بعد المبادرات العراقية أين المبادرات اليوم؟!

فؤاد الحاج

في السادس من آب/أغسطس عام 1980 قدم العراق مبادرة مبكرة لمواجهة المخطط الصهيوني لضم مدينة القدس إلى كيانه المسخ وإعلانها عاصمة أبدية له. ففي التاريخ المذكور زار الرئيس العراقي صدام حسين السعودية في إطار جهود سيادته لمواجهة المخطط الصهيوني وإسقاطه.. وفعلاً نجحت الزيارة وحققت هدفها وكان من نتائجها المباشرة صدور بيان صحفي مشترك أعلن فيه عن قطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع أية دولة تستجيب لقرار الكيان الصهيوني أو تحاول الإبقاء على سفاراتها في القدس بعد صدور هذا القرار. وقد أحدث هذا البيان دوياً شديداً على أرض الواقع عربياً وإقليمياً وعالمياً، وكان لتحرك العراق من خلال اللقاءات المباشرة أو من خلال الرسائل والاتصالات عبر القنوات المباشرة الدبلوماسية أثر كبير في إحداث هذا الدوي، فعلى الصعيد العربي أسفر العراق عن وقفة عربية موحدة في مواجهة قرار الكيان الصهيوني، فضلاً عن تأييده حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته على أرضه وعاصمتها القدس الموحدة، وعلى الصعيد الإقليمي أسفر تحرك العراق عن تبني مؤتمر القمة الإسلامي الثالث الذي انعقد في الطائف عام 1981 المقترح العراقي الذي أعلن الجهاد المقدس لتحرير مدينة القدس العربية من الاحتلال الصهيوني، ربما يقول قائل أن ذلك كان حبر على ورق، ولكن ذلك المقرح أدى إلى نتائج إيجابية وعملية على أرض الواقع على الصعيد الدولي، حيث دعا العراق مجلس الأمن من خلال ممثله الدائم، إلى اتخاذ إجراءات فعالة وقوية من شأنها ردع الكيان الصهيوني ومنعه من تنفيذ قراره بضم القدس، وحذّر العراق مجلس الأمن من أن أي قرار يصدر من دون فرض عقوبات على الكيان الصهيوني معناه القضاء على فعالية ميثاق الأمم المتحدة وتشجيعاً للكيان الصهيوني على الاستمرار في تحديه واستخفافه بإرادة المجتمع الدولي، وجاء قرار مجلس الأمن الدولي الذي صدر في العشرين من آب/أغسطس عام 1980 ليمثل نصراً لمساعي العراق والدول العربية والإسلامية التي وقفت بمواجهة القرار الصهيوني التوسعي، إذ أعلن المجلس إدانته لهذا الكيان وعدّ قراره بضم القدس وجعلها عاصمة أبدية له انتهاكاً للقانون الدولي ولاتفاقية جنيف الرابعة الصادرة في 12 آب/أغسطس عام 1949 فضلاً عن عدّه كل الإجراءات التشريعية والإدارية التي اتخذها الكيان الصهيوني باطلة ويجب إلغاؤها على الفور. وكان من ثمار التحرك العراقي آنذاك عالمياً قيام أكثر من (13) دولة أجنبية بنقل سفاراتها من القدس العربية إلى تل أبيب، حتى خلت القدس تماماً من أي تمثيل دبلوماسي بعد السادس من أيلول/سبتمبر 1980، وفي الثالث والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر عام 1980 أعلنت (اليونسكو) من خلال لجنة الإعلام المنبثقة عن الدورة 21 رفضها لقرار ضم القدس.

هذا قليل من كثير مما قدمه العراق لقضية العرب المركزية وهو كما ذكرنا مراراً وتكراراً أنه أحد أهم الأسباب التي دعت الصهيو-أمريكية لغزو هذا البلد العربي الذي كان سنداً وزخراً لكل العرب، وإعادته إلى عصر ما قبل كما قال (جيمس بيكر) منذ أكثر من أربعة عشر عاماً بعد تدمير كل آثاره التاريخية وسرقة وثائقه الرسمية، وحرق وتدمير مصانعه وتسريح كافة قطاعاته الإنتاجية!!..

اليوم وبعد أن تم غزو العراق وبعد أن تم تدنيس المقدسات الإسلامية في القدس علناً وبحماية عسكرية مكثفة، وفي الوقت الذي نسمع ونشاهد استغاثات الأمهات الحوامل على الحواجز العسكرية حيث يلدن على التراب كما حدث الأسبوع الماضي، حيث توفي المولود ولم يترك الطغاة المرأة وزوجها إلا بعد أن تأكد لهم وفاة الوليد.. ولا ندري إذا كان أحد المسؤولين أو المستشارين أو الرؤساء أو الملوك أو الأمراء العرب قد وصل لهم ذلك الخبر، مع العلم بأن مسؤولين في (وزارة الصحة الفلسطينية) قد أعلنوا عن وفاة (30) جنيناً نتيجة منع جنود الاحتلال للأمهات الفلسطينيات الحوامل من المرور للوصول إلى المراكز الصحية والولادة!.. وبعد أن نجح المسؤولين الفلسطينيين نجحوا بإيصال الصوت على هذه الحالات إلى وسائل الإعلام وأعلنوا أن هنالك ما يزيد على (53) حالة ولادة لسيدة فلسطينية تمت على التراب والحجارة والطرق الالتفافية وفي أحيان كثيرة أمام مرأى جنود الاحتلال مما تسبب في وفاة (30) جنينا وتعرض الأمهات لخطر الموت وحدوث نزيف شديد لهن.

أمام هذا الواقع المؤلم الذي تعاني فيه الأم الفلسطينية أشد المعاناة كما كافة أبناء فلسطين المحتلة، ومقارنة بما قام به العراق من دعم للموقف الفلسطيني على كافة الصعد المادية والمعنوية والسياسية والاقتصادية لقضية العرب المركزية كما كان يقال عنها في الخطب والبيانات السياسية، والتي لا زال البعض يرددها دون أن نسمع عن عمل فعلي على أرض الواقع يدعم ويساند شعب فلسطين بعد غزو العراق، وبعد أن تم وقف وتجميد كافة أنواع المساعدات المادية والطبية والغذائية التي جمعتها لجان شعبية جماهيرية لدعم أبناء فلسطين في مراكز خاصة لدى بعض الدول العربية بحجج وذرائع كثيرة!!.. يحق لنا أن نتساءل هل ستبقى فلسطين موضوعنا القومي والإنساني الذي لا يغيب عنا، وهل ستبقى فلسطين عربية بعد أن استباح الغزاة عراق العروبة؟.. ومن سيحافظ على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في تسلسل الأماكن المقدسة عند كل المؤمنين، سوى أبناء فلسطين والمؤمنين بحقهم في الحياة من الأحرار والشرفاء من أبناء العروبة؟!!.. وهل يصح أن يفرط بمسرح النبوات وزهرة المدائن إنسان عربي أو يقول بالعروبة أو ينسب إلى نفسه العروبة والإيمان؟!. وهل يمكن أن تبقى القدس أسيرة بيد أعداء الإنسانية؟!.. ومن سيجرؤ على تقديم لمبادرات اليوم، وأين هي الضغوط السياسية بعد أن باتت فلسطين والعراق قضية واحدة؟!..