هل
أصبح احتلال العراق أمرا واقعا؟
حمدان
حمدان/كاتب من فلسطين يقيم في سورية
في
حوارية بثتها محطة (الجزيرة) يوم 17 آب/أغسطس 2003،
تحت عنوان (المشهد العراقي)، بين الدكتور غسان
سلامة، وزير الثقافة اللبناني السابق أو
الأسبق، مستشار هيئة الأمم المتحدة في العراق
حاليا وبين السيد وضاح خنفر مدير مكتب (الجزيرة)
في بغداد، وقد جاءت الحوارية حسب عنوان
اللقاء عن العراق، وقد لفت نظري منها نقطتان،
حيث لم أستكمل رؤية المشهد لانشغال طاريء، ما
يهمني هنا، في النقطتين المذكورتين، أن
الأولى منها، كانت تتعلق بموقف الأمم المتحدة
من احتلال العراق على يد أمريكا، وفي هذا
الصدد يقول د. سلامة بأن الولايات المتحدة،
كانت ممتعضة وغير ممتنة، من مجلس الأمن، حين
ألبسها لبوس الاحتلال، ولم يكن هذا القرار
كما هو شائع في أوساط شعبية أو رسمية، يشكل
اعترافا بشرعية الاحتلال، قدر ما هو تحميل
مسؤولية للدولة المحتلة، عن كل ما يجري في
البلد الذي تم احتلاله (ومع هذه السطور، قتل
ممثل الأمم المتحدة سيرجيو دي ميللو نفسه)!
فما هي حدود المسؤولية التي ستحملها هيئة
الأمم المتحدة لأمريكا، من جميع النواحي
الأمنية والمعاشية، وحتى آخر المفردات
القانونية.. التي تصب في النهاية في خانة
تشريع الاحتلال، فلو فرضنا جدلا ـ وفق هذا
المنطق ـ بأن الاحتلال، تمكن من تحقيق الأمن،
وتشكيل الحكومة وتحقيق تسوية معقولة من
الدخل، تضمن رفاه المعيشة، ثم تمكن من تسيير
آليات التنمية الاقتصادية فهل يقبل الشعب
العراقي باستمرار وجود الاحتلال؟! هل مشكلة
الشعب العراقي مع الاحتلال الأنغلو ـ أمريكي
لوطنه، هي مشكلة قانونية تدور رحاها في أروقة
الأمم المتحدة؟ ولو أردنا طي كل هذه
الاعتراضات، هل لو حصلت الولايات المتحدة على
شرعية دولية من مجلس الأمن نفسه، يصبح
الاحتلال شرعيا؟
يقول الدكتور سلامة في هذا السياق أيضا، بأن
الاحتلال مع حزني الشديد -أي حزن الدكتور
سلامة ـ أصبح واقعا، وعلينا أن نتصرف كعرب.
وعالم حيال هذا الأمر الواقع، فلا نقف مكتوفي
الأيدي إزاء بلد عربي ماض إلى الفوضى.. وربما
الأتراب الأهلي.
هل نفهم من ذلك، أن علينا، نحن العرب، أو على
من يمثلنا، بمشيئتنا أو غصبا عنا، أن يعترفوا
بشرعية الواقع الجديد في العراق، بناء على
عسف الأمر الواقع؟ إن كل ما يعتري حياتنا نحن
العرب، هو من قبيل الأمر الواقع، فـ(اسرائيل)
بهمة الأنظمة العربية، أصبحت أمرا واقعا
ومعترفا به، واغتيال الحريات بات أمرا واقعا
ومعترفا به، وسبعون بالمئة تحت خط الفقر، من
الأمور الواقعة التي لا فكاك منها، وخمسون
بالمئة من نسبة الأمية، لا مناص عنها.. ويبدو
أن القانون عموما ـ بالاستئذان من د. سلامة ـ
يأتي كي يشرع ما هو أمر واقع، أي ما هو قائم،
أما السياسة الحقة، فتأتي لتبديل ما هو واقع..
وإلا لماذا تزهق الأرواح، ويستشهد الشهداء
ويموت الناس، إلا في سبيل تبديل هذا الواقع؟
(اسرائيل) واقع، واقع حلول، ووجود وتوسع، إنه
واقع ظالم يريد الفلسطينيون كسر واقعيته، فإن
لم يكن اليوم، فإن غدا لناظره قريب.
فماذا تقول القوانين الدولية في حق الدولة
الأقوى بالعدوان على الآخرين؟ حتى الإرهاب
فقد رفضت الولايات المتحدة مبدأ الدعوة إلى
الاتفاق على تعريفه، وذلك كي يبقى متهموه في
الكيفية الأمريكية أنى تشاء ومتى تريد.
النقطة الثانية، التي أثارها المحاور السيد
خنفر هي أن مجلس الجامعة العربية لا يعترف
بمجلس الحكم المحلي العراقي لأنه من إنتاج
أمريكي.
غير أن د. سلامة، يقطع الحديث بلهجة الواثق،
فيقول إنه من الظلم القول بأن الحاكم
الأمريكي بريمر، أمسك بقلم وورقة، ووضع أسماء
مجلس الحكم العراقي ويضيف قائلا: أنا هنا في
بغداد قبل إنشاء مجلس الحكم بأكثر من شهر، وقد
تعرفت على الاتجاهات والطوائف والخطوط
والأحزاب.. فوجدت أن المجلس يضم معظمها.. أنت
لا تستطيع في بلد مثل العراق أن ترضي ثمانية
وعشرين مليونا من الشعب العراقي!..
لقد نسي د. سلامة بأن مجرد الانتساب في الهوية
لهذه الطائفة أو تلك، أو مجرد التصريح بتمثيل
هذه العشيرة أو تلك، هذا الحزب أو ذاك.. إنما
يعني تمثيل كافة جموع هذه الطائفة أو العشيرة
أو الحزب، فالشيعة كلها، باستثناء الشيخ باقر
الحكيم وأخيه عبد العزيز ممثل الحزب في
المجلس، الشيعة كلها في وضعية الرفض لهذا
المجلس وهي تدعو إلى حله، كذلك الأحزاب أو
العشائر التي يتم الادعاء بتمثيلها في مجلس
لم يؤسسه بريمر بالفعل بل نال رضاه، بعد أن
ارتضته الإدارة الأمريكية قبله.
لا فرق بين رجل القانون ورجل الأمة إلا في
الخلفية التكوينية، فإن استقامت بينهما،
جمعا معا في رجل نادر واحد، وإلا ستظل زاوية
النظر متعارضة، بين من يريد التشريع لواقع
الاحتلال بقوننته، ومن يريد (ويعمل فدائيا)
للتخلص من أساس وجوده، دون أن يعرج على تفاصيل
المتاهات المعطوبة، مرة واحدة وإلى الأبد.