هل
اعتمدنا اقتصاد المعرفة؟
د.
لويس حبيقة *
المجتمع
المبني على المعرفة هو الذي يجعل اعتمادها،
بل المساهمة فيها جزءاً أساسياً من أولوياته.
اقتصاد المعرفة هو الذي يبنى على إنتاجها
واستهلاكها، إذ تشكل المعرفة جزءا رئيسيا من
ثروته ورفاهيته الاجتماعية. ومفهوم المعرفة
ليس بالجديد حتماً وإنما حجم تأثيره في
الحياة العامة والاقتصادية أصبح أكبر بكثير.
فالتقدم الحاصل في التكنولوجيا والتغيير
السريع الذي تحدثه في الاقتصاد يؤثران ليس
فقط في درجة وسرعة النمو وإنما في نوعية حياة
الإنسان.
وتؤثر
ثورة التكنولوجيا وعلى الأخص ثورة الاتصالات
والإنترنت في تربية وتعليم وتدريب الإنسان
وتجعل عامل السرعة في التأقلم مع التغيير من
أهم العوامل الاقتصادية الإنتاجية. فالإنسان
الذي لا يتطور علمياً وتقنياً ولا يتابع
المستجدات التفصيلية اليومية لا يمكنه أن
يدخل ويسهم في الاقتصاد الجديد. وما نتعلمه في
المدارس والجامعات يمكن أن يكون جيداً اليوم
ويصبح قديماً بعد أشهر وربما أقل. وتحدي
المتابعة والمعرفة للطلاب والأساتذة
والمواطنين عموماً يعتبر من أهم تحديات هذا
العصر، وينتظر أن يكبر في المستقبل، والإنسان
العاقل في عصرنا هو الذي يستطيع إدارة وقته
بنجاح بين العلم والمعرفة، وبين الإنتاج
العملي بحيث يرضي العقل والجسد في الوقت نفسه.
اقتصاديون
كبار عملوا على تحديد دور رأس المال الإنساني
والمعرفة في المجتمع والاقتصاد، فأسسوا لفرع
كبير في العلوم الاقتصادية الحديثة، نذكر
منهم بيكير ومينسر وبولاك وهيكمان. ومن
الأدوار الرئيسية لدولة اليوم المساهمة في
جعل المعرفة من أهم ركائز المجتمع لمصلحة
لاقتصاد
والمواطن. الدولة المسؤولة هي التي تدفع
المواطنين إلى اعتماد التجديد والابتكار
والمعرفة كركائز أساسية في حياتهم. والدولة
المسؤولة تشجع المواطن على اعتناق ذهنية
التغيير والعلم والتربية وليس ذهنية الثوابت
المؤثرة سلباً في التطور والنمو. والدولة
الحديثة هي التي تدفع مدارسها الرسمية وتشجع
المدارس الخاصة على تغيير مناهج التعليم
والتدريس كلما دعت الحاجة. فليست هناك ثوابت
في العلوم والتربية والآداب وغيرها، بل كل
شيء يتطور باتجاهات مختلفة. والدولة الحديثة
هي التي تدعو مؤسساتها التعليمية إلى تغيير
أهدافها من مؤسسات تدريسية لمناهج معينة إلى
مؤسسات تعلم الطالب كيف يدرس ويفكر ويجدد، ما
يسمح له بفهم واستيعاب كل التطورات
والمستجدات. ومجتمع المعرفة يشجع أفراده على
اعتمادها في حياتهم اليومية عبر حوافز مناسبة
وبنية تحتية متخصصة وقيادات فكرية متكاملة،
وعبر أنظمة وقوانين حديثة ترعى التغيير
والإبداع والتجديد.
إن
المعرفة هي أهم عامل للانتقال من الفقر إلى
الغنى ومن الحالة النامية إلى الحديثة
والمتطورة. والمعروف عالمياً ان المعرفة تولد
المعرفة والجهل يسبب الجهل، فالخيار يكون إذاً
بين حلقة فاضلة أو أخرى مفرغة فأيهما نفضل؟
المعرفة لا تتوقف بل تشكل حالة مستمرة بحيث
يمضي الإنسان المعاصر معظم أوقات حياته في
تعلم ما يفيده ويعزز وضعه في المجتمع
والاقتصاد.
ومن
الميزات الأساسية لاقتصاد المعرفة بل لمجتمع
ناجح مبني عليها، نذكر ما يلي:
أولاً:
ترشيد الإنفاق العام بحيث يزداد القسم المخصص
للمعرفة. الجزء الأساسي من الإنفاق يجب أن
يذهب إلى الشباب بدءاً من المدارس إلى
الجامعات. فالمدارس تؤسس للأجيال المنتجة أي
لأجيال المعرفة أصحاب الذهنية المنفتحة
والمبدعة. فلا يمكن لأي مجتمع انتظار المرحلة
المتقدمة أو الجامعية أو العملية لبدء
التعليم والمعرفة. والجامعات تبنى على ما
تخرجه المدارس، وبالتالي تصبح إمكانات
التأثير قليلة جداً. أما إمكانية التأثير بعد
الجامعات أي خلال الحياة العملية، فهي أقل
بكثير. ومن أسوأ الإنفاق محاولة تحسين أداء
العاملين غير الأكفاء، إذ ان العائد الصافي
ضئيل جداً ويصب في خانة الهدر المؤذي.
ثانياً:
من واجب العائلات والشركات والمدارس وبقية
المؤسسات خلق رأس مال إنساني مفيد للمجتمع،
فالعائلة هي النواة الأهم التي ينشأ فيها
الإنسان ويتزود بمبادئها وقيمها. والمجتمع
الذي لا يفهم دور العائلة لا يستطيع أن ينمو
ويتطور. والعائلة تكون الشخص مادياً ومعنوياً
وعقلياً وتجعله منذ البداية مواطناً صالحاً
أو سيئاً. فالمجتمعات الغربية أهملت العائلة،
وتعود إليها اليوم بعد ما عانته من مشكلات
أخلاقية وصحية ذهب ضحيتها الشباب، قلب
المجتمع ومستقبله. ومن واجب الدولة خلق
المناخ المناسب للمعرفة عبر تخفيضات ضرائبية
ومساعدات مباشرة. فالتدريب خلال الحياة
العملية يمكن ان يعوض فقط عن بعض النواقص
الآتية من التعليم المدرسي أو التقني
والجامعي، ويجب ان تصب الجهود الأساسية على
القاعدة، أي على التعليم المدرسي بدءاً من
الابتدائي إلى الأعلى، والمجتمع الواعي
الراغب بتأسيس أجيال ذات إنتاجية عالية ينفق
بذكاء على تعليمه الأساسي.
ثالثاً:
مساهمة الشركات في تأسيس اقتصاد المعرفة بحيث
تمول جزءاً من التعليم والتدريب لموظفيها.
وعلى الرغم من أن هذا الإنفاق ربما يشجع بعض
العاملين على ترك الشركات التي تمول تعليمهم،
فإنه ذو فائدة دائمة على المجتمع الذي يعملون
فيه، حيث تظهر الوقائع ان الشركات الغربية
تنفق نسبياً أكثر بكثير من الشركات العربية
على تعليم وتدريب موظفيها لوعيها لتأثير هذا
الإنفاق على إنتاجية العامل أو الموظف.
رابعاً:
لا يمكن للأسواق المالية أن تزدهر في مجتمعات
لا ترتكز على المعرفة. فالدول الغربية تهتم
اليوم بتزويد طلاب المدارس بالتعليم المالي
المناسب، بحيث يعي لفوائد ومخاطر
الاستثمارات والأدوات المالية. ومن أسباب
سقوط الأسواق المالية في سنة 2000 جهل العديد من
المستثمرين لقواعد السوق، وبالتالي قيامهم
بمغامرات استثمارية غير مجدية. كما سقطت
الأسواق نظراً لوجود مستشارين ماليين غير
أخلاقيين غشوا الزبائن الذين استشاروهم.
فالقضاء الغربي وخصوصاً الأمريكي فرض
تعويضات كبيرة على مصارف الاستثمار التي غشت
المواطنين وسرقتهم بسبب الجشع وغياب الأخلاق،
ولم يكن ممكناً النجاح في الغش لو كانت
القاعدة الزبائنية أكثر إدراكاً لمعطيات
وقواعد السوق المالية. كما ان مستهلك اليوم
بحاجة لبعض التعليم المالي الأولي بحيث ينظم
إنفاقه ويتسوق بوعي ويقيم مخاطر
الديون والقروض الائتمانية ويتجنب الغش
بحقه. ومن هنا يشدد ألان غرينسبان حاكم البنك
المركزي الأمريكي على أهمية إدخال العلوم
المالية في كل مناهج التعليم والتدريب
والتربية وعلى كل المستويات حماية للمواطن
وتأميناً لاستقرار الأسواق في زمن العولمة.
خامساً:
في الاقتصاد الجديد والتغييرات الكبيرة التي
تحصل كل يوم في مختلف جوانبه، لا بد من ايجاد
وسيلة لتخفيف القلق الذي يعانيه المواطنون.
والوسيلة الأكثر تأثيراً ونفعاً هي المعرفة،
بحيث يدرك الإنسان وضعه ويحاول تخطي التحديات
والتقدم والنجاح. ولذا لا بد من إنشاء جسور
فكرية بين ركائز المعرفة، أي المدارس
والجامعات والشركات والمؤسسات الخاصة
والعامة المعنية، بحيث تتفاعل لخدمة المجتمع
والاقتصاد. فالمعرفة الكاملة المستمرة، هي
مشروع اجتماعي متكامل يبنى تدريجياً بمشاركة
الجميع.
من
الواضح أن المجتمعات العربية لم تدخل بعد إلى
اقتصاد المعرفة، كما تدل عليه العوامل
المذكورة أعلاه، والمشكلة الأساسية تكمن في
عدم انتشار المعرفة في كل طبقات المجتمع.
فالفارق ما زال واسعاً جداً بين ما تنعم به
الطبقات الميسورة والأخرى المعوزة. ومن
المؤكد أيضاً أن التكنولوجيا لم تدخل بقوة
بعد إلى كل أرجاء العالم العربي، كما ان ثقافة
التغيير والتأقلم مع تطورات المعرفة لم تصل
إلينا بعد.
العالم
العربي بحاجة إلى إعادة النظر في ركائز
المعرفة لديه إذ لا يمكن الوصول إلى اقتصاد
معرفة حقيقي إلا بالتعاون بين جميع جوانب
المجتمعات المعنية.
*
كاتب اقتصادي بيروت – لبنان (www.louishobeika.com)