الجدار الفاصل.. عنصرية أم احتلال؟

د. ابراهيم علوش/عن (السبيل) الأردنية

ما يسمى بالجدار الفاصل الذي بنت دولة العدو الجزء الأساسي منه في القسم الغربي من الضفة الغربية ليس مجرد مناورة تكتيكية لابتزاز المزيد من التنازلات الرسمية العربية والفلسطينية أو لإحراج الذين ربطوا مصير مشروعهم السياسي بالإرادة الأمريكية-الصهيونية، بل هو استمرار منطقي للمشروع الصهيوني منذ أكثر من قرن.

فالجدار، حسب التقارير التي عالجته، ليس جداراً واحداً بل جدارين، أحدهما في الجزء الغربي من الضفة الغربية وثانيهما في جزئها الشرقي، سيحيطان بالضفة الغربية المفككة إلى كانتونات من كل حدبٍ وصوب.

أما الجدار الغربي، فسيتعرج بعيداً عن خط الهدنة لعام 1967 داخل الضفة الغربية بحيث يبتلع 1328 كلم2، أي ما يعادل 23.4 بالمائة من مساحتها.

أما الجدار الشرقي فسيبنى ليفصل غور الأردن عن الضفة الغربية بحيث يبتلع 1237 كلم2، أي ما يعادل 21.9 بالمائة من مساحتها.

والحصيلة هي مصادرة 45.3 بالمائة من الضفة الغربية بخبطة سياسية واحدة.

وتضم هذه الحصيلة بعض أخصب أراضي الضفة الزراعية وأغناها بالمياه، والأراضي التي تقع عليها التجمعات الصهيونية الاستيطانية الأساسية، خاصة ما يسمى بغلاف القدس، أي مجموعة المستعمرات المحيطة بالقدس الشرقية التي يقطنها أكثر من 180 ألف مستعمر. وهو الأمر الذي يعني إخراج القدس من اللعبة السياسية تماماً.

وسيضم ما يسمى بالجدار الواقي عند انتهائه أكثر من 343 ألف مستعمر من أصل حوالي 420 ألف مستعمر في الضفة ومنها محيط القدس.

وهكذا نرى أن مشروع الجدار الواقي، هو استمرار منهجي لبرنامج تهويد فلسطين الذي قام تاريخياً على ثلاث أدوات متلازمة هي:

1) الهجرة إلى فلسطين ومن ثم طرد العرب منها،

2) السيطرة على الأرض وتغيير هويتها،

3) الارتباط مع الدولة الاستعمارية الأقوى من بريطانيا إلى أمريكا.

فالحلقة المركزية في (الجدار الواقي) هي السيطرة على الأرض وتهويدها بعد تزريع المستعمرات فيها، وهي قصة نشأة الكيان الصهيوني، ومن ثم خلق ظروف حصار وتجويع مريعة للعرب الفلسطينيين الموجودين فيها لدفعهم للهجرة الداخلية، إن لم يكن الخارجية، خاصة بالنسبة للمناطق الزراعية في شمالي الضفة الغربية مثل جنين وقلقيلية وطولكرم التي يصادر الجدار أقساماً واسعة جداً منها.

إذن، ليست العنصرية الصهيونية المشكلة الأولى في ما يسمى الجدار الواقي، كما أنها ليست المشكلة الأولى في (دولة إسرائيل)، بل إن العنصرية، الموجودة فعلاً، هي النتيجة الفرعية لوجود الاحتلال وتهويد الأرض. فالمشكلة الأولى في (دولة إسرائيل) هي وجودها.

على سبيل المثال، ستؤدي عملية ضم هذه المساحات الجديدة من الضفة إلى وضع مئات آلاف الفلسطينيين الواقعين بين الجدار الجديد والأراضي المحتلة عام 1948 في ظروف رهيبة يمنعون فيها من الحركة ليلاً، ويمنعون فيها من الحركة نهاراً إلا بتصريح عسكري. وبما أن هذه الإجراءات ستطبق فقط على الفلسطينيين الذين لا يحملون (جنسية إسرائيلية)، فإنها تصنف بالضرورة كإجراءات عنصرية، بيد أن اعتبار ذلك جوهر المشكلة، وليس ضم الأراضي الذي أدى إليها، يعني فقط قبول الجدار سياسياً والاعتراف بحقه بالوجود، وهو ما يجب أن نتجنبه بأي ثمن. وذلك أن الانشغال عن الاحتلال بالعنصرية الناتجة عنه يؤدي إلى طرح حلول تافهة للقضية الفلسطينية مثل (الدولة الثنائية القومية التي يتساوى فيها العرب واليهود)، أو جدار جديد يمر بالضبط عبر الخط الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1967 والأراضي المحتلة عام 1948، تماماً كالجدار الذي يفصل قطاع غزة عن الأراضي المحتلة عام 1948!

فإذا نظرنا للجدار ضمن سياقه التاريخي كحلقة استراتيجية في مشروع تهويد فلسطين، وهو المشروع الذي تعاونت عليه مختلف فئات المجتمع الصهيوني لا فرق فيها بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، فإن الحل المنطقي يصبح واضحاً: مقاومة كل أشكال التهويد وأدواته، وعلى رأسها الاستيطان (...) في فلسطين من البحر إلى النهر.

ولا يلغي ذلك أن للجدار فوائد أخرى بالنسبة للعدو الصهيوني مثل فرض تصوره هو لما يسمى (الحل الدائم)، وفرض سيطرته الدائمة على كل منافذ حركة البضائع والأشخاص من وإلى الكيان الفلسطيني المسخ الذي سيسمونه (دولة مستقلة). ولكن هذه تبقى الفوائد الناتجة عن الخيار الاستراتيجي لتهويد فلسطين، ويبقى التهويد مشروع الحركة الصهيونية منذ نشأت.

أما وهم إيقاف العمل العسكري ضد العدو، فلن يديمه الجدار طويلاً.