إعادة النظر في جوهر الاستقلال القطري وأعراضه

مطاع الصفدي/كاتب ومفكر عربي يقيم في باريس
السؤال الذي يؤرق الإنسان العربي واعيا أو غير واع تماما، عشية النكبة العراقية وتجدد النكبة الفلسطينية الدائمة منذ اكثر من نصف قرن، وهذه الفوضى الشاملة التي تعانيها معظم أقطارنا في كل أمورها السياسية والحيوية. هذا السؤال ينبع أساسا من انتقاد وافتقاد حس التوجه. انه يتلخص بكلمة واحدة: إلى أين؟ فالضعف البنيوي لم يعد يمكن إخفاؤه تحت أية شعارات تتشبث بأساطير التغيير ومشتقاته من الإصلاح حتى الثورة. حطام التجارب يربض على صدر الواقع، يختصر الماضي تحت مقولة الفشل المدقع، ويسد طريق الأمل وتجديد المحاولة في المستقبل. فاليأس من الحلول جميعا بات سيد الموقف. لكن الإقرار به لا يفترض الاستسلام له.
ومن هذه النقطة وحدها قد يبدأ التحرك المختلف. إذا كانت جميع الحلول السابقة قد باءت بالفشل، فهذا يعني على الأقل ان التعامل كان ينصب على الوهم بالحل، وليس على الحل بالذات. فالأمم قد تضلل نفسها بالأوهام الكبرى، كما يضلل الأفراد أنفسهم بأوهام صغرى. وقد يقال أن السياسة هي المصنع الأول لإنتاج الأضاليل الكيانية، وكأنها حقائق تاريخية أو أبدية. لكن المسألة لا تتوقف عند إتقان حرفة التضليل وحدها بقدر ما تتطلب قابلية التضليل مهما كان ضعيفا أو سيء الصنعة. فالمجتمع المتخلف يتمتع بمثل هذه القابلية اكثر من سواه. هذا لا ينفي ان أرقى المجتمعات قد تنساق وراء اخطر الأكاذيب الجماعية، كالفاشيات القديمة والمستحدثة ما بين أوروبا القرن الماضي، وأمريكا القرن الحالي. غير انه يتبقى مع ذلك ثمة فارق نوعي لا يستهان به بين طبيعتي القابليتين. فالمتخلف يحلم بقوة لا يمتلك أسبابها الواقعية، لذلك فهو مستعد لتبني بريق الأوهام كتعويض عن ظلام حياته. أما المتقدم فهو المتمتع بأسباب قوة قائمة فعلا، لكنه يطمح إلى مضاعفة متعته بها بمضاعفة عوامل تفوقه. واكتساب المزيد من المزايا والامتيازات غير المتوفرة لسواه.
ما يحدث الآن وأخيرا هو ان المساحة الشاسعة بين الوهم الدعاوي والواقع المعيش قد اتسعت إلى الحد الذي تبخر فيه ضباب الوهم وتمزقت سجفه شذر مذر، ولم يعد في مقدوره لا حجب ارض الألم تحته، ولا ممارسة القمع القديم باسم أية حجة أو تبرير ديماغوغي باطل. الحاكم من فوق والشعب من تحت يقفان معا لأول مرة ربما أمام هول القطيعة الكارثية بين هزائم الأوهام وفظائع الوقائع غير القابلة للتعامل معها بأي طريقة من طرق وأساليب الماضي الذي ينهار زمانه مع استمرار آثاره ونتائجه المدمرة.
فالسؤال: إلى أين بعد، مرتبط بسؤال، لماذا وصلنا إلى هذا. وهما معا يشكلان عتبة ضرورية لإطلاق الاستفهام الأكبر: وما العمل؟ وهي الصيحة التي تذكرنا بحلول المنعطفات التاريخية منذ ان كانت صرخة لينين وما تلاها بعد من قرن الحروب العالمية الكبرى بالأسى القريب، ووراءها أيديولوجيات العنف المطلق. ليس لنا هنا ان نطرح الأجوبة. فالاستفهام المأزوم هو من طبيعة عالمية وكونية، وليس هو وقفا على وعي الانتكاب العربي والإسلامي. ذلك انه عندما يغدو التهديد شاملا للجميع فإن اختيار طرق السلامة غير مجد ان سلكه الجزء أو البعض في وقت تتبنى فيه اكبر قوة دولية أسلوب الأيديولوجيا ثانية، وبعد اندثار عصرها بتجاربه الفاشية الرهيبة، فتحاول أمريكا الذهاب بأيديولوجيا العنف إلى أقصاها مع فرص صيغة الغزو الإمبراطوري سواء بالقوة التدميرية الشاملة، أو بسلطة النفوذ السياسي والاقتصادي المطلق، بحيث لا تبقى دولة كبرى أو صغرى في هذا الكوكب إلا وتنالها حصة من ظل الهيمنة الذي يلف فضاء عالم اليوم، وإلى غد غير معلوم. فالمحنة عربية عالمية في وقت واحد، والتصدي لها يصير شأنا إنسانيا عاما. ولكن مع ذلك فلكل مجتمع أسلوبه في هذا التصدي. وهو سيأتي محصلة لمراجعة شاملة لخصوصياته كلها. ورغم هذا، فالابتلاء العربي والإسلامي يشكل ساحة الممارسة التجريبية الأولى لأيديولوجيا الهيمنة الإمبراطورية. فليس من المبالغة القول ان مستقبل هذه الأيديولوجيا الشيطانية تقرره بغداد وغزة. وليس هذا إلا لأن مشروع فتح العالم إمبراطوريا قد عين مدخله من البوابة العربية والإسلامية وحدها.
