طلائع
من الشبيبة اليمنية في فنلندا
د.
عبد العزيز المقالح/شاعر وأستاذ جامعي (اليمن)
مثلنا
دفعنا فواتير التخلف حرمانا وبعدا عن
الأضواء، صار من حقنا ان نجني ثمار المكابدة
والمعاناة شهرة وسمعة طيبة واستعدادا
لاستقبال المراحل الجديدة من زمن قادم مليء
بالإنجازات والانتصارات التي ترفع رأس الوطن
عاليا.
لقد دخلنا الساحة ـ ساحة كل شيء ـ متأخرين
جدا، ومع ذلك ها نحن نتحرك في محاولة للتقدم
ولتحديد موقعنا من العالم وفي العالم. قد تكون
البدايات متواضعة وينقصها الكثير لتصل إلى
مكان الصدارة، لكنها بدايات ثابتة وملفتة
للانتباه، وفي إمكانها ان تقول للعالم الذي
كان يجهلنا بأننا اكتشفنا قدراتنا ولذلك فنحن
على الطريق سائرون، وبالمزيد من الصبر
والإصرار وبالشعور المخلص والصادق نستطيع ان
نغادر مكاننا المظلم إلى حيث الأضواء تغسل
العقول قبل الشوارع ولكي نضيف دائما إلى هذا
الانتصار المتواضع في عالم الكرة انتصارات
أخرى تجعل اسم هذا البلد العزيز معروفا
ومتداولا في أنحاء كثيرة من هذا العالم الذي
ما زال واسعا ولم يصبح بعد قرية كما يحلم
العلماء والشعراء.
وبالمناسبة، حين ذهبت إلى سويسرا لأول مرة في
عام 1965 وحاولت ان ازور الممثل المقيم لليمن في
المقر الأوروبي للأمم المتحدة، وكان ـ يومئذ
ـ السفير عدنان ترسيسي فقد فوجئت ان لا أحد
يعرف اليمن حتى الجهات الرسمية التي ذهبت
إليها ونشرت بين أيدي مسؤوليها خارطة العالم
واضعا إصبعي على مكان اليمن في الخارطة فوجدت
المسؤول يهز رأسه بأسي وهو يقول: يؤسفني أنني
لم اسمع ببلدكم من قبل، ولم أعرف ان لها
مندوبا في الأمم المتحدة أو في المقر
الأوروبي.
والآن لو ذهبت إلى النرويج أو فنلندا فأنني لن
أجد من يقول لي Where
is
it?
أين هي؟) فقد أصبحت معلومة مشهورة، وأتوقف هنا
قليلا، لكي أثبت انه لا يكفي ان يكون اسم
البلد معروفا وان يتردد على كل لسان ما لم يكن
مقترنا بالمواقف النبيلة والإنجاز العلمي أو
الفني أو الرياضة المتميزة، وهذا ما اعتقد
انه بدأ يتم بالنسبة لنا بعد ان قطعت البلاد
أشواطا لا بأس بها على طريق الوعي بأولويات
التطور والإفلات من شراك التخلف.
أقول هذا في ضوء وصول طلائع من الشباب اليمني
إلى فنلندا للمشاركة في نهائيات كأس العالم
للناشئين في كرة القدم وارتفاع العلم اليمني
في قلب تلك البلاد المعلقة بسقف العالم، وما
تركته هذه المشاركة من نجاح يستدعي وقفة
للتعبير عن الاعتزاز بالجيل الجديد الذي بدأ
يثبت وجوده في شتي المجالات عندما وجد الحد
الأدنى من التشجيع، ولا شك ان للمشاركة في حد
ذاتها مغزى عميقا ـ مهما كانت النتيجة فان
الوصول إلى فنلندا والقبول بمواجهة
المنتخبات الدولية المتقدمة والخروج بالحد
الأدنى من الخسائر ـ هي من وجهة نظر كروية
رياضية فوز لجيل صاعد من الرياضيين الناشئين
الذين سوف يلعبون دورا مهما في مستقبل
الرياضة الكروية.
ان الشاب الموهوب لا يحتاج إذا ما وجد الرعاية
الكافية إلى من يحدد له ملامح الطريق، وحاجته
تبقي ـ دائما ـ إلى من يثق به ويصغي إلى أحلامه.
وهناك حقيقة راسخة في ضمير كل أمة من أمم
الأرض تقول: ان الشباب هم المخزون الذي نراهن
عليه ونباهي به، ليست الأرصدة السائلة أو
المجمدة في البنوك، ولا هي الثروات المطمورة
في باطن الأرض أو المكدسة على ظهرها.
ونحن هنا في هذا الوطن الذي يري الإنسان اكبر
ثرواته ومصدر اعتزازه لا ينبغي، بل لا يجوز ان
نبخل بشيء على شبابنا وان نحميه من الجهل
أولا، ومن عفاريت الإغراء والإغواء ثانيا،
تلك التي تحاول بشتى الوسائل تشويه صورة
المستقبل من خلال تشويه روح الجيل وإهدار
طاقاته.
والسؤال الأهم هو: كيف سيتم الاحتفاظ بهذا
الفريق المتفوق وتطوير قدراته ليكون في وقت
قريب هو الفريق الوطني؟!
والجواب بالتأكيد عند وزارة الشباب والرياضة
التي تبذل جهودا غير عادية ليس في مجال
الرياضة وحسب، وإنما في المجالات العلمية
والثقافي وفي رعاية المواهب الشابة على كل
صعيد.
تأملات شعرية:
وحدهم في براءتهم
في طهارة أحلامهم
وحدهم حين يقتحمون المدى
ويضيئون أيامنا
وحدهم حين يرتجلون البداية.
هم مصابيحنا
والشعاع الذي يتغذى عليه شعور
الملايين
يا ويلنا حين ينكسرون
وتدنو قبور النهاية.