الأمن
الغذائي العربي وضرورات التنمية
كان
هاجس الحصول على الغذاء أبرز المشكلات التي
واجهت الانسان عبر تاريخه، فمن أجل تأمين
غذائه امتهن حرفة الصيد والزراعة وعانى من
الارتحال وخاض الحروب وتعرض لمجاعات كان لها
أثر كبير في مصيره وحضارته ومازالت الأزمة
قائمة.
فقد
شهدت السنوات الأخيرة انعطافات كبيرة بدلت
الخارطة السياسية والمسارات الاقتصادية
العالمية المعروفة من قبل وبرزت ملامح عصر
جديد يقوم على التكتلات الاقتصادية لتحقيق
الكفاءة الإنتاجية العالمية حتى أصبحت القوة
الاقتصادية هي السلاح الأهم في تحقيق الأهداف
السياسية لأي بلد من بلدان العالم.
وقد
شكل تأمين الغذاء أبرز جوانب الوضع الاقتصادي
الجديد، وأبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية
العربية في ظل فشل السياسات الاقتصادية
والتنموية حيث أصبحت معظم الدول العربية
أسيرة مجموعة من البلدان المنتجة للغذاء
كالولايات المتحدة وغيرها، في حين أن معظم
البلدان العربية هي بلدان زراعية بالدرجة
الأولى، وقادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي بل
وحتى تصدير الغذاء إذا ما استغلت الإمكانات
المتوافرة ووضعت الخطط التنموية وتمت متابعة
تنفيذها.
وقد
فكرة (مشكلة الغذاء العالمي) واستغلتها
لتحقيق أهدافها والتحكم بمختلف القضايا
العالمية، فقد جاء في تقرير مقدم من
المخابرات الأميركية إلى وزير الخارجية
الأميركي (هنري كيسنجر) عشية انعقاد المؤتمر
العالمي للتغذية في روما عام 1984 ما يلي: "ان
نقص الحبوب في العالم من شأنه أن يمنح
الولايات المتحدة سلطة لم تكن تملكها من قبل
إنها سلطة تمكن الولايات المتحدة من ممارسة
سيطرة اقتصادية وسياسية تفوق تلك التي
مارستها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية"،
وهذا ما نفذته الولايات المتحدة وتستمر في
تنفيذه في الوطن العربي الذي أصبح رهينة بيد
الدول المنتجة للغذاء، مما انعكس سلباً على
أمنه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي
والثقافي. وهذا لا يعني أن المشكلة خارجية فقط
بل إن المتهم الأول هو الواقع العربي المجزأ
وسيادة القطرية بكل مفاهيمها وممارساتها
الضيقة والابتعاد عن التخطيط القومي الشامل
في المجالات كلها.
وقد
كان ثمة توازن مقبول في بداية الستينيات ما
بين إنتاج الدول العربية من الغذاء وما بين
الاستهلاك وكانت الدول العربية تصدر الفائض
من إنتاجها الزراعي.
لكن
ومع بداية السبعينيات بدأت مظاهر الأزمة تتضح
تدريجياً وأخذت الهوة تتسع حتى اصبح الوطن
العربي أحد اكبر مناطق العجز الغذائي العالمي
وأخذت الأزمة أبعاداً أخرى على مختلف الصعد
والمستويات.
ومن
الممكن اعتبار الفجوة الغذائية (الفارق بين
كمية الإنتاج الغذائي محلياً وبين الكمية
اللازمة لسد الاحتياجات) هي جوهر أزمة الأمن
الغذائي العربي والتي تقوم على عنصرين مهمين
هما:
1
- تزايد الطلب على الغذاء نتيجة الزيادة
السكانية الهائلة وانخفاض مستوى الدخل
وسيادة النمط الاستهلاكي الذي يعتمد على الكم
اكثر من النوعية.
2
- ضعف الإنتاجية نتيجة ضعف استغلال الأراضي
والمواد الزراعية والاعتماد على الزراعة
البعلية وتفتيت الملكية الزراعية وطبيعة
الاستثمار الزراعي الفردي.
وفي
ظل المتغيرات الدولية الراهنة قدم كل من
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصفات
واحدة اما سمى ببلدان العالم الثالث كلها
تمثلت في إعادة هيكلية السياسات النقدية
والمالية والسياسات السعرية والإئتمانية
ولكن وفقاً للقوانين الرأسمالية وبما يحقق
مصلحة هاتين المؤسستين الدوليتين والدول
المسيطرة عليهما مما كان له الأثر الكبير على
الدول النامية ومنها الوطن العربي، حيث
تراجعت مؤشرات التنمية الاجتماعية وقد تنبهت
منظمة (اليونسيف) لهذه المسألة، فطالبت
بصياغة برامج ذات طابع إنساني وأخذ الوضع
بعداً سياسياً تمثل في هيمنة المؤسسات
الدولية على سوق الإقراض الدولي، وأي مخالفة
لمصالحه ومصالح الدول المهيمنة ستؤدي إلى وقف
عمليات الإقراض.
ولكن
كيف واجهت الأمة العربية مسألة أمنها الغذائي؟
لقد
سيطرت النظرة القطرية والسياسات القطرية على
الاقتصاد العربي في مرحلة الستينيات وسعت
الدول العربية إلى وضع الخطط ورسم السياسات
التنموية والاستراتيجية لكل دولة على حدة
واختلفت بذلك السياسات التنموية باختلاف
الموارد الزراعية المتاحة، هذا في البلدان
الزراعية أما في البلدان غير الزراعية فقد تم
الاعتماد على النفط باعتباره مصدر تمويل
الخطط التنموية.
وقد
أظهرت هذه السياسات عدم التوازن بين الريف
والمدينة في تحمل أعباء ومسؤوليات تمويل
التنمية مما جعل الريف يتحمل الجزء الأكبر من
الأعباء، كذلك اتجهت السياسات التنموية
والاقتصادية العربية نحو القطاع الصناعي على
أمل أن الصناعة ستحقق التنمية المنشودة،
إضافة لذلك فإن هذه الخطط لم تنفذ بمجملها
بسبب عوامل عدة كالركود الاقتصادي والحصار
الذي تتعرض له الدول العربية وإثر تطبيقات
السياسة الأمريكية العدوانية ضد الأمة
العربية.. إضافة إلى عدم مساهمة الصناديق
العربية بدعم القطاع الزراعي وانحيازها
للقطاعات الأخرى.
وفي
مرحلة السبعينيات حاولت الدول العربية إعطاء
الجانب الزراعي الأهمية الأكبر في الخطط
التنموية، فكان شعار (الاكتفاء الذاتي في
الغذاء) الذي بقي شعاراً بالفعل لأنه لم يتحقق
نظراًَ لاستمرار النظرة القطرية للسياسات
التنموية العربية واتجاه الأقطار العربية
نحو سياسة المحصول الواحد، وبذلك فإن أي خطر
يجعل النتائج مدمرة، وكان ضعف التنسيق
الاقتصادي العربي عاملاً مهماًَ في تضارب
السياسات الزراعية العربية مما أدى إلى هدر
الطاقات والقدرات العربية بحرمانها من ميزة
التخصص والنسبية، فبعض الدول العربية
ولأسباب طبيعية لا تستطيع إنتاج بعض المحاصيل
الزراعية، ولكنها مع ذلك تقوم بإنتاجه
وبتكاليف عالية جداً وتتسبب باستنزاف
الثروات الطبيعية العربية كالمياه والخصوبة..
وبالتالي سيكون الإنتاج الزراعي مكلفاً وغير
قادر على المنافسة العالمية في ظل نقص القطع
الأجنبي لدى الدول العربية والإجراءات
الجمركية المعقدة ومشكلات التسويق التي
أضعفت إلى حد كبير التبادل التجاري بين
البلدان العربية.
إذاً
الحل الآن في التكامل الاقتصادي العربي
لتحقيق الهدف المنشود (الأمن الغذائي العربي).
وذلك بإعطاء الأولوية للعديد من الإجراءات
المتمثلة في تحقيق التنمية العربية بالقدرات
الذاتية وتحقيق التكامل ما بين الخطط القطرية
والقومية واعتماد مبدأ التخطيط القومي
العربي وتشجيع وإقامة وتطوير التكتلات
الاقتصادية كالسوق العربية المشتركة،
وبالتالي قيام المشروعات التنموية المشتركة
وتنفيذ القرارات الصادرة عن الهيئات العربية
في هذا المجال، إضافة إلى إقامة المؤسسات
البحثية المتخصصة وتعميم نتائج البحوث
والتجارب على الأقطار العربية للاستفادة
منها، وهذا لن يكون إلا بإرادة عربية مدركة
لحجم التحديات المفروضة على الأمة العربية.