هذا لا يضيف عبئا إنسانيا آخر على عاتق المقاومة العربية كما لو كانت المقدمة المفترضة عمليا للمقاومة العالمية القادمة فحسب، بل إن التغيير السياسي والاجتماعي الذي ستلتزم به هذه المنطقة شاء أو أبي حكامها الطفيليون، لن تصح نصوصها النظرية أو تطبيقاتها العملية، إلا إذا انطلقت مقدماتها من محصلة ثقافة الحرية كما يتمتع بها مجتمع الحداثة في العالم المعاصر، وذلك بشرط ان تشكل التجربة العربية إضافة نوعية تساهم في تصحيح هذه الحداثة نفسها. فتفك عنها حصارها في البوتقة العنصرية الغربية، وتكبح جماح الأوليفارشية المالية من مجتمعاتها. فالثورة التي قادتها الملايين من جماهير العالم، من أوروبا إلى أمريكا وآسيا، ضد العدوان على العراق، لا زالت هي نفسها تراقب مصير هذا العدوان وهو يواجه المقاومة والرفض على إشكاليتهما، وبدءا من مساحتهما في العراق وفلسطين. وهي كذلك تتطلع من قبل نخبها الواعية إلى النوع الآخر من عصر المقاومة الذي يفرض نفسه على مختلف المجتمعات العربية. إنها المقاومة الظاهرة والخافية ضد قالب المجتمع السلطاني ـ القروسطي الذي حول أقطار العرب إلى احتكارات مملوكية في مالها وناسها وأرضها.
ان أسئلة المصير ضد الغزاة تكاد تكون هي نفسها أسئلة المصير ضد الغزاة الآخرين، الأهليين والوطنيين كلاهما يمارسان الاحتلال بالدبابة والأدلجة، واليوم قد يقرر الغازي الأجنبي إبدال الغازي المحلي العتيق الذي تم استهلاكه هو ودولته وعصره، وقد يحل هو نفسه مكان وكلائه القدامى المهترئين مشركا معه وكلاء جددا من خريجي مصانع الأدلجة المستحدثة للصهينة والأمركة. فكل نظام قمعي يمارس احتلاله الخاص لكافة شؤون الدولة والناس معها، وإذا كان له من عدو حقيقي فهو التفكير وقبل ان تظهر المعارضات اللاعقلانية من نوع الأصوليات الدينية، فقد كان التفكير هو الممنوع الأول سواء في مجتمع السادة الحاكمين، أو المسودين من بقية قطاعات الشعب الغائب المغيب. وأي إصلاح متنور جديد يرفض مقدما الانضمام إلى أحد قطبي هذه الثنائي: الحاكم المستبد، أو المعارض المتزمت، فهما معا يحرمان التفكير على قومهما قبل ان يسمحا به لمن هو خارج عن دائرتيهما.
هنا نصل إلى عقدة الهزيمة الحقيقية، وهي ان نصف قرن من وعود التنمية الشاملة في ظل دويلات الاستقلال المنقوص، لم تذرها رياح الخيبات السياسية فقط، بل عجزت حتى عن إنشاء خلية حيوية واحدة واعدة بإنتاج نسيج لكيان اجتماعي من النوع المختلف عن جثة المومياء المتوارثة طيلة العصر القروسطي العربي المديد. كأنما كان منح الاستقلال (الوطني) المنقوص مشروطا ضمنيا بين طرفي العلاقة الأجنبي المغادر، و(الوطني) المستلم لمفاتيح البلد، كان مشروطا بثلاثة ممنوعات استراتيجية كبرى تتناول طبيعة هذا الاستقلال التي ينبغي لها ان تظل منقوصة وانحرافية في الجوهر والعرض معا، مهما طرأت عليها مستقبلا من ظروف الأزمات الخارجية وتحولات الداخل. وهي أولا عرقلة عوامل التقدم البنيوي المتكامل بين الفرد والمجتمع من ناحية، وبينهما والدولة، وذلك عن طريق إحباط ثمرات التعليم بحيث لا يتجاوز متخرجو الجامعات عتبة الأمية الثقافية إلا بالعدد القليل والنادر الذي يعجز عن تحقيق نقلات نوعية حضارية في مستويات الاختصاصات العلمية الحديثة، أو مستوى الوعي المعرفي العام بل كان الأمر على العكس تماما، إذ عمل التوجه السلطوي على تدمير مناقبية التربية المدرسية والجامعية منها بخاصة، واستتباعها للانتماءات السياسوية والفئوية والجهوية، وتسطيح المناهج وتفريغها من المادة المعرفية الجادة، والقضاء على قواعد الضبط والتقييم المتعارف عليها دوليا في أنظمة الامتحانات ومنح الشهادات العليا التي تحولت