حتى لا نعطي احتلال العراق غطاء شرعيا أو قانونيا!

محمد ناجي عمايره

mohamayreh@hotmail.com

لا تخفي واشنطن ورطتها في العراق والمأزق الذي تواجهه قواتها هناك في ظل تزايد عمليات المقاومة الوطنية العراقية من جهة ووقوع المزيد من العمليات (الإرهابية) من جهة أخرى. والواقع أن الإدارة الأميركية لا تميز بين المقاومة والإرهاب في العراق أو فلسطين أو في أي مكان آخر من العالم لكن هذا التمييز الذي أشرنا إليه هو من عندنا.

وإذا كان المأزق الأميركي والبريطاني في العراق لا يخفى على أحد، فإن محاولة ايجاد حل له هو ما تسعى إليه واشنطن ولندن في مطالبتهما الدول الأخرى بالانضمام إليهما، وإرسال قوات إلى العراق بدعوى مساندة القوات الأميركية ـ البريطانية في إحلال الأمن والنظام هناك! وهو الأمن والنظام الذي تتحمل قوات الاحتلال الأميركي ـ البريطاني مسؤولية غيابه وانفلاته ومسؤولية الفوضى التي تسود العراق الأمر الذي شجع ويشجع أطرافا كثيرة دولا ومنظمات على ايجاد وسيلة من خلاله للدخول إلى الأراضي العراقية، وهذا ما يجعل الأهداف والغايات متباينة حد التناقض والتقاطع، وبالمقابل ما يلقى أطرافا محلية عراقية تعطيه الغطاء الساتر.

ويدور كلام كثير في الوطن العربي والعالم حول مدى قانونية أو شرعية أية مشاركة عسكرية إلى جانب القوات الأميركية ـ البريطانية أو تحت قيادتها، كما يدور كلام كثير حول مصداقية مجلس الحكم الانتقالي الذي اختاره الحاكم الأميركي (بريمر) لمساعدته في إدارة شؤون العراق المحتل، وكذلك الحكومة المنتظرة التي رشح أعضاءها أو سيرشحهم المجلس الانتقالي نفسه، وهذا ما يوضح مدى (شرعية) هذه الحكومة المقبلة ومستوى تمثيلها للشعب العراقي.

لقد جال أعضاء المجلس الانتقالي في عدد من العواصم العربية بحثا عن الاعتراف أو سعيا إلى التعاون والتعامل معهم، وقد جاءت الاستجابة محدودة من حيث التعاون أو التعامل، ولم يوفق (الوفد) العراقي في الحصول على الاعتراف الرسمي به، غير أن هذا لا يمنع القول أن التعامل مع الأمر الواقع يبقى عنوان المرحلة وعلامة القدرة أو الرغبة في اقتناص الفرص المناسبة للدخول إلى الساحة العراقية من أبواب (مواربة) بسبب وجود الاحتلال، من جهة وعدم القناعة في قدرة المجلس على اتخاذ قرارات مستقلة بمعزل عن الحاكم المدني الأميركي!

وأما إرسال قوات عسكرية إلى العراق فالمسألة في حد ذاتها تبدو شائكة وتشكل نوعا من المغامرة التي لا ترغب فيها أية عاصمة عربية (حتى الآن)، كما ترى ذلك أن الوجود العسكري الأميركي البريطاني هو احتلال بتعريف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأي تعامل معه ينبغي أن يتم بهذه الصفة، ولا يوجد في العراق من يتحمس لهذا التعاون أو التعامل مع الاحتلال وقواته إلا فئات قليلة جدا مرتبطة به أو جاءت معه، وليست لها قوة بدونه.

ولهذا فلا بد أن تكون هناك مظلة شرعية تظلل إرسال قوات عسكرية عربية أو إسلامية أو دولية إلى العراق غير مظلة الاحتلال، وبمعزل عنه، وهنا تبرز هذه القوات بوصفها حلا للوضع القائم، وليست سندا للاحتلال أو درعا بشرية لحماية قواته من ضربات المقاومة العراقية، وعلى هذا الأساس تبرز الدعوة إلى (تدويل) الصراع بإرسال قوات دولية تحت مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وبقرار منهما أو تعريبه بإرسال قوات عربية فقط للمرابطة هناك، والعمل على إحلال الأمن والنظام وتهيئة الأجواء لانسحاب القوات المحتلة أو إجراء انتخابات عامة ووضع دستور جديد للعراق وإعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية، لكن من يضمن قبول واشنطن ولندن لهذا الطرح؟ وهل جاءت القوات الأميركية لكي تنسحب بهذه السهولة؟ وهل كان هدف الحرب العدوانية على العراق إسقاط النظام واستبداله بنظام جديد موال للولايات المتحدة والعودة إلى الديار؟!

يخطئ من يظن الأمور بهذا اليسر وتلك البساطة، كما يخطئ من يظن أن رحيل المحتلين الأميركيين سيكون سريعا، حتى ولو وعدوا بذلك، فسيجدون عشرات الأسباب التي يتعللون بها للبقاء والاستمرار في السيطرة على العراق ومقدراته فهو هدفهم الحقيقي.

لهذا فإن تلاحق ضربات المقاومة ضد قوات الاحتلال، وتجنب إثارة الفتن الطائفية أو العرقية والحفاظ على الوحدة الوطنية التي نجح العراقيون حتى الآن في صونها وحمايتها، وإدراك أن العدو واحد هو الاحتلال وقواته وأعوانه، كل ذلك هو الذي سيسارع الأميركيون بسببه إلى الانسحاب وإن لم يحققوا أهدافهم، لأنه يعني فشل الحرب والاحتلال في إنجاز تلك الأهداف، ولعل مفهوم المقاومة لا يعني الوسائل العسكرية فحسب، فهناك وسائل أخرى كثيرة معروفة.

يبقى علينا أن نقول إن من واجب الدول العربية والإسلامية والصديقة التي تريد أن تساعد العراقيين ألا تخلط بين هذه المساعدة والدعم المطلوب وبين منح الاحتلال غطاء قانونيا وشرعيا.

لقد نجح الأميركيون في (تزييف وعي) بعض العراقيين وبمساعدة من بعض العراقيين!! لكنهم لن ينجحوا في إقناع جميع العراقيين بشرعية وجود قواتهم المحتلة أو بسلامة أهدافها أو إنسانية غاياتها، ولقد رأى العراقيون بأعينهم ولمسوا بأيديهم حقيقة تلك الأهداف والغايات فما تزال معاناتهم من فقدان الأمن وانتشار الجريمة وغياب خدمات الكهرباء والماء والصرف الصحي وغيرها مستمرة، وهم لا يجدون الحل إلا في إقامة حكم ديموقراطي وتشكيل حكومة منتخبة، ورحيل قوات الاحتلال، أو انحسار وجودها بالتدريج إلى أن تعود للعراق حريته وسيادته ووحدته.