جدار
الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية
خطط للتوسع الاستيطاني وتكريس للعزل
د.
أحمد مجدلاني/ رام الله –
فلسطين المحتلة
رغم
الخطورة التي ينطوي عليها بناء جدار الفصل
العنصري فإن درجة الاهتمام بموضوع الجدار
ودارستها وتحليلها بشكل واف ومعمق لم تتم حتى
الآن حتى الآن، فدراسة جدار الفصل العنصري
تنطوي على عدة محاور للبحث حيث يشكل تأثيرات
الجدار الاقتصادية بتفصيلاتها الكبيرة
المحور الأول وتأثيراته الاجتماعية
وتفصيلاتها أيضا المحور الثاني أما المحور
الثالث فهو محور التأثيرات السياسية للجدار
لجهة التحديد المسبق ومن جانب واحد للحدود
المشتركة للبلدين.
كما
انه رغم التحذيرات التي أطلقت من جانب
الفلسطينيين وخاصة بعد إطلاق خارطة الطريق
والبدء العملي بتطبيقها من مخاطر بناء الجدار
على إمكانية الوصول لدولة فلسطينية مستقلة
وذات سيادة ومتواصلة وقابلة للعيش تطبيقا
لخطة خارطة الطريق، ظلت هذه التحذيرات
والصيحات في مهب الريح ولم تتحول لقوة ضاغطة
على حكومة شارون، ويمكن اعتبار إن بداية
الاهتمام الدولي بمخاطر الجدار ما أثير مع
السيدة كوندليزا رايس مستشارة الرئيس
الأمريكي أثناء زيارتها للمناطق الفلسطينية،
وكذلك إثناء زيارة الوفد الفلسطيني للولايات
المتحدة الأمريكية، وإثارته للموضوع في أكثر
من محفل ومع الرئيس الأمريكي.
فبالعودة
الى الجدار وما يمثله واقعيا ؟ فهو عبارة عن
كتل أسمنتية ضخمة يصل ارتفاعها لثمانية أمتار
يعتليها سياج حديدي، ومكون أيضا من شبكة
حواجز متعددة الأصناف ( أوتاد حادة، قنوات،
جدران فولاذية، صخور كبيرة، كاميرات تصوير
وأجهزة التقاط حساسة) ويصل عرضه في بعض
المناطق لحوالي 2كلم، ويمتد هذا السياج عبر
مراحله الأولى والثانية والثالثة ليشمل كافة
الأراضي الفلسطينية أي ليحيط بها من كل جانب،
أي هو بمثابة رسم للحدود التي تفترضها
إسرائيل، وسيكون في هذا السياج عدة معابر بين
إسرائيل والأراضي الفلسطينية وتحت سيطرة
إسرائيلية.
إن
الجدار والذي سيمثل واقع الحدود المستقبلية
بين الدولتين، سيسمح بوجود حركة اقتصادية
وتجارية، أي سيعتبر هذا الدار بمثابة حدود
تنفس، ولكن بما تسمح به إسرائيل وليس أي أحد
أخر وتبعا لتعليماتها وتحت وطأت إجراءاتها
الأمنية المشددة وتحقيقا لمصالحها الأمنية
والسياسية والاقتصادية.
وقد
بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعد مرور
فترة وجيزة على بداية انتفاضة الأقصى
باستعادة خطط ومشاريع قديمة بإقامة الجدار
الفاصل بين المناطق الفلسطينية وحدود
إسرائيل التي اقتطعتها عام 1948.وقد اقر المجلس
الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر في أكتوبر
عام 2001 خطة الجدار الأمني الفاصل الذي سوف
يمتد على طول 350 كيلو متر وبارتفاع ثمانية
أمتار وبعمق يتراوح ما بين 2 -12 كيلومتر حسب
المنطقة وذلك ارتباطا بضيق الشريط الساحلي
الإسرائيلي.
