ويبقى السؤال هل نكون أو لا نكون تلك هي المشكلة؟!..

فؤاد الحاج

في مرحلة التداعيات الفكرية والأخلاقية التي يمر بها العالم اليوم، في ظل الأمركة بعناوينها المختلفة (النظام العالمي الجديد – العولمة – الخصخصة – تحرير الاقتصاد)، وما إلى هنالك من عنوانين أخرى برزت تباعاً منذ بداية تسعينات القرن الماضي، إنما في حقيقتها تدل على هدف واحد ألا وهو تحقيق سيطرة أعداء الإنسانية على مقدرات الشعوب ونهب الثروات الطبيعية في دول ما يسمونه العالم الثالث ومنها الدول العربية، دون أي اعتبار للإنسان في هذه الدول وفي عدد من الدول الأفريقية التي يموت الآلاف منها يوميا بسبب الجفاف ونقص الغذاء والماء والأمراض والأوبئة، على الرغم من أن أفريقيا تعتبر من أهم القارات الغنية بالغذاء والماء والثروات الطبيعية عبر العصور، ويكفي فقط أن نتذكر أن السودان كانت وما زالت تعتبر (سلة الغذاء) ومن أهم مصادر القمح، ولو أن القمح الذي ينبت طبيعيا وتلقائيا في منطقة (جزيرة الذهب) الذي يعتبر من أجود أنواع القمح في العالم، يتم حصده وتوزيعه على البلاد العربية والأفريقية لكانت استغنت هذه الدول عن المعونات التي تقدمها أميركا لهم من هذه  المادة الأساسية للغذاء.. وكما أن الشمال الأفريقي يعوم على بحيرة من النفط، فأن أفريقيا تعوم على بحيرة من الماء الجوفية، الذي سيكون مصدر الحروب القادمة، وقد بدأت تذر بقرونها..

في ظل مرحلة التداعيات هذه نشهد تحولات أخرى أيضاً، ألا وهي التداعيات السياسية التي انعكست على الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في كافة دول العالم، التي أدت إلى تفاقم التداعيات الفكرية والأخلاقية، حيث تتهدد الحضارات الأساسية والقيم الإنسانية بالاندثار من أجل خلق أو فرض حضارة الأمركة- الأنغلوسكسونية على عالم أحادي القطب، من خلال التهديدات الأميركية بشن الحروب على مختلف الصعد السياسية، والاقتصادية، والعدوان العسكري، وتغيير أنظمة الدول الرافضة للالتحاق بالركب الأميركي، ضمن سياسة الإدارات الأميركية المتعاقبة التي أعلنها سيد البيت الأبيض الحالي جورج بوش الابن (مَنْ ليس معنا فهو ضدنا) بحجة مكافحة ما أسماه (الإرهاب)!!..