إلى ألقاب اجتماعية، وتخفي وراء عناوينها خواء معرفيا بائسا يصل إلى حدود الابتذال. فلقد خسر العرب معركة التعليم عامة، والعالي منه تحديدا، الذي يعتبر محك التقدم العصري وعماد التحولات الجذرية لمجتمع المعلومات والتواصل في الوقت الذي تحقق فيه الدول المتطورة أسرع إيقاع متواتر من الثورات والقفزات المعرفية الفاصلة ما بين ما قبلها وما بعدها، على أساس ما تنتجه من الإبداعات النظرية وتطبيقاتها العملية المباشرة، وبما تبعثه من متغيرات في مختلف شؤون الحياة العامة والخاصة. لم تكتف حكوماتنا بتدمير رهاناتها التعليمية واحدا بعد الآخر، بالجهل المتفاقم تارة في التخطيط والتوجيه والرقابة، أو بالتسطيح الأيديولوجي والتدخل السياسوي والمصالحي تارة أخرى، أو بهما معا وما هو من جنسهما كذلك من أشكال التخريب العضوي بسبب الأمية المقنعة، أو التخريب المتعمد بسبب من الرقابة الأجنبية وتدخلاتها المنظورة وغير المنظورة، حتى وصل الأمر أخيرا بأمريكا إلى اعتبار الاختراق العراقي نحو التعليم التقني العالي والتصنيع الإلكتروني سببا رئيسيا لتدمير حضارته، تحت حجة أسلحة التدمير الشامل، ثم أصبح التدخل الأمريكي ومعه (الاسرائيلي)، في شأن التعليم العربي ومناهجه، اصبح شبيها بالتهديد العسكري ضد بقية أقطار المشرق التي لم تصلها بعد نيران الحروب الأمريكية المباشرة.
إن تحييد النهضة العربية الثانية عن علوم العصر افقدها العمود الفقري لقيام تكوينها الجديد. ولذلك تجيء الممنوعات الأخرى المفروضة على نوعية الاستقلال المنقوص تحصيل حاصل لحرمان المشروع النهضوي من مضمونه المعرفي والمدني. فأية نهضة تلك التي تجهل علوم العصر الذي تطمح للانتماء إليه والانضمام إلى مسيرته. فلا غرابة ان يأتي الممنوع الثاني الذي تختزله تحت عبارة واحدة وهي: تعقيم الثروة الوطنية على أنواعها واختلاف مصادرها البشرية والاجتماعية والتعقيم يعني استثمار الثروة في غير مجالاتها المناسبة، فتضيع بالإهمال وفقدان الخبرة أو بالهدر والاحتكار الفردي والفئوي. ولا حاجة هنا للتذكير بالأوضاع المأساوية للزراعة والصناعة وكل مصادر الإنتاج الأخرى. لكن الاستهتار الأعظم بالثروة النفطية خاصة في بلدان الخليج، ومجالات هدرها شبه المجاني، العجيبة والفريدة في تحديها لأبسط قواعد الاستثمار العقلاني، هذا الاستهتار الطفولي بل الإجرامي قد جعل من أموال النفط الخليجي إحدى اكثر أساطير العصر مدعاة لجلب لصوصيات التنمية الدولية، من مشاريع العمران الكاذب والتسليح التراكمي الممنوع من الاستعمال في أية حروب وطنية دفاعية. وإنفاق الفوائض على العمالات الآسيوية المستوردة، وحجبها عن العمالات والخبرات العربية إلا في مجالات صورية ورمزية، انه التبديد المنظم المدروس لأهم تمويل متدفق بالأرقام الفلكية كان يمكنه ان يوظف في إنتاج نهضة عربية متكاملة بدلا من توظيفه في جذبه اخطر حروب وكوارث العصر، لو لم يكن الاستقلال السياسي منقوصا في أصوله المشروعة، وملغوما وزائفا في عناصر حمايته وتنميته، خلال مسيرته، ومنعطفاته المنتظرة.
ويأتي الممنوع الثالث مرافقا دائما للممنوعين السابقين، من تحييد العلم وتبديد الثروة، وهو التقزيم القطري للامتداد القومي الذي نجح طيلة نصف قرن في تشغيل أعضاء الجسد الواحد ضد بعضها، بحيث يمسي التمزيق السياسي في مستوى القمة أهم حارس ومولد لمختلف أشكال التفرقات الأخرى الضاربة في كل نسيج عضوي من أنسجة الجسد القومي العليل بأمراض المجتمع القبلي والتناحر الطائفي والجهوي.
ويسألونك بعد عن أسباب الهزائم العسكرية وعودة الاستعمار، إنها أولا هزيمة الاستقلال القطري المنقوص في شرعيته، والملغوم ذاتيا في تخطيطه وإنتاجه.