إن
عملية بناء الجدار هي عملية من سلسلة
العمليات التي مارستها إسرائيل تحت شعار
طرحته ومارسته منذ نشأتها وهو " من حق شعب
إسرائيل العيش في دولة معترف بها وضمن حدود
آمنة". غير إن تلك الحدود تلك التي تتكلم
عنها إسرائيل وترغب العيش فيها لم تزل غامضة،
وهي حتى الآن تكاد الدولة الوحيدة في العالم
التي لم تعين حدودها، وذلك لأنه حتى الآن تطمع
إسرائيل بالمزيد ولن تكتفي إلا بحدود تضم ارض
فلسطين التاريخية.
ففي
أعقاب حرب عام 1956 استولت على قطاع غزة وشبه
جزيرة سيناء، إلا أنها انسحبت نتيجة للضغوط
الإقليمية والدولية، وفي عام 1967 استولت على
الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان
السورية وكانت قد استولت على سيناء وانسحبت
منها بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وكانت
إسرائيل دائما تضع مبررات لأفعالها بحجج ضمان
الأمن لمواطنيها.
مما
سبق نرى وجود نهج إسرائيلي نحو الاستيلاء على
الأرض والتوسع المستمر ولم تنتهي الخطط
الصهيونية في التوسع يوما إنما كانت تختفي
لفترات، حتى تعود للظهور مجددا، وقد عادت خطط
التوسع والفصل بشكلها الراهن في عهد رابين
إبان الانتفاضة الفلسطينية الكبرى حيث قال"
إننا نعمل بجد من اجل الانفصال عن الشعب الآخر
الذي نسيطر عليه وإننا سوف نصل الى هذه الغاية
إن عاجلا أو آجلا". ولكن رابين استطرد قائلا
" إننا لن نعود الى خطوط عام 1967، ولن ننسحب
من القدس ولن نتزحزح عن غور الأردن" إن
تصريحات رابين تدل على مزيد من السيطرة وعدم
التراجع عما احتلوه.
إن
خطة الفصل العنصرية التي تقوم حكومة شارون
بتطبيقها الآن، إنما تهدف إلى السيطرة التامة
على نحو 50% من مساحة الضفة الغربية، وتوجد هذه
النسبة في غلاف القدس والتي ستضم نحو 18% من
مساحة الضفة الغربية والباقي يقع ضمن المنطقة
العازلة على طول الخط الأخضر الفاصل ما بين
الحدود الفلسطينية والإسرائيلية، بحيث يتم
تنفيذه على عدة مراحل ليتم في المرحلة
النهائية منه إحاطة كافة الأراضي الفلسطينية
بما فيها القدس بهذا الجدار الفاصل تحت ما
يسمى تحقيق عنصر الأمن للمواطن الإسرائيلي.
وفي
ظل هذه الظروف تأتي خطة الفصل لتكمل
السيناريو لكي تزيد من معاناة الشعب
الفلسطيني، وأول هذه المعاناة الناتجة عن خطة
الفصل هي وجود أعداد كبيرة من السكان
الفلسطينيين من سكان القرى والمدن سيقعون ضمن
المناطق العازلة وغلاف القدس، إذ سيزيد عددهم
على 700 ألف نسمة موزعين على غلاف القدس حوالي
300 ألف نسمة وباقي القرى والمدن حوالي 400ألف
نسمة وهو ما يقارب 25% من مجموع السكان
الفلسطينيين، وبنظرة سريعة على خريطة توزيع
المدن والقرى والبلدات نجد أن هذه المنطقة
ستضم ما بين 150-200 مدينة وقرية فلسطينية وهي
مراكز لا تبعد أكثر من 10 كلم عن الخط الأخضر،
وهي المسافة التي يمكن أن تشملها المنطقة
العازلة، هؤلاء السكان ستتحول حياتهم إلى
جحيم بفعل الإجراءات الإسرائيلية المشددة،
إذ سيمنعون من التحرك ليلاً أما نهاراً فسوف
يمنعون من التنقل بين مدينة وأخرى إلا بموجب
تصاريح خاصة لأن هذه المنطقة ستكون مسرحاً
للنشاطات العسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي
سيجعلهم في النهاية يعيشون في معازل ضمن
أسوار من التمييز العنصري وما يتبع ذلك من
تردي أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية وأوضاعهم
الاجتماعية.
بعد
كل هذه السيطرة لن يتبقى للفلسطينيين إلا جزء
يسير من أرضهم وهو أقل بكثير مما هو مطروح في
خطة خارطة الطريق الهادفة لإقامة دولة
فلسطينية تتمتع بحدود متواصلة وقابلة للحياة
رغم إن هذه الخطة لا تمثل خيار الفلسطينيين
ولا برنامجهم الوطني بقدر ما هي الخيار الأقل
سوء الذي قبلوا فيه في ظل المعادلة الدولية
والإقليمية الناشئة بعد غزو العراق واحتلاله.
وبالتالي
يمكن تلخيص الأهداف الإسرائيلية من وراء
إقامة الجدار بما يلي:
ضم
أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية بدون
سكانها إلى إسرائيل بشكل نهائي.
منع
إقامة أي كيان سيادي فلسطينية على الأرض
الفلسطينية.
ضم
الكثير من المستوطنات القريبة أصلا من الخط
الأخضر إلى إسرائيل بدل تفكيكها وإنهاء
وجودها.
العمل
على خلق بؤر بين إسرائيل والدول العربية
المجاورة تستخدمها لخلق حالات من التوتر بهدف
التوسع على حساب أراضى تلك الدول تحقيقا
لأهدافها التوسعية وتحقيق حلم إسرائيل
الكبرى.
خلق
وقائع مادية ملموسة على الأرض لتستخدمها في
أي مفاوضات قادمة للحل النهائي، بحيث لا يمكن
لأي طرف إمكانية التغيير في تلك الوقائع أو
استبدالها، ومنهم الفلسطينيون الذين سيكون
من الصعب عليهم رسم معالم الدولة الفلسطينية
بشكل منفرد، كما
ستستخدم إسرائيل خطة الفصل كخطوة رد غير
دراماتيكية في حال حاول الفلسطينيون إعلان
دولتهم من جانب واحد.
ضمان
إسرائيل سيطرتها التامة على عبور الأشخاص
والبضائع سواء على المعابر بين إسرائيل
والأراضي الفلسطينية أو تلك المعابر على
الحدود مع الدول الأخرى.
والتساؤل
المهم الذي يبرز هنا، فيما إذا أنجزت كافة
مراحل الجدار، ماذا ستكون طبيعة
السيناريوهات السياسية بعد ذلك في الوقت الذي
تكون فيه إسرائيل ثبتت على الأرض وضمن سياسة
الأمر الواقع جميع خططها وتصوراتها للمستقبل،
وتكون بذلك قد حددت معالم الدولة الفلسطينية
المستقبلية بشكل منفرد، كما وتكون حددت
للفلسطينيين وللعالم اجمع مسار وحيدا للحل
نابع من الرؤية الإسرائيلية فقط.
وكذلك
ما هي الآثار الاقتصادية والاجتماعية
الناجمة عن تطبيق هذه الخطة على المناطق
الفلسطينية خاصة، وإنها سوف تطال أكثر من
حوالي سبعمائة ألف مواطن يعيشون في هذه
المناطق ويكسبون معيشتهم على زراعة أراضيهم،
وما هي أحوالهم المعيشية عندما يفقدون مصدر
رزقهم الوحيد.
كما
يمكن في هذا المجال طرح المزيد من التساؤلات
في إطار الإشكالية المتولدة جراء ذلك، وخاصة
في موضوع التنمية والتنمية المستدامة في
المجالات المختلفة (التعليم والصحة والوضع
الاقتصادي)، فكيف يمكن الحديث عن أحداث تنمية
في الأراضي الفلسطينية لمعالجة الأوضاع
السيئة والتشوهات وخاصة في البنية
الاقتصادية وعدم وجود نمو اقتصادي على
المستوى المطلوب، فكيف يمكن الحديث عن ذلك في
ظل الفصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية
المختلفة والذي عززته إسرائيل الآن ببناء
جدار الفصل العنصري، والذي دمر الكثير من
العناصر التي يمكن اعتبارها عناصر مهمة في
إحداث التنمية الذاتية كالأرض والثروات
الطبيعية ومصادر المياه والبنى التحتية.
إن
جملة هذه التساؤلات التي تثار تهدف إلى إلقاء
الضوء على الآثار المختلفة على الإنسان
الفلسطيني في جميع النواحي الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية، والى إثارة تساؤلا
من يتحمل مسؤولية مواجهة هذا الوضع الناشيء
في ظل عملية سياسية انخرطت بها السلطة
الوطنية على قاعدة خطة خارطة الطريق، في
الوقت الذي تتواصل فيه إجراءات إسرائيل على
الأرض وفي المقدمة منها مواصلة بناء جدار
الفصل العنصري هذه الممارسات تضرب من مصداقية
هذه الحكومة الفلسطينية وتهز ثقة شعبها بها ،
وتضع علامة استفهام كبيرة على دور الولايات
المتحدة الأمريكية الراعية الأساسية
والوحيدة للعملية السياسية الراهنة بعد أن
استبعدت دور الأطراف الدولية الأخرى وفي
مقدمتهم الدور الأوروبي .
إن
النقد الخجول والرقيق الذي تمارسه الإدارة
الأمريكية بعد أن لم يعد ممكنا التغطية على
عملية السرقة المكشوفة للأراضي الفلسطينية
وتقويض فرص استعادة العملية السياسية
لمسارها، إن هذا النقد لا يمكن أن يوفر قوة
ضغط جدية على شارون وحكومته للكف عن هذه
الإجراءات ما لم تقترن بخطوات عملية ملموسة
وذات طبيعة عقابية تشعر حكومة شارون أن المضي
بسياستها العنصرية لن تمر دون ثمن أو عقاب،
ويبدوا أن شارون مطمئن أن هذه الإجراءات لن
تحدث بسبب اقتراب الانتخابات الأمريكية،
وبعد استبعاد الأطراف الدولية الأخرى، وأيضا
بفعل المواجهة التي يبديها الفلسطينيون ما
زالت دون المستوى المطلوب لإثارة أزمة جدية
سواء على المستوى التفاوضي رسميا، أم على
المستوى الشعبي وهو من مسؤولية القوى
والأحزاب السياسية الفلسطينية التي مازالت
لغاية الآن تكتفي ببيانات التنديد والشجب
التي لا تثمر ولا تغني إن لم تتواصل بحملة
جدية على الأرض تجند إمكانيات الشعب وخاصة
الفئات المتضررة وهي كثيرة ومستعدة لخوض غمار
هذه المعركة لأنها بالنسبة لها مسالة خيار أو
موت، كما وان عودة الحياة لقوى السلام
الإسرائيلية والاستعدادات التي تبديها في
مواجهة سياسية حكومة شارون وخصوصا جدار الفصل
العنصري والاستيطان يمكن أن يوفر قوة ضغط
داخلية إسرائيلية، مترافقة مع قوة ضغط خارجية
مع النضالات التي يمكن أن تخاض ميدانيا مع
المشاركة الرمزية للحملة الدولية التضامنية
مع شعبنا.
إن
هذه الخطوات على الرغم من أهميتها ميدانيا
إذا لم تترافق مع حملة سياسية دبلوماسية
تشنها م.ت.ف والسلطة الوطنية الفلسطينية على
كافة المستويات واستنفار كافة الطاقات
والإماكانيات لدى شعبنا وأصدقائه في العالم
تبقى هذه الفعاليات الميدانية بدون اثر كبير.
إن
تحول مسألة الجدار العنصري الفاصل على الأرض
الفلسطينية الى قضية كفاحية يومية مطروحة على
الجميع قوى سياسية وحكومة ومؤسسات مسألة
تكتسب الآن أهمية استثنائية لأن مصير هذه
المعركة سيحدد مستقبل الصراع في المنطقة، وهل
نحن مقبلون على حل سياسي دائم وشامل، أم على
حل مؤقت فرض بقوة موازيين القوة المختلة.