أسمهان...أميرة
الجبل الشقراء...عروس النيل
أسمهان
اسم رافق ولا يزال أجيالاً متلاحقة من محبي
الطرب العربي الأصيل حتى باتت من
ركائز المغنين العرب الذين
طبعوا تلك الحقبة التي مروا فيها بطابع خاص
استمر سنوات
كثيرة حتى بعد غيابهم.
إن
معيار النجاح في الفن عموماً
والغناء خصوصاً لم يكن أبداً من خلال الشكل
الخارجي
أو الجاذبية، بقدر ما اعتمد
ولا يزال على قوة الشخصية والأداء
المتميز،إلاّ أنه بلا
شك يشكل عاملاً مساعداً
لازدياد الشهرة.
و(أسمهان)
التي تمتعت بجمال لافت،لم تعتمد عليه
لانطلاقتها
الفنية،بل على النعمة التي
خصها بها الخالق والمتمثلة بالصوت المميز منذ
صغرها
والذي قال عنه محمد عبد الوهاب:
"إن
أسمهان فتاة صغيرة لكن صوتها
صوت امرأة ناضجة".
أراد
أبوها الأمير فهد الأطرش أن
يسميها (بحرية) لأنها ولدت في البحر في 24 تشرين
الثاني
سنة1912 لكن والدتها علياء
المنذر أسمتها (أمل) لأنها ولدت مع أمل النجاة
إثر ليلة
كادت فيها الباخرة تغرق، أما
زوجها الأمير حسن الأطرش فأحب أن يسميها (آمال)
تفاؤلاً، لكن العرب عرفوها
بالاسم الذي أطلقه عليها أستاذها الموسيقي
العربي الكبير
داود حسني(أسمهان) على اسم
مغنية عربية من عصر سابق.
وبعد
أن استقرت العائلة في القاهرة
بدأت تنسج خيوط حياة جديدة لم تغب عنها ذكريات
العز،وطموحات المجد، فأوكلت
الأم إلى علمين من أعلام الموسيقى العربية
تعليم أبنائها
الفن: (داود حسني) و(فريد غصن)،
وأخذ بيت الأطرش في القاهرة يتحول في أوائل
الثلاثينيات إلى موقع من مواقع
تجمع الفنانين. وفي الحقبة (1933-1937).
تزوجت
من ابن عمها الأمير حسن الأطرش ووضعت الأميرة
(آمال) طفلتها
الوحيدة التي بقيت لها من
ذريتها: وهي السيدة كاميليا زوجة السيد رياض
جنبلاط وقد
ولدت على الأرجح يوم 14 تموز عام
1937.
ويمكن
تقسيم عمر أسمهان إلى مرحلتين: ما قبل زواجها
بحسن الأطرش وهي
في الواحدة والعشرين من العمر(سنة
1933)، وما بعد فراقها له (سنة 1937). لقد غنت قبل
زواجها لحنين لداود حسني
وألحاناً لمحمد القصبجي منها:(كنت الأماني)،
وكلمة (يا نور
العين)، (أين الليالي)، ولزكريا
أحمد:(عاهدني يا قلبي) ومن يسمع هذه الأغنيات
وبخاصة
لحن القصبجي لكلمات يوسف بدروس
صديق العائلة (كنت الأماني) يحس عدم نضوج هذا
الصوت
إذا ما قورن بصوت أسمهان الذي
يعرفه العامة.
وإذ
أسقطنا من الحساب المرحلة
الأولى التي كانت مرحلة تعليم واستعداد
وتأصيل ففي
الإمكان القول أن عمر أسمهان
الفني المنتج لم يتجاوز السبع سنوات، وهو في
الغناء
أحدث عاصفة أشبه بالعاصفة التي
أحدثها في الموسيقى سيد درويش.
فمن
ألحان الموسيقار العملاق محمد
القصبجي غنت أسمهان روائع خالدة سبقت عصرها
وهي:
(ليت
للبرّاق عيناً)، (اسقينيها
بأبي)، (يا طيور)، (هل تيّم البان)، (ايمتى
حتعرف)، (فرق ما بينا ليه
الزمان)، (أنا اللي استاهل).
كذلك
غنت لحناً من ألحان أستاذها
فريد غصن (يا نار فؤادي) ولحنين للموسيقار
مدحت
عاصم (دخلت مرة ف جنينة)، (يا
حبيبي تعالى الحقني)، وأربعة ألحان للموسيقار
الكبير رياض
السنباطي (الدنيا في إيدي)، (أيها
النائم)، (حديث عينين)، نشيد (أسرة محمد علي
باشا)، ومن
ألحان الشيخ زكريا أحمد (عذابي
في هواك)، (هديتك قلبي). وعلى الرغم من أن
أسمهان هي أكثر
مطربة تعلمت من أساليب
الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب تجديد فنون
الغناء
وأصوله، إلا أنها لم تغني من
ألحانه سوى أغنيتين في فيلم لم تظهر فيه (يوم
سعيد) سنة 1939 والأغنيتان هما (محلاها عيشة
الفلاح) نظم (بيرم التونسي) و(أوبريت قيس وليلى)
(شعر
أحمد شوقي).
ولا
شك أن أوثق الفنانين العرب
ارتباطاً بأسمهان كان شقيقها فريد الأطرش
الذي أعطاها
أكبر عدد من الألحان: (ياللي
هواك شاغل بالي)، (يا بدع الورد)، (إيدي ف إيدك)،
(الشمس غابت
أنوارها)، أوبريت (انتصار
الشباب)، (ياليالي البشر)، (كان لي أمل). وكل
هذه الأغاني ظهرت في
فيلم (انتصار الشباب) سنة 1941و(ليالي
الأنس)، (أنا أهوى)، موال (يا ديرتي) من فيلم (غرام
وانتقام) سنة (1944)، وأغان أخرى
من خارج السينما(نويت أداري آلامي)، (عليك
صلاة الله
وسلامه)، (رجعتلك يا حبيبي).
إن
صوت أسمهان من حيث التصنيف
العالمي هو صوت كبير بمساحته، وتعبيره
الإنساني، ودفئه
ودقته وأنوثته، وأداؤها
العصري المؤسس على أصول الغناء التقليدي
الأصيل قمة في
الأناقة والذوق.
تلك
أميرة الجبل التي كان لا بد من
مقارنتها بأسطورة أخرى سبقتها وعايشتها (أم
كلثوم) للدلالة على الأهمية
الكبرى التي اكتسبتها (أسمهان).
وفي
العاشرة من صباح الرابع عشر من
شهر تموز سنة 1944 سقطت سيارتها في إحدى ترع
النيل
وأضحى اسمها الجديد من بعد (عروس
النيل).