أمينة
رزق
رجاء
النقاش
صباح
الأحد الماضي توفيت الفنانة العظيمة أمينة
رزق عن ثلاثة وتسعين عاما، فهي من مواليد 1910،
وقد ظلت هذه الفنانة الاستثنائية تعمل بالفن
لمدة تزيد على سبعين سنة متصلة، وحياة أمينة
رزق وعملها الطويل بالفن هما صفحة تاريخية
مشرفة تجعل من هذه الفنانة مثلا أعلى لأي
مواطن عربي يريد أن ينفع نفسه وينفع وطنه
وينفع المهنة التي اختارها وارتضاها في
حياته، فقد أحبت أمينة رزق الفن، وأحست بأن
لديها موهبة في مجاله، فعلمت نفسها أحسن
التعليم وتدربت على فنها تدريبا لم تدخر فيه
جهدا من أي نوع، وعرفت من البداية أن حياة
الفنانات محاطة بكثير من الشبهات، فحرصت حرصا
غير محدود على ان تجعل من سمعتها وأخلاقها فوق
جميع هذه الشبهات وعلى مدى حياتها الطويلة لم
يستطع أحد ان يقول عنها كلمة واحدة تسيء إليها
أو تجرح أخلاقها الرفيعة.
وقد
دخلت أمينة رزق ميدان الفن قبل ان تصل إلى سن
العشرين، أي في أواخر العشرينيات من القرن
الماضي، وفي هذا الوقت كان الاشتغال بالفن
تهمة قبل أن يكون مهنة تحظى بأي احترام، وكان
التمثيل بالنسبة للمرأة بمثابة انتحار
اجتماعي، إذ أن ذلك لم يكن في نظر التقاليد
السائدة سوى ان المرأة التي تمثل هي امرأة
خارجة على الأخلاق مثلها في ذلك المرأة
الداعرة، ولذلك فقد عانى فن التمثيل العربي
في أوائل القرن العشرين من صعوبة الحصول على
ممثلات يقمن بالأدوار النسائية، وكان
الفنانون يلجأون إلى إسناد الأدوار النسائية
للرجال، وهكذا اضطر بعض الممثلين إلى القيام
بأدوار النساء، وبعد صبر طويل ومجهود شاق
ظهرت بعض الممثلات وكان أغلبهن في البداية من
المسيحيات واليهوديات.
ومن
أوائل هؤلاء الممثلات (روز اليوسف)، وهي
لبنانية مهاجرة إلى مصر كما أنها في الأصل
مسيحية، ولكنها أسلمت بعد ذلك واختارت لنفسها
اسم (فاطمة اليوسف)، وهي والدة الكاتب الكبير
إحسان عبد القدوس، وكانت ممثلة لامعة وناجحة،
ولكنها تركت التمثيل واتجهت إلى الصحافة، وهي
التي أسست مجلة (روز اليوسف) الشهيرة سنة 1925،
كما أنها أنشأت بعد ذلك مجلة (صباح الخير) سنة
1956.
وكان
من بين الممثلات اللامعات في بداية القرن
العشرين ممثلة يهودية اسمها (ميليا ديان)،
ولأن أغلبية شعب مصر هم من المسلمين، فقد كان
الضغط على النساء المسلمات أقوى وأشد من
الضغط على المسيحيات واليهوديات، ولذلك كان
من التهور والجرأة ان تقوم فتاة مسلمة
بالتمثيل، وفي هذا المناخ الصعب ظهرت أمينة
رزق التي تحدت ونجحت وواصلت العمل بالفن لمدة
مذهلة، لأن هذه المدة كما سبقت الإشارة تزيد
على سبعين سنة، بل وتقترب من ثمانين سنة
متواصلة.
ولا
يتضح المغزى الكبير لشخصية أمينة رزق العظيمة
دون ان نسجل بعض الإشارات، ومنها ان أمينة رزق
لم تتزوج وأعطت حياتها بأكملها لفنها دون ندم
أو انحراف أو مساومة، وهكذا كانت أمينة رزق في
الفن أشبه بالكاتب الكبير عباس العقاد في
الأدب، فكل منهما قد أعطى لعمله كل ما يملكه
من الجهد وأيام العمر، وهذه تضحية تدل على ان
أمينة رزق والعقاد معا كانا مخلصين لعملهما
ومحبين له إلى حد الاستشهاد فيه، ولم تكن
أمينة رزق ولا العقاد ينقصهما شيء حتى يحققا
لنفسيهما زواجا ناجحا بل ورائعا، فما أكثر
الرجال الممتازين الذين كانوا يريدون
ويتمنون أن يتزوجوا من أمينة رزق، وكانت في
شبابها جميلة بل وفاتنة، وكان معروفا عنها
الإخلاص وسمو الأخلاق وقوة الشخصية، ولكن
حبها لفنها طغى على كل شيء آخر فلم تسمح
لنفسها بالانشغال عن فنها بالزواج وبناء أسرة
خاصة بها، وكذلك فعل العقاد، فما أكثر النساء
الممتازات اللواتي كن يتمنين الزواج منه،
ولكنه أخلص لحياته الأدبية واختار ان يعطيها
كل شيء.
أمينة
رزق أيضا لم تقبل في أي عمل لها أن تقوم بأي
دور تافه أو رخيص، فقد كانت مثقفة، واعية،
صاحبة ضمير يدفعها دائما لاختيار أدوار تؤثر
في الناس وتدفعهم إلى البحث عما أفضل وأجمل في
الذوق والسلوك والتفكير، وقد كان احترامها
لنفسها وموهبتها وفنها سببا في أن تكون حتى
اللحظة مطلوبة ومحبوبة، فكسبت الاحترام
والنجاح المادي معا، وكان لها من اسم (أمينة
رزق) نصيب موفور في (الأمانة) و(الرزق) معا.