معلومات
نعيد نشرها من عدد (المحرر) تموز/يوليو 1994
أثارت ضجة عالمية آنذاك إلا عند عرب الأنظمة
العربية ومستشاريهم
الذين كما يبدو لا يوجد لديهم وقت لقراءة ماذا
يجري في العالم لأنهم مشغولون بتثبيت ولاءهم
والحفاظ على كراسيهم.. وإذا قرأوا فلا يفهمون
ما يقرأون..
كتاب
للجنرال (بافيل سودوبلاتوف) الرئيس السابق
لعمليات الاستكشاف والتخريب في الـ(كاي. جي.
بي.) الذي صدر مؤخرا في الولايات المتحدة تحت
عنوان "مهمات خاصة، ذكريات أستاذ التجسس
السوفياتي" الذي أثار ضجة كبيرة لما يحتويه
من معلومات حول العديد من القضايا التي من
شأنها ان تقلب رأسا على عقب تصورات المؤرخين
عن ماضي النظام السوفياتي الممتد نحو 75 سنة
تقريبا. حيث يكشف (سودوبلاتوف) الكثير من
التفاصيل المثيرة للعمليات السرية، بما فيها
الاغتيالات السياسية، التي كانت تضعها
بعناية فائقة مديرية الـ(كاي. جي. بي.) للمهمات
الخاصة، التي كان مؤلف الكتاب رئيسا لها أيام
حكم جوزيف ستالين.
فقد
ذكرت صحيفة (سبوت لايت) التي تصدر في أميركا
وتباع في ولاية كوينزلاند الأسترالية ان هذا
الكتاب المثير يكشف العديد من العمليات التي
أوكلت للـ(كاي. جي. بي.) في أنحاء العالم ومنها
الوطن العربي الكبير، حيث يقول الجنرال (سودوبلاتوف)
عن دوره في "العمليات العربية" انه في
العام 1946 اتخذنا قرارا بإنشاء قاعدة تخريب
واستكشاف في أراضي تركية بالقرب
من أنقرة، وكان يقوم بهذه
المهمة عميلنا "ريبكين" الذي افتتح
مؤسسة لبيع وصياغة المجوهرات، حيث كنا قد
وضعنا خطة لاغتيال نوري السعيد بواسطة فرقة
من الأكراد بقيادة مصطفى البرزاني، ضمت 1500
شخصا وصلوا إلى الاتحاد السوفياتي عبر حدود
أذربيجان-إيران.. وهناك قمنا بإعدادهم
وتدريبهم وأعطيناهم السلاح اللازم، وهذه
القوة كانت كماً ونوعاً رهيبة بالنسبة إلى
ذلك الزمن. وكانت الغاية من تصفية نوري السعيد،
يضيف "سودوبلاتوف" كما تذكر صحيفة (سبوت
لايت) هو اصطياد عصفورين بحجر واحد، حيث سيترك
غياب رئيس الوزراء العراقي فراغا سياسيا في
فترة كان نفوذ البريطانيين في المنطقة
العربية قد بدأ يتراجع. وبذات الوقت لم يكن
للأميركيين مواقع ثابتة هناك، وهذا ما يضعف
من احتمال تدخل القوة الأميركية التي بالأساس
لم تكن كافية لمواجهة قوة الاتحاد السوفياتي،
ولكن ستالين ألغى مخطط عملية الاغتيال التي
كان من المقرر ان تتم عام 1948 لأن ستالين كان
يخشى ان يؤدي ذلك إلى نزاع اكبر وأشمل، لأن
ستالين كان يدرس بتمعن شديد كل التفاصيل التي
كنا نوصي بها وكثيرا ما كان يخرج غير راض عن
دراساتنا وتقاريرنا.
والكتاب
قد احدث ضجة في أميركا لسبب رئيسي وهو لأنه
يكشف وللمرة الأولى عن اشتراك علماء ذرة
أميركيين وغربيين في صنع القنبلة الذرية
السوفياتية، مثل (اوبنهامير) و(فيرمي) و(ستسيلارد)
و(بور) وغيرهم الذين كانوا يتعاونون مع
استخبارات الاتحاد السوفياتي. على حد تعبير
الصحيفة.
ويتطرق
الكتاب إلى ذكر اسم "نعوم أو ناووم آيتنغون"
الذي يعتبر من أنبغ العملاء السريين السوفيات،
ومعروف انه قاد ونفذ عملية "ليف تروتسكي"
وفي رأي "أهل المهنة التجسسية" في
الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، فإن هذه
العملية أعدت ونفذت على أعلى المستويات
الرفيعة جدا في الدهاء.. ولكن أشخاصا قليلين
يعرفون ان "آيتنغون" هو الذي وضع ونظّم
عملية لا تقل عن عملية "تروتسكي" دهاء
وحذقا من اجل الحصول على معلومات سرية جدا عن
القنبلة الذرية الأميركية. ومن أعماله تجنيد
"الرجل الأسطورة ريكارد زورغي" الذي كان
أول من ابلغ ستالين بموعد بدء هتلر الحرب ضد
الاتحاد السوفياتي.
وفور
انتهاء الحرب العالمية الثانية بعد إخفاق
هتلر في منطقة كورسك، حيث تقرر مصير تلك الحرب،
انتقل ضابط الاستخبارات العسكرية السوفياتية
"ايغور غوزينكو" إلى جانب الأميركيين،
حيث كان يعمل كاتب الشيفرة في سفارة الاتحاد
السوفياتي في اوتاوا، وقد أعطى الأميركيين
كثيرا من المعلومات القيمة أدت إلى كشف قسم من
شبكة التجسس السوفياتية العاملة في جمع
المعلومات عن إنتاج القنبلة الذرية.. وهكذا
عرف العالم آنذاك جزء من حقيقة "المخابرات
الذرية" السوفياتية والعلماء الذريين،
الذين انضموا إلى جانب موسكو، ومنهم
الفيزيائي الإيطالي "برونو بونيكورفو"
الذي أدى خدمة كبيرة للكرملين في صنع القنبلة
الذرية السوفياتية.
مخطط
إنشاء (اسرائيل) في القرم
يقول
سودوبلاتوف: "مع بداية الحرب العالمية
الثانية قرر ستالين ان يلعب الورقة اليهودية
في صراعه مع هتلر بتفعيل الرأي العام اليهودي
لهذه الأغراض.. وكان "لافرينتي بيريا"
رئيس الـ (كاي. جي. بي.) آنذاك التقى في عامي 1939
و1949 برجل المجتمع اليهودي المعروف في الاتحاد
السوفياتي، الممثل والمخرج المسرحي "ميخوئيلس".
ويبدو ان الحديث تطرق معه إلى إنشاء اللجنة
اليهودية لمكافحة الفاشية وإشراك شخصيات
يهودية بارزة في هذه اللجنة.
وفي
ذلك الوقت بدأ جس النبض الحذر جدا في ما يتعلق
بإمكان إنشاء دولة يهودية في فلسطين أو
أوغندا أو في أراضي الاتحاد السوفياتي، وكان
المقصود محافظة "غوميل" في "بيلوروسيا"،
التي كانت تضم نسبة عالية من اليهود بين
السكان، أو القرم. وبدا وكأن (قائد الشعوب
ستالين) بدأ يساوم الصهاينة وطلب ثمنا لذلك،
حيث طالب بمساعدة مالية من الأوساط الصناعية
والمالية (القومية) ممثلي رأس المال اليهودي
في العالم كله.. وتلقى ممثلوا الاتحاد
السوفياتي الرسميون في الغرب تعليمات
بالاشتراك بنشاط جس النبض هذا.
وفي
سنة 1943 قام عدد من قادة اللجنة اليهودية
لمكافحة الفاشية برئاسة "ميخوئيليس"
بجولة استغرقت 6 اشهر في الولايات المتحدة
الأميركية حيث التقوا كبار رجال السياسة
والمال اليهود وطلبوا منهم مساعدة ستالين
ماليا.. وربما كنتيجة لذلك النشاط وضعت على
مائدة "مولوتوف" في 9 كانون الثاني/يناير
1944 ورقة تقترح النظر في مسألة إنشاء دولة
سوفياتية اشتراكية يهودية في القرم، ولم
يتطرق الحديث آنذاك إلى قيام اسرائيل في
فلسطين".
ويضيف
"سودوبلاتوف" هل هناك صلة مباشرة بين هذه
الخطة المقدمة لـ"مولوتوف" والحملة التي
بدأت بعد ذلك بأسبوعين لطرد تتار القرم
بالقوة من ديارهم ونفيهم إلى سيبيريا؟
على
هذا السؤال لا يجيب سودوبلاتوف ولكنه يقول:
"ربما كانت هناك صلة واردة ولا يمكن نفيها
تماما، اما مسألة إنشاء الدولة اليهودية في
القرم فقد طرحت على أعلى مستوى".
ويضيف
سودوبلاتوف: "قيض لي مرارا ان التقي مع
السفير الأميركي (آفيريل غاريمان) وفي أحد
المرات اقترح عن طريقي على ستالين تقديم
مساعدة مالية لتعمير محافظة "غوميل" فقط..
ورميت خلال الحديث صنارات في ما يتعلق بالقرم..
لكن ستالين عندما أخبرناه بكل شيء عدل عن هذه
المساعدة، ربما لأنه رأى الشروط المقدمة
مهينة جدا.
لكن
ومع ذلك، جس النبض استمر حتى مؤتمر يالطا،
الذي عقد في بداية عام 1945 وكان ستالين في ذلك
الحين اصبح يميل إلى إنشاء دولة (اسرئيل) في
ارض فلسطين".
لماذا
اختار الكرملين فلسطين؟
يقول
سودوبلاتوف: "ان السوفيات اختاروا فلسطين
مكانا لإنشاء دولة يهودية لأسباب عدة، من
بينها إزعاج البريطانيين الذين بذلوا جهدا
كبيرا لإخراج موسكو من اللجنة الخاصة بفلسطين
في الأمم المتحدة، وفضلا عن ذلك لم يكن
باستطاعة ستالين ان يغفر للندن خروجنا
الاضطراري من إيران، التي دخلتها القوات
السوفياتية سنة 1941 وينبغي القول ان ستالين لم
يشأ ان يغفر للبريطانيين أيضا كونهم مهدوا مع
الأميركيين لإنشاء حلف بغداد الموجه ضد
الاتحاد السوفياتي. لذلك كلفت الاستخبارات
السوفياتية بمهمات جديدة من اجل التصدي للغرب
في الشرق الأدنى والأوسط، ومن هذه المهمات
اغتيال نوري السعيد".
ويقول
سودوبلاتوف: "ان مخابراتنا أبدت منذ
العشرينات اهتماما كبيرا ببلدان الشرق
الأدنى والأوسط، وكنا نبدي اهتماما غير قليل
أيضا بأحداث فلسطين قبل قيام (اسرائيل) بزمن
طويل. واستطعنا في نهاية الثلاثينات تمهيد
طريق صغير إلى منظمة (شتيرن) الإرهابية
اليهودية ودس بعض عملائنا فيها، وبعد الحرب
العالمية الثانية، عندما بدأت الولايات
المتحدة وحلفاؤها الغربيون بإنشاء قواعدهم
الحربية على حدودنا، اضطربت موسكو كثيرا،
وتقرر إرسال مجموعة من رجال مخابراتنا
المخربين إلى فلسطين قبل عام 1948 الذين
واجهتهم صعوبة أساسية وهي ان أحدا من عملائنا
لا يعرف اللغة العبرية.. عندئذ قررنا إرسال
هذه المجموعة إلى رومانيا للتغلغل هناك بين
عائلات اليهود المتطرفين كي يتعلموا اللغة
العادات والتقاليد، وسارت الأمور على ما يرام
لولا موجة العداء للسامية التي اجتاحت
الاتحاد السوفياتي في آخر لحظة عندما كان يجب
إرسال هذه المجموعة إلى فلسطين.. واصدر
الجنرال "يبيشيف" الذي كان مسؤولا آنذاك
عن أجهزة أمن الدولة، أمرا بسحب كل اليهود من
العمل في الأجهزