صور متناقضة

وليد الزبيدي/كاتب من العراق

يتذكر الجميع ان أولى المشاهد لعمليات النهب التي بثتها بعض الفضائيات العربية كانت في منطقة (البلديات) القريبة جداً من مسار المدرعات الأميركية ثم اتجهت إلى شارع فلسطين حيث تقع بعض الوزارات والدوائر.

وأحرص على رسم المشهد التالي لا لشيء ولكن ليكون ذلك حافزاً لتفسير ظاهرة السلب والنهب والدوافع التي تقف خلفها ومن الذي شجع على اتساعها من بين عشرات بل مئات اللقطات التي تسابقت الفضائيات العربية لنقلها إلى العالم ولاشك ان ذلك لا يخرج عن دائرة التوجهات المرسومة للإعلام من قبل الإدارة الأميركية لتشويه صورة العراقيين‚ أذكر صورة ذلك الشخص الذي تخرج من إحدى الوزارات مبتهجاً بغنيمته التي يحملها بين يديه وهو يرقص فرحاً وغنيمته عبارة عن (ويل سيارة) سعره في العراق لا يتجاوز الخمسة آلاف دينار (في ذلك الوقت دولار ونصف) وكان بإمكانه ان ينقل الناس بسيارته لساعة ويحصل على اكثر من ذلك المبلغ ولم تفكر أو تحاول ان تدرس الفضائيات العربية من الذي يقف وراء ذلك وربما كانت تعلم من يدري فسارعت إلى بث تلك الصورة على أوسع نطاق لتشجع الكثيرين على عمليات السلب والنهب.

لا أريد أن أذكر صوراً أخرى ولكن الذين تابعوا ذلك الحدث المهول يمكنهم قياس ما حصل في ضوء ذلك.

ثم جاءت الفضائيات لتركز على القول أن العراقيين يرمون المرضى من على أسرتهم في مستشفى الكندي (يقع قرب شارع فلسطين بجانب الرصافة) وينهبون كل ما يجدون أمامهم.

عند ذاك ليس أمام المشاهد العربي والمسلم إلا ان يصدق ما يقوله المعلق التلفزيوني الذي يفترض ان يكون موضوعياً وأن ينصف الشعب العراقي الذي يتعرض لكل لهذا الهجوم الأميركي لكن الذي حصل هو تعميم الخطاب وبما يجعل العراقيين جمعياً تحت طاولة السراق وهذا ما كرسته الفضائيات العربية وغير العربية بدون استثناء.

هنا أود التوقف عند نقطة مثيرة للجدل وتخص مسؤولية الإعلام وأمانته وإدراكه للدور الخطير الذي يفعله عندما يبدأ بالترويج على أوسع ما يكون لعمليات الفوضى في بلد انتهت فيه سلطة الدولة ‚ولم يكن أمام الناس إلا السلطة الذاتية والسلطة الدينية وهي بالتالي السلطة المجتمعية في ذلك الظرف الخطير الذي عاشه المجتمع العراقي‚ كانت الفضائيات تتراكض لبث صور الذين شاركوا في النهب والسرقة وتحرص على تكرارها عشرات المرات وقال بعض موفديها ومراسليها انهم يخاطرون بحياتهم في تصوير ونقل تلك المشاهد لكنهم لم يكلفوا أنفسهم ويذهبوا إلى المراجع الدينية والعلماء الذين بقوا لوحدهم في السلطة الموجهة للمجتمع ولو كانت الفضائيات حريصة على هذا الشعب لسارعت إلى الرموز الدينية ونقلت الفتاوى والتوجهات التي تحرم تلك السلوكيات ولكن شيئاً من هذا لم يحصل وهذا الأمر كان من مسؤولية إيران وكانت تشاهد على نطاق واسع في العراق لأن بثها ارضي ولم يكن حينها مسموحاً للعراقيين باقتناء أجهزة الاستقبال الفضائي.

لماذا لم تبادر تلك القنوات لمثل هذا الأجراء هذا ما يحتاج إلى أكثر من دراسة مع وضع علامات استفهام حول هذا السلوك الذي اضر كثيراً بسمعة وصورة العراقيين وقدم خدمة كبيرة للاحتلال الأميركي.