مما تقدم تتناثر الأسئلة من كل حدب وصوب بخوف من المستقبل المجهول المعالم، إلا من تصورات تكتب هنا وهناك لا تدل على الملامح النهائية لذلك العالم المجهول، وإن كان البعض اقترب في تحليلاته إلى مستوى لا بأس به من ملامح عالم الغد الذي تريد فرضه أميركا، وهو باختصار شديد، خلق ولايات أميركية وأنظمة تابعة لها في الدول الغنية بالثروات الطبيعية، مثل النفط، واليورانيوم، والفوسفات، والغاز الطبيعي والذهب، ومنع بروز أي قوة دولية أو إقليمية أخرى تنافس أحادية القطب الأميركي، بعد أن تم تقسيم العالم إلى أقاليم خمس، وفي كل إقليم يؤسس كيان أو نظام له السيطرة التامة على ذلك الإقليم برعاية أميركية كاملة -(اسرائيل) في إقليم ما يسمى بـ (الشرق الأوسط الجديد)- ووضع قواعد عسكرية أميركية ثابتة في عدد من مناطق ذلك الإقليم (دول الخليج العربي على سبيل المثال)، كما حدث في إقليم (جنوب شرق آسيا وأستراليا) في دول منطقة محيطي الباسفيكي والهندي، بعد أن تم التخلص من عدد من الأنظمة هناك، بحجة ما يسمونه (فقدان الديمقراطية)، وبعد أن تم خلق حالة من العداء والتنافر بين شعوب هذه الدول تحت مسميات مختلفة دينية وغيرها!!.. ومثلما فعلوا ويفعلون، من اجل استمرار القطيعة بين بعض الدول العربية وبين عدد كبير من أبناء الشعب العربي والقيادة الفلسطينية!.. وفي حال عدم تمكن أمريكا من وضع النظام الذي تريده، تعمل على تقسيم ذلك البلد، كما حدث في (تيمور) بمباركة من هيئة الأمم المتحدة!!. كذلك تعمل إدارة الشر الأميركية – الصهيونية على وضع قواعد أرضية متطورة وثابتة للتنصت، مثلما فعلوا في شمال العراق وفي بعض البلدان العربية المجاورة!.. وكما فعلوا في أستراليا حيث تم في الأعوام السابقة وضع تسعة قواعد أميركية عسكرية وأجهزة للتنصت على دول العالم، والتي لعبت دوراً هاما في حروب منطقة دول حوض البحر الأبيض المتوسط، ومنها اليونان، والحروب العربية مع الكيان الغاصب لفلسطين العربية، وفي عام 1991 في العدوان الأميركي-الأطلسي ضد العراق الذي لازال مستمراً (أميركيا - أنغلو سكسونيا) حتى اليوم.

لنصل إلى طرح التساؤلات التي تدور في أذهان الأغلبية من أبناء الأمة المقيمين والمهاجرين والمهجّرين في كافة أصقاع المعمورة، وهو إلى متى سيبقى العرب مكسر عصا والفرقة والتشرذم تتحكم فيهم؟.. وإلى متى ستبقى الوطنية والقومية والدين مصدر تنافر بين أبناء هذه الأمة، في الوقت الذي تتكالب فيه قوى الشر وأعداء الإنسانية على الوطن الأم وعلى البلاد التي يصنفونها بـ(العالم الثالث)، كما تتحد فيه هذه القوى الشريرة في دعم ومساندة الحقد والتفرقة بين الجاليات في المغتربات وفي الوطن الأم ضمن إغراءات مادية ومناصب وشهادات وهمية؟!!..

من هنا نتوجه إلى كل الأحرار والشرفاء من أبناء الأمة العربية وإلى كافة القوى الحية في الوطن الأم وفي بلاد المهاجر، إلى التلاقي وبسرعة، من أجل تفعيل دورهم وتحديد مصير أمتهم وأجيالهم، وذلك في مؤتمر واحد موسع من أجل تنسيق المواقف، ومواجهة ما يخططه أعداء الإنسانية بقيادة إدارة الشر الأميركية الذين يريدون تفتيت بعض الدول العربية وفرض أنظمة تابعة لهم كما يفعلون في العراق وصولا إلى السعودية ومصر وسوريا والجزائر واليمن وغيرهم من الدول بحجة (فقدان الديمقراطية)، و(تشكيل خطراً على دول الجوار) التي لا تعني في حقيقتها سوى الكيان الصهيوني، والحفاظ على هذا الكيان المصطنع في فلسطين المحتلة، والإبقاء على ترسانته من أسلحة الدمار الشامل النووية والذرية والمحرمة دولياً وغيرها الأميركية والبريطانية الصنع كي تهدد الدول العربية مجتمعة..

فكفانا تفرقا وشرذمة إن على صعيد القوى الحية والفاعلة في البلاد العربية والمنقسمة بين عدد من المؤتمرات القومية والشعبية والعربية والإسلامية لأننا في النهاية كلنا مستهدفين، ومطامع أعداء العروبة والإسلام في الثروات الطبيعية على امتداد الوطن العربي الكبير من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي واضحة ومعروفة، ولم يعد هناك تعدد ألوان منذ عام 1990 وحتى اليوم، بعد أن أسفر أعداء الأمة والإنسانية عن مخططاتهم وقباحتهم.. فهل نكون أو لا نكون تلك هي المشكلة؟ مرددين: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا..