مقاومة الاحتلال واجب على كل عربي

بطرس عنداري/ كاتب وصحفي يقيم في استراليا

خلال الأسبوع الأول من شهر تموز الجاري حصلت عمليات عسكرية تجاوزت العشر في بغداد وحدها. وروى إعلاميون عرب وأجانب وصلوا الأردن قادمين من بغداد أن عملية واحدة في شارع حيفا أدت إلى تدمير 3 ناقلات جنود وتم إغلاق منطقة بأكملها ومنع التجول طوال 12 ساعة كما منع الإعلاميون والمصورون من الاقتراب من تلك المنطقة الواقعة على شاطئ دجلة وسط بغداد كما أفادت إذاعة (بي. بي. سي.) البريطانية.

ويرجح هؤلاء أن عدد القتلى من الجنود الأميركيين يقدر بما بين 30 إلى 40 على الأقل كما استنتج من رسالة لمذيعة (بي. بي. سي.) شاهدت العملية عن قرب.

وبعد عملية شارع حيفا رفعت حالة التأهب وجرت عمليات انتقامية عشوائية أدت إلى مقتل اكثر من 15 مدنيا عراقيا. كذلك أدت هذه العملية إلى لجوء حكومة الاحتلال للرشاوي وتقديم مبالغ سخية لكل عراقي يرشد قوات الاحتلال الأميركي إلى الذين ينفذون عمليات المقاومة أو يشاركون فيها أو يشجعونها.

وقد فضح الجنرال تومي فرانكس التستر الأميركي بإعلانه أمام أجهزة الإعلام بان اكثر من 25 عملية تجري يوميا ضد قوات الاحتلال في بغداد وغيرها من المدن العراقية.

وفي محاولة جديدة لإلهاء الرأي العام العراقي والخارجي شكل حاكم المستعمرة بول بريمر مجلسا جديدا أقامه على أساس طائفي تحريضي الشكل والهوى ليؤسس لحرب أهلية على الطريقة اللبنانية يكون فيها المحتل الأميركي المرجع والحكم لعل هذا الأسلوب يقضي على شعلة المقاومة التي تستعر يوما بعد يوم..

إن الدعوة إلى القتل محرمة وخاصة إذا كانت موجهة إلى المحتلين الأميركيين وربما نواجه تهمة الإرهاب والتشجيع عليه إذا بلغت ترجمة هذه المقالة إلى مراجع الإمبراطورية الجديدة.

ولكن للأميركيين الحق بالقتل والدعوة إلى القتل والاغتيال إلى درجة جعلت دبليو بوش يقف على منصات البيت الأبيض ويفاخر بأنه حاول ويحاول قتل صدام حسين وولديه ومعاونيه. وقد قال البروفيسور فؤاد عجمي على فضائية عربية وبكل وقاحة بأنه من الضروري أن يقتل صدام حسين وأولاده وطارق عزيز وكل معاونيهم وأن تعرض جثثهم أمام شاشات التلفزة حتى يصدق العالم أنهم قتلوا.

إن دعوات البوش المهووس والعجمي الموسادي التربية شرعية وفق ما أقرته الأمم المتحدة المنهارة التي وافقت على استثناء الأميركيين من الملاحقة فيما لو ارتكبوا جرائم حرب أو إبادة. فمنذ أيام هولاكو وجنكيز خان لم يعرف العالم هذه الوحشية الهاجمة بأثواب راقية وباسم العدالة والديمقراطية.

إن الكتابة عن استرجاع الكرامة والتحرير وحقوق الإنسان وتقرير مصيره مجازفة في هذا الزمن. ولكننا انطلاقا من شعورنا بالورطة الأميركية التي بدأت "نزهة" احتلالية سهلة نرى أن تخصيص جائزة لمن يدل على صدام حسين أو يؤكد وفاته قيمتها 25 مليون دولار أميركي و30 مليونا لمن يدل على نجليه من الأمور التي تؤكد أن الحرب الحقيقية في العراق لم تبدأ بعد وإن تيقن الأميركيون أنها بدأت فهي لم تستعر بشدة حتى هذه الساعة.

في بدايات حرب فيتنام قال الأميركيون انهم تدخلوا لمساعدة حكومة (ديام) الديمقراطية للقضاء على بضعة إرهابيين شيوعيين من أنصار هوشي منه.

ولكن مجموعة الإرهابيين هذه تمكنت من هزيمة أميركا واعترافها بخسارة 80 ألف شاب ما عدا المعاقين والجرحى.

وفي حمأة اشتداد الحرب الفيتنامية قال الثائر الأممي تشي غيفارا إن قوة متغطرسة وعدوانية مثل الولايات المتحدة لا يمكن دحرها إلا إذا خلقنا لها فيتنام ثانية وثالثة ورابعة. وقد كلفت هذه النظرية غيفارا حياته حيث طاردته المخابرات الأميركية إلى بوليفيا وأعدمته بتاريخ 17/10/1967.

وبعد هزيمتها وانسحابها من فيتنام اعتمدت الولايات المتحدة سياسة عدم التورط في أي حروب برية بعد فيتنام. ولكن بوش الابن انصاع لفريق الصقور الصهاينة الذين سعوا "لقرن جديد أميركي" أي أن تهيمن الولايات المتحدة مباشرة وبتدخل عسكري على العالم عبر بوابات معينة أبرزها العراق بعد مهزلة أفغانستان.

وقد حققت الولايات المتحدة المرحلة الأولى من خطتها متجاهلة الشرعية الدولية والرأي العام العالمي ولكنها سرعان ما وجدت نفسها في مأزق دموي قاتل وبدأت جثث القتلى الأميركيين تصل إلى المطارات الأميركية يوميا في الأكياس البلاستيكية الخاصة مما اضطر شريحة واسعة من السياسيين الأميركيين إلى مراجعة مواقفها وإلى فضح ذرائع بوش وإدارته الكاذبة عن أسلحة الدمار وغيرها حيث بدأ التفسخ في جبهة البيت الأبيض وكشف بعض مسؤولي الخارجية والمخابرات المبالغة والاختلاقات غير الصحيحة لتبرير احتلال دولة ذات سيادة واستقلال على حد قول السيناتور روبرت بيرد.

إن محاولات الرشوة الأميركية للعراقيين وبمبالغ سخية ليرشدوهم إلى الذين ينفذون عمليات مقاومة الاحتلال وعلى مخابئ المسؤولين السابقين هي الاعتراف الأول العلني بأن أبناء العراق لم يرشقوا الغزاة بالأرز والزهور بل ادخروا لهم الرصاص والمتفجرات.. حتى الذين عارضوا الحكم ولجأوا إلى خارج العراق لسنوات طويلة رفضوا بأكثريتهم الساحقة الاحتلال وأذهلهم التغير الوقح في الموقف الأميركي الاستعماري.

ولا شك بأن الذين عرفوا بفئات معارضة للحكم السابق سيبدأون قريبا بالقيام بواجبهم الوطني في عملية التحرير كما حصل في ثورة العشرين ولن يبقى في خنادق الاحتلال سوى الحفنة التي ارتضت أن تتخلى عن الشرف القومي لأن قضية الاحتلال الأميركي لا علاقة لها إطلاقا بالحكم الديكتاتوري في العراق أو بأسلحة الدمار أو غيرها.

ومن أغرب ما قرأت من آراء مقال نشرته صحيفة (القدس العربي) كتبه كاتب عراقي اعتبر نفسه منتصرا واعتبر عبد الباري عطوان رئيس تحرير الصحيفة مهزوما وخاسرا.. وقارن بين احتلال هتلر والنازية لفرنسا وحكم صدام حسين والبعث في العراق. واعتبر الاحتلال الأميركي عملية تحرير شريفة. إن هذه الغرائب تكاثرت وسنرى ونسمع الكثير منها وليس من علاج لها سوى المقاومة وحرب التحرير التي يجب أن تستهدف المتعاونين مع الاحتلال والمبررين لبقائه كما حصل مع هؤلاء في الجزائر وفيتنام وفلسطين لأن عملاء الداخل أكثر خطورة من أعداء الخارج.

ما زال من المبكر الحديث بوضوح عن مقاومة الاحتلال في العراق. ولكن انفجار هذه المقاومة منذ الساعات الأولى لاجتياح الدبابات الأميركية أرض وطن الرافدين واشتدادها وتزايدها اليومي جعل المراقبين مذهولين أمام سرعة ردات فعل الشعب العراقي المنهوك اقتصاديا ومعيشيا وصحيا وربما معنويا.

ويدل تزايد العمليات ضد الاحتلال على أن حرب التحرير الحقيقية ليست بعيدة ولكنها لن تكون سهلة لأن طبيعة العراق الجغرافية تختلف عن فيتنام أرض الأدغال والمستنقعات كما تختلف عن الجزائر بمناطقها الجبلية الوعرة.

ويعتقد الأميركيون أن أصعب ما يواجه المقاومة هو قطع خطوط التموين عنها ومحاصرتها من الجهات الأربع. ويعتبر الأميركيون أن الدول الست المحيطة بالعراق لن تقدم أي عون للمقاومة العراقية التي ستكون عاجزة عن تصعيد عملياتها.

لقد قيل هذا الكلام عن الجزائر وفلسطين ولكن المقاومة تغلبت على كل التوقعات. وعلى المقاومة العراقية أن تتوقع تمسكاً أميركيا عنيفا بالبقاء في العراق لأنه أغنى من فيتنام واكثر أهمية اقتصادية واستراتيجية من الهند ـ الصينية بأسرها.

إن الشعب العراقي مسلح بتجارب تاريخية غنية وبثقافة وطنية صلبة ويذكر كيف فرض على المقاتلين الجزائريين أن يقوم كل فرد منهم بقتل جندي محتل مما اضطر الفرنسيين بعد عدة سنوات من ممارسة القتل الجماعي إلى التراجع ووقف الحرب والانسحاب من الجزائر.

وربما تكون مهمة العراقيين متقاربة حيث لو تمكن كل 500 من المواطنين العراقيين على قتل محتل واحد في السنة تكون النتيجة كارثية على الولايات المتحدة.. وهذه الطريقة "الماوية" في الحساب تؤدي إلى تكبيد الأميركيين 50 ألف قتيل سنويا إذا احتسبنا أن عدد سكان العراق هو بحدود 25 مليون نسمة. وعلى مرور سنوات خمس تصل خسائر المحتلين إلى 250 ألف قتيل من الشبان وهذا سيؤدي إلى غليان رهيب داخل المجتمع الأميركي المرفه يفوق ما حدث خلال حرب فيتنام التي لم تصل خسائر الأميركيين فيها إلى المائة ألف.

وقد بدأ الاهتزاز داخل المجتمع الأميركي وبين الطبقة السياسية الحاكمة بعد أن اعترف بوش ومعاونوه بالمبالغة والكذب فيما يتعلق بأسلحة العراق والخطر الذي مثلته على الولايات المتحدة.. كما أن عدم ارتباط العراق بعصابة بن لادن ـ الاختراع الأميركي ـ سيحمل الرأي العام حول العالم على اكتشاف الابتزاز الأميركي الذي هدف إلى خلق واقع استعماري جديد طالما حلمت به ثيران البنتاغون الهائجة والحالمة بإمبراطورية متحكمة، لا حاكمة فقط.

وقد شكلت الإدارة الأميركية وحدة خاصة لدراسة أخطار المقاومة العراقية ضد الاحتلال تضم عسكريين اسرائيليين سابقين وبعض العراقيين المتواطئين مع محتليهم.. ووردت إشارة في (الواشنطن تايمز) إلى أن أكثر ما حذرت منه وحدة مكافحة المقاومة (The Anti Resistance Unit) هو مشاركة الشيعة العراقيين في المقاومة بسبب نهجهم الاستشهادي الفدائي، والخطر الثاني الذي تراه هو امتداد المقاومة جنوبا عبر الأهوار حتى أبو الخصيب ومدينة البصرة.

وتقترح الوحدة المذكورة ضرورة إرضاء الشيعة عبر إبقاء العلاقات ودية مع ايران وإسناد مناصب رفيعة إلى آية الله الحكيم ومعاونيه بعد أن تجاوب مع قوى الاحتلال وأبدى مرونة لافتة تجاه الغزو الأميركي.

ولكن تاريخ العراق القديم والحديث أكد أن الأكثرية الساحقة من أبناء الشعب العراقي متمسكة بالوطنية العراقية ودافعت وتدافع عن شرف وطنها وتحرير أرضه من المغتصبين والطامعين دون تمييز بين سنة وشيعة أو غير ذلك من الطوائف العراقية.

وتحذر وحدة مكافحة المقاومة من تسريب الأسلحة والذخائر من الحدود السورية وتقترح تكثيف الرقابة الجوية والبرية والإلكترونية على الحدود العراقية ـ السورية ومضاعفة حملات مصادرة الأسلحة من المنازل والمخابئ.

ويقوم الإعلام العربي بدور داعم لهذه الوحدة الصهيو ـ أميركية بربط عمليات المقاومة بشخص صدام حسين أو بأنصار العهد السابق أو بفئات أصولية متطرفة تمهيدا لربطها باتباع بن لادن الأسطورة التاريخية التي اكتشفها وكرسها الأميركيون. إن مقاومة الاحتلال عمل وطني لا يرتبط بأي دين أو زعيم محدد لأنه حق إنساني له شرعيته وقدسيته المنزهة السامية. فالذين يقومون بالعمليات البطولية في فلسطين لا يفعلون ذلك من اجل عرفات أو حركة فتح أو الجبهة الشعبية وإنما من اجل وطنهم وكرامتهم.. وهكذا هي المقاومة العراقية، ليست ولن تكون من اجل صدام حسين أو حزب البعث أو غيره من الأحزاب لأن العراق فوق كل هؤلاء والمقاومة واجب كل عراقي وعربي لدحر المغتصب الذي دمر وطنا بأكمله.

إن وحدة الصف في وجه الاحتلال ضرورة وواجب لأن الولايات المتحدة التي هدرت اكثر من 200 مليار دولار أميركي في حرب الغزو هذه وشوهت سمعتها بتجاهلها للشرعية الدولية وخسرت المئات من شبانها، لم تحتل العراق لتحريره ولإعادة بنائه بل لتستولي عليه وعلى المنطقة العربية لأجيال وربما لقرون إذا استطاعت أن تنفذ هذا الحلم.

هنا يكمن دور الشعب العراقي الذي يعي الخطر الداهم فيما الأشقاء العرب يرتجفون رعبا من أن تصل الأمواس إلى ذقونهم.