الكذب
في سبيل المصالح العليا الأمريكية!
حمدان
حمدان/كاتب من فلسطين يقيم في سورية
يصب
الإعلام الأمريكي كامل قوته بخصوص العراق هذه
الأيام، على نقطتين محوريتين: الاقتراب من
إلقاء القبض على الرئيس العراقي أو قتله،
والنقطة الأخرى إظهار مجلس الحكم العراقي
وكأنه يعمل من تلقاء نفسه، بل وفي ظل أوضاع
طبيعية، علما بأن أول قرارين لهذا المجلس
يمكن له أن يفخر بهما، اعتبار تاريخ سقوط
بغداد (التاسع من نيسان) عيدا وطنيا في العراق،
ثم القرار الثاني، الداعي لإنشاء محاكم محددة
الأهداف سلفا، اجتثاث البعث وإدانة أركان
النظام السابق بأفعال جرمية، ومن الواضح دون
حاجة إلى تكليف، بأنها قرارات أمريكية بغطاء
دمى عراقية، بل لعله من الظلم الكامل، أن تسمى
هذه الدمى بأنها عراقية، أو حتى عربية أو
إسلامية.
أما بالنسبة لضجيج إلقاء القبض على الرئيس أو
قتله، فهو إعلام إيحائي بصورة نفسية بالدرجة
الأولى، فالذي يفتش عن ضالته وهو كحاطب ليل،
ليس بمقدرته الإعلان عن قرب وصوله لهدفه،
طالما انه يجهل أين هو وفي أية أمكنة يظهر أو
يختفي، حتى أن أعوان الرئيس أو مرافقيه
الشخصيين، يمكن أن يعرفوا أين هو الرئيس، لكن
قبل سنتين أو ثلاث في أقرب الأحوال، فإذا كان
الاقتراب من مكمن الرئيس هو فعل يجري، فما هي
الدلالات، وكيف يتم الإعلان عنه صباح مساء،
وهو في عناية السرية والكتمان؟!
لقد تشجع الأمريكيون في إعلانات الاقتراب من
الرئيس العراقي، وكأن الحرب العدوانية كلها،
قامت بسبب الرئيس، لا بهدف الاستيلاء على
العراق، والمنطقة من بعده، أو تدميرهما بعد
تركهما في حالة فوضى واحتراب، ونقول، لقد
تشجع الأمريكيون في إعلانهم الاقتراب من
الرئيس، بعد اغتيال أنجاله وحفيده، وكأن
استشهاد هؤلاء البطولي، كان ثمرة ذكاء
استخباراتي أمريكي خارق، وهو لا يعدو عادة
أمريكية تقليدية خرقاء، رصد مكافأة مالية
عالية، بعد عنوان مطلوب القبض عليه حيا أو
ميتا، ثم تذهب السلطة صاحبة الإعلان إلى
سبيلها، فتنتظر البشارة من الواشي بدءا من
أبي رغال فالعلقمي فالزيدان، تلك هي مهارة
الاستخبارات الأمريكية، التي توضع
ميزانياتها السنوية والاستثنائية بمليارات
الدولارات.
لم يقع الشهداء عدي وقصي ومصطفى ورفيقهم
الرابع في فخ القتل الإجرامي، إلا نتيجة
لوشاية خائن، ولعل الخطأ كان يكمن في عقل
الأمان الوراثي، إذ أن العربي يجير مضيفه،
طالما انه في حماه، والعربي لا يغتر
بالمكافأة أو أي إغواء آخر، في سبيل الغدر
بقتل الضيف أو تسليمه، فهي كبيرة من الكبائر
التي لا يعادلها، أي انحطاط أخلاقي آخر، حتى
في كافة المحرمات الدينية أو الاجتماعية
والإنسانية الأخرى، فالشمائل العربية سواء
كانت في جاهلية أو إسلام، ظلت تحض على إغاثة
المستجير، حتى ولو كان على عداوة قاتلة، مع
أولئك الذين استقر في حماهم وطلب الغوث في
موطنهم، فكيف إذا كان المجير من يؤمن جانبه،
لاخوة في الدين والعهد والجيرة؟!
هل يمكن للزمن أن يطوي خيانة الواشي بضيوفه
على طريقة ما جرى لعدي وقصي ومصطفى وشهيدهم
الرابع في مدينة الموصل؟! والجواب هو انه إذا
كان للماضي أن يعمل على محو الذاكرة، إلا أن
هذا النوع من الخيانات لا يمكن أن يمحى مهما
طال الزمن، فأبو رغال ـ الذي ساعد الأحباش على
غزو مكة قبل الإسلام ـ ظل مثال الخيانة
ورمزيتها، حتى بعد مرور ألف وستمئة سنة، كذلك
ظل العلقمي وزير بغداد وخائنها إلى جانب
المغول، رمزا للخيانة والدناءة رغم مضي مئات
القرون على فعلته التاريخية السوداء، وليس
ذلك فحسب، بل أن ماضي التاريخ العربي يذكر في
آثاره، إن عشيرة أبي رغال نفسها، كانت قد
ارتحلت مع مواشيها وكلابها بعد خروج الأحباش
من محيط مكة على شكل هزيمة سافرة، كذلك فأن
جاليات فارس التي كان العلقمي ينتمي إليها،
لم يكن بمقدورها إحياء ذكرى وزيرها المقتول
على يد المغول أنفسهم وليس سواهم، فالعار لا
يلحق بمرتكب كبيرة الخيانة، لصالح أعداء
الدين والأمة والوطن فحسب، بل أن العار يظل
يجري وراء حتى البعيد في صلة القربى والنسب،
فكيف بالأقربين المباشرين من أبنائه واخوته
وخؤولته وعمومته؟!
