3\1994) وبلغاريا (11\1993). تتلخص أهم مبادئ برنامج (برايدي) الاصلاحي بتطبيق برامج الخصخصة والتحرير التجاري والمالي، بالإضافة إلى سياسات اقتصادية متكاملة تثبت الاستقرار بإشراف ومساعدة المؤسسات الدولية. في نهاية عام 1994 كان موضوع الديون الخارجية قد انتهى، بحيث خفضت الديون وأعيد جدولة بعضها. بالرغم من نجاح برنامج (برايدي) فيما يخص الدول الناشئة، لم يستطع تصحيح أوضاع الدول الفقيرة جدا أو الأفريقية تحديدا.  لذا أخذ صندوق النقد هذه المهمة على عاتقه علما أن نجاحه ما زال محدودا حتى اليوم.

من الطبيعي القول أن أوضاع الدول الفقيرة لن تتحسن قبل أن تطبق طوعا الاصلاحات الداخلية الضرورية وفي مقدمها الادارية. ان الفساد الذي يعشعش في الدول الفقيرة يؤثر سلبا على نموها ويقتل فرص الانقاذ. ليست هنالك حلول كاملة للفساد الاداري دون معالجة موضوع الفساد السياسي الذي يؤدي أيضا الى فساد اقتصادي في المناقصات والتلزيمات وفي التنفيذ. لا يمكن تحقيق نمو قوي متواصل في دول لا تحترم قوانينها ومؤسساتها.  فكيف تأتي الاستثمارات الصحية الى دول فاسدة لا قوانين ومؤسسات فيها؟ ما يذهب اليها هي الأموال السريعة المضاربة والصفقات المربحة التي غالبا ما تكون غير شرعية. لتجربة العراق دلالات كبيرة في هذا الايطار، اذ تؤكد على قوة الدول الغنية كما على حدود هذه القوة وبالتالي على انعكاسها ضررا عليها:

أولا: في العلاقات ضمن مجموعة الدول الصناعية وفيما بينها وبين الدول الفقيرة، لا شك أن الفجوة اتسعت والثقة ضعفت. من هنا يجب إعادة بناء الثقة ليس فقط بين الدول العربية والولايات المتحدة تحديدا، وانما بين الدول النامية والدول الصناعية. ما جرى في العراق يمكن أن يحدث في أية منطقة أخرى اذ ليس هنالك حدود للحروب الوقائية.

ثانيا: في المعالجة الاقتصادية للموضوع العراقي لا بد من ايجاد برنامج (برايدي) أو (سنو) متخصص تبعا لوزير المالية الأميركي الحالي. الديون العراقية بحاجة الى معالجة سريعة تترافق مع تطبيق برامج اصلاحية مناسبة تماما كما حدث في دول أميركا اللاتينية وشرق أسيا.

ثالثا: العراق ليس بحاجة الى مساعدات وانما الى ادارة تحسن استغلال موارده البشرية والمادية بحيث يرتفع انتاجه وتتحسن انتاجيته في نفس الوقت. الفقر في العراق عائد الى الاهمال والهدر والى سؤ توزيع الانفاق على مدى عقود من الزمن. بناء العراق يشكل تحديا كبيرا للمجتمع الدولي، ربما يفوق في حجمه وعمقه مشكلة الديون الخارجية المذكورة أعلاه.  

التجربة العراقية والمؤسسات الدولية

بقلم الدكتور لويس حبيقة/خبير اقتصادي بيروت – لبنان

lgh@sodetel.net.lb

تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد مؤلم ومضر للجميع خاصة للعراقيين الذين عانوا الأمرين قبل الحرب وبعدها. لا بد لهذا الحادث المفاجئ والمؤلم من أن يدفعنا مجددا إلى تحليل ما حدث ويحدث في العراق لاتخاذ العبر والدروس، وربما لمحاولة قراءة المستقبل. لن تتحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للعراقيين قبل أن يستتب الأمن وتستقر الأوضاع السياسية. يدل الوضع العراقي مرة أخرى على قوة العلاقة بين الأمن والسياسة من جهة والاقتصاد من جهة أخرى بحيث لا يمكن تحقيق أي ازدهار اقتصادي حقيقي ودائم في غياب الاستقرار الأمني والاستقلال السياسي. أتى الأمريكيون وحلفائهم إلى العراق بدعوة ذاتية لتحقيق أهداف ثلاثة معلنة رئيسية. تتلخص الأهداف بتدمير أسلحة الدمار الشامل التي أكد الأميركيون أن العراقيين يملكونها، تحقيق نموذج ديموقراطي يمكن تعميمه على كل الدول المجاورة وثالثا تحقيق ورشة إعمار تجعل من العراق قوة اقتصادية كبيرة تبعا لثرواتها المادية والبشرية. تتعثر المهمة الأميركية على الجبهات الثلاث إذ ليس هنالك مؤشر حتى اليوم لوجود أسلحة دمار شامل، لم يستطع الوجود الأميركي تثبيت إدارة عراقية مدعومة من الداخل قبل أن يعترف بها الخارج كما لم تأتي الاستثمارات كما كان متوقعا. فالشركات، بما فيها الأميركية، لا تعمل في السياسة ولا يمكن لها توظيف أموالها ونقل أفضل خبرائها إلى دولة لا تحكمها سلطة شرعية ولا يستتب الأمن فيها بشكل كامل ومطلق.

السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن لدولة عظمى كالولايات المتحدة أن تخطئ على الجبهات الثلاث. تقارير خبراء الأسلحة حتى اليوم تبقى غير واضحة وغير جازمة، علما أنه من الصعب جدا إخفاء هذه الأسلحة. فلو كانت موجودة أصلا لتم اكتشافها بعد أشهر من البحث الدقيق والمكثف. فهل كانت هذه الأسلحة حجة فقط تستعمل لتبرير دخول أميركا إلى المنطقة أم أن الإدارة الأميركية كانت تشك فعلا في وجودها؟ هل يكون مجرد الشك في وجودها مبررا كافيا لنقل آلاف الجنود من أميركا ولتحمل التكلفة الباهظة في الرجال والعتاد والأموال؟ تدل كل التقارير المنشورة في أميركا على وجود مراجعة ذاتية وشعبية جدية لما حدث، ربما تظهر نتائجها سريعا إلى العلن بحيث تشكل أهم المناقشات التي ترافق الانتخابات الرئاسية المقبلة. أما الهدف الثاني وهو تحقيق نموذج ديموقراطي يحرر العراقيين من ظلم الماضي ويعطي الدروس الكبيرة للدول المجاورة بحيث تعتمد هي نفسها الديموقراطية التمثيلية، فهو أيضا متعثر إذ ما جرى حتى الآن خجول جدا في حجمه وسرعته. لا ننكر طبعا أن الأوضاع العراقية الداخلية معقدة وصعبة وتحتاج إلى عناية فائقة كي تثمر، إلا أننا نتعجب هنا كيف أن أركان الإدارة الأميركية لم يتوقعوا هذه الصعوبات أو أنهم حلموا بتطبيق حلول سريعة جاهزة وكاملة. لا يمكن للأميركيين أن يدعوا أنه نجحوا، أو أن ما يجري حتى الآن هو متوقع أو يدخل في مخططهم. ما يجري في العراق حتى اليوم لا يكون النموذج الذي يحاول الأميركيون تقديمه للدول الأخرى بل يشكل عكسه تماما.

أما الوضع الاقتصادي الذي بقي مذريا بفضل الإهمال وسؤ الإدارة الذي عاناه العراقيون منذ عقود، فلا يمكن أن يتحسن قبل أن يستتب الأمن. هنا يأتي تفجير مقر الأمم المتحدة ليعيد الوضع كثيرا إلى الوراء وربما ليعيد حسابات الجميع ليس فقط الأمنية وإنما السياسية والاقتصادية أيضا. لا يمكن للمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الدولية أن تعمل إلا في ظروف سلام واستقرار. خروجها من بغداد، وان كان مؤقتا وجزئيا، يؤجل الحل العراقي ويزيد من صعوبة الوضع المعيشي ويرفع من تكلفة الإنقاذ والإعمار. السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو كيفية تأمين حماية المؤسسات الدولية عندما تعود إلى بغداد وما الذي يمنع تكرار حادثة أمنية مخيفة من هذا النوع؟ لا يمكن أن يأتي الحل المنشود إلى العراق إلا عبر تحقيق الأمور التالية مجتمعة:

أولا: لا يمكن تحقيق الاستقرار الأمني كليا إلا بعد أن يستتب الوضع السياسي. هذا يعني تسريع الخطوات العملية التي تسمح للعراقيين بانتخاب ممثليهم بحيث يعترف العالم بهم. هذا يعني تسليم العراق للعراقيين أنفسهم إذ لن تنجح أية حلول نصفية أو جزئية. لا بد للأمم المتحدة من أن تنظم وتشرف على هذه الانتخابات بحيث لا يطعن بها. يفترض هذا الشيء قبول الأميركيين سريعا بدور أكبر وأشمل وأفعل لكل أجهزة الأمم المتحدة الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. التأخير في تحقيق الاستقرار السياسي يعني تدهور الأمن وزيادة كبيرة في الخسائر المادية والبشرية.

ثانيا: لا ننكر أن تحقيق الخطوة الأولى يأخذ الوقت، إلا أن البدء الجدي الواضح والشفاف في تطبيقها يسمح لقوى الواقع بالتقدم في موضوع الاستقرار الاقتصادي. من هنا يمكن للعراق أن يستفيد من تجربات عديدة مماثلة في البناء. العراق يحتاج إلى بناء قطاعه الخاص والى خلق أسواق حرة ومؤسسات عامة توحي بالثقة في الداخل والخارج. القطاع الخاص العراقي ضعيف ومشتت بفضل الحصار المفروض على العراق لسنوات قبل الحرب وبفضل القوانين المهترئة التي بقيت فاعلة لأشهر خلت. كما أن بعد العراق عن العولمة والتكنولوجيا ساهم في إضعاف مؤسساته الاقتصادية والاجتماعية. لهذه الأسباب لا يستطيع القطاع الخاص العراقي المساهمة الفاعلة في بناء المرافق الاقتصادية، بل يحتاج إلى الأموال والخبرات الخارجية. لا يمكن بناء المؤسسات والأسواق إلا بمساعدة المؤسسات الدولية التي تملك الخبرات البشرية والتقنية لهذا الهدف. صندوق النقد والبنك الدولي اكتسبا خبرات كبيرة في عملهما في دول الاتحاد السوفياتي السابق ودول أوروبا الشرقية ويمكنهما المساعدة في هذا الإطار. لن يمكنهما تقديم هذه المساعدة إلا في ظروف استقرار أمني وبمشاركة القيادة العراقية المنتخبة.

ثالثا: ضرورة توضيح بعض الأمور المعقدة المهمة للمستثمرين والتي يمكن أن تقيد فرص النهوض العراقي. نقصد هنا تحديدا الديون العراقية وكيفية تسديدها ومن يسددها وهل يمكن إلغاء أو حسم بعضها. فالعراق غني حتما إلا أن الظروف صعبة والحاجات كبيرة، من هنا لا بد من معالجة حجم وجدولة الديون العامة. كما أن الاهتراء كبير في مقومات الإنتاج التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة ليس فقط في قطاع النفط وإنما في كل جوانب البنية التحتية، فكيف تمول ومن يمولها وما هي الشروط؟ لن يكون الإنتاج النفطي في مستوياته الفضلى إلا بعد سنوات ويحتاج إلى الأموال الكبيرة، كما أن قطاعي الاتصالات والكهرباء تحديدا بحاجة إلى استثمارات ضخمة. فهل يتحمل العراق ديونا إضافية ومن يعطيها له بل من يضمنها؟ تجارب معظم الدول النامية مع ديونها العامة غير مشجعة واحتاجت في الماضي إلى تدخل المؤسسات الدولية، كما إلى برامج متخصصة أهمها برنامجي بايكر وبرادي تبعا للمسؤولين الماليين الأميركيين في هذه الأوقات. المهم أن لا يقع العراق في حلقة مفرغة مضرة بسبب العلاقة القوية بين نوعية البنية التحتية وفرص النمو الاقتصادي.

أميركا أتت إلى العراق بدافع العقيدة المبهمة التي بشر بها مفكرو الإدارة الحالية والتي تبعد جدا عن الواقع والمصلحة. لا يمكن لأميركا أن تتحمل فشلا ذريعا في العراق إذ يضر بواقعها ومستقبلها، وربما بالعديد من المبادئ الكبيرة والخيرة التي تنادي بها منذ استقلالها. الوقت ليس في مصلحة أميركا بل ضدها، من هنا عليها أن تحزم أمرها وتسعى جاهدة إلى تحويل وجودها في العراق من قوة معادية إلى قوة صديقة بناءة. التسريع في تنفيذ الخطوات التي تبني العراق يصب في مصلحة العراقيين والأميركيين. مساعدة العراقيين في خلق مجتمع ديموقراطي نموذجي حقيقي حيوي يخدم مصالح أميركا والعرب. المتضرر الوحيد من حصوله هو (اسرائيل) التي يهمها أن تبقى الدول العربية غارقة في مشاكلها وتشرذمها. فهل تحزم أميركا الحرة أمرها وتسعى جديا إلى خلق عراق قوي ديموقراطي نموذجي؟