ذلك هو العار الذي سيظل يلطخ سيرة الواشي الذي
اقدم، لقاء ثمن بخس، على الوشاية بالفتى
الأغر مصطفى وأبيه وعمه وشهيدهم الرابع في
لحظة إغواء دنيئة تصعب على الوصف، إذ مهما
كانت درجة الضغينة المخبوءة، أو درجة الإغراء
التي استجرتها ملايين الدولارات الطائرة في
المخيلة الخسيسة، فإن درجة المنكر المرتكب
ستكون أبعد وصمة وأشد سوءا من كل الجني المعرض
للزوال، فالإنسان قيمته في دوره المؤدي في
حياته، وليس في ماله الذي يتم استحواذه عن
طريق الفساد والإفساد والخيانة، وقد روى
المتعقبون لحركات واشي الموصل، بأنهم في
نبوءاتهم، يتوقعون مقتل الواشي على يد
الأمريكيين أنفسهم، ليتم استرداد المبلغ
الذي لا يستحقه خائن، تماما مثلما فعل المغول،
إذ بدلا من تنصيب العلقمي سلطانا على العراق (وهو
شرطه للخيانة)، أذاب المغول سائل الرصاص
المغلي، في كل فتحة من فتحات وجهه، وذلك جزاء
الخونة المارقين، وبذلك يكون المغول أنفسهم،
ألد أعداء الحضارات الإنسانية، قد ميزوا بين
من يستحق العقاب على خيانته، ومن يستحق
الاحترام على بطولته.
وبالعودة إلى أساس الخطاب، فإن فرضية مقتل
الرئيس صدام (إذ لا نخاله بأنه سيسمح بإلقاء
القبض عليه)، هذه الفرضية، التي يلوكها إعلام
أمريكا صباح مساء، بقصد الإعلان عن انتهاء
الأشياء في العراق، هي فرضية تضج بالتفاهة،
فالعراق ليس صدام وحده، والعراق ليس المقاومة
البعثية، من باب المبدأ، لا من باب استرداد
النظام، والعراق ليس المقاومة الوطنية، من
باب أن الوطن يقف فوق جميع الاعتبارات
والخلافات والاجتهادات، والعراق ليس
المقاومة الإسلامية وحدها، من باب أن الجهاد
ضد الكفرة المحتلين فرض عين واجب على كل مسلم
ومسلمة.
إن العراق المقاوم بكليته، من بعث وقومي
ووطني وإسلامي، لا فرق إلا بقوة الشكيمة
ورباط الخيل، إنه العراق حاضرة الدولة
العربية ـ الإسلامية العظمى، انه نينوى وبابل
وأور وبغداد، والمسمارية والأبراج والسمو
لأقدم حضارات العالم على الإطلاق.
إن هذا التاريخ الكامن في ملحمة كلكامش وسر
الخلود ومرارة الفناء، هذا التاريخ القابع في
اقدم عدالة في البشرية ونموذجها قضاء حمورابي
وعزة نبوخذ نصر، يجهله الأمريكيون بامتياز،
ذلك أن الأمريكي عموما، لا يحب التاريخ، إلا
إذا تعلق بالقتل والانتقام، وهو من قبيل
ذهنية المأزق التي عاشها رواد أمريكا الأوائل،
فهو يقتل وعذره في جيبه، الدفاع عن النفس، وهو
ما ورثه الأمريكيون من اجتبائهم للتوراة لا
الإنجيل، وقد انتقلت كارثة (الدفاع عن النفس)
أيام حروب البيورتان الإبادية ضد الهنود
الحمر إلى عصر العولمة الأمريكية، فانقلبت من
دفاع عن النفس، إلى ذهنية الحروب الاستباقية
ضد الأغيار كما يسمونهم (الغوييم) والأشرار في
هذا العالم.
من هنا جاءت فلسفة عالمين منقسمين، بين أخيار
وأشرار، عالم الميديا الأمريكي المنقول عن (الت.راة)،
وهذا طبيعي بين شعب اصطفاه (يه.ه) لنفسه، فأصبح
شعبا محتارا يستحق الأزلية في الحياة، وبين
شعوب رفضها (يه.ه) فأصبحت في عداد المغضوب
عليهم، الأمر الذي يضع أساسا لفطرية الشر (عنصرية
خالصة) في الأقوام الأخرى.
ولو قدمنا هذا العرض لأي مسؤول أمريكي اليوم،
لأجاب من فوره: إنها هرطقة الإسلاميين
المتشددين، من موقع العداء للولايات المتحدة.
أما جوابنا هنا، فلن يكون من ذواتنا، بل سنسمح
للصحافي الأمريكي الشهير (دايفيد فروم)، وهو
كاتب خطب الرئيس بأن يتكلم ونحن نستمع. يقول
السيد (فروم)، في كتابه الأخير (الرجل المناسب)
ما يلي:
"قبيل الخطاب الذي كان على الرئيس جورج
دبليو بوش، أن يلقيه في كانون الأول 2002، عن (حالة
الاتحاد) وهو تقليد رئاسي، واظب رؤساء أمريكا
على اتباعه وجه إلى المسؤول عن إعلام الرئاسة
لا أتذكر اسمه الآن بأن أحاول أن أكتب فقرة من
الخطاب الرئاسي، تتعلق بصب المزيد من الهجوم
على نظام العراق، وأن اشحن هذه الفقرة،
بالقول السيئ عن سيرة صدام حسين، وبدأت
التفكير من أين ابدأ، هل من سيرة صدام مع
الأكراد وقصف حلبجة بأسلحة كيماوية؟ أم ابدأ
من مجازر صدام في جنوب العراق؟ هل ابدأ من
نظام صدام الديكتاتوري المملوء بالقسوة
والدماء؟ أم ابدأ من الحقوق الإنسانية
الضائعة في ظل نظام البعث في العراق؟
واستبدت بي الأفكار وتداخلت إلى درجة أنني لم
أجد سببا واحدا من جميع هذه الأسباب، يمكن أن
يكون صالحا لاستهلال فقرة العراق، ثم أعملت
التفكير ثانية، فهبطت على فكرة مجردة، غير
قابلة للمحسوس أو الملموس أو الإدانة، ففي
فكرة إدانة صدام بسبب الأكراد، يمكن أن يكون
الجواب، وماذا كان يفعل نائب الرئيس جورج بوش
الأب آنذاك؟ (ولاية
ريغان) ولماذا لم يعترض على ما يفعله النظام
العراقي في حينه، أما مجازر الجنوب، فمن
الممكن أن يكون الرد، بأن هذه الحروب، كانت
امتدادا للحرب العراقية ـ الايرانية، ففيلق
بدر الشيعي الذي تم إدخاله إلى البصرة من
ايران، كان سيؤدي إلى حرب من نوع المجازر التي
ابتدأها فيلق بدر نفسه، خاصة في أوقات حرب
العراق ضد الأمريكيين في عاصفة الصحراء (آذار
1991)، ثم انتقلت إلى فكرة الدكتاتورية فوجدت أن
العالم مليء بهذا النوع من الأنظمة وما على
أمريكا في سبيل التخلص من هذه الديكتاتوريات
إلا أن تحارب ثلثي العالم بأسره.
كل الأسباب التي جال فيها تفكيري، وجدتها
عرضة للعطب والانتقاد، لذلك فقد وجدت فكرة
الخير والشر (دول حليفة خيرة، ودول مارقة
شريرة تدعم الإرهاب)، هي أنسب الأفكار التي
تتعلق بالعراق في خطاب (حالة الاتحاد)، وكم
تملكني الفرح والشعور بالزهو، عندما ألفيت
الرئيس جورج دبليو بوش، يستعيد خطوط هذه
الأسطوانة أكثر من مرة في خطابه عن (حالة
الاتحاد)".
وعندما تحدث الصحافي فروم إلى زوجته عن سر
اغتباطه وبشاشة وجهه، طار الخبر بلسان زوجته،
فافتضح كاتب الفقرة (فروم وليس بوش) وهكذا طار
فروم من مكتبه الصحافي في البيت الأبيض.
ومثلما أنه كان الادعاء الكاذب في امتلاك
العراق لأسلحة الدمار الشامل، وصنوه في علاقة
العراق مع القاعدة، أو صنوه الآخر في رغبة
اتهامه بنشر الجمرة الخبيثة في مدن الولايات
المتحدة، فإن من يكذب في شيء فأنه يكذب في كل
شيء، طالما أن الكذب يساهم في تحقيق المصالح
العليا الأمريكية وما وراءها من لاهوت انتقام.
إنه الكذب في أن عدي وقصي هما أركان المقاومة
الوحيدين، إنه الكذب في أن صدام هو المقاومة
وحده، وأن العراق هو صدام، وأن صدام هو العراق،
فشخوص صدام لا تكفي لتغطية سبعة آلاف عام من
الحضارة والجدارة، ولأن استشهد نجلا صدام،
وحفيده، أو حتى صدام نفسه، فلن تختزل مقاومة
العراق بحياة أفراد أو انتقالهم للعالم الآخر،
لأنه ببساطة يموت الأفراد ولا يموت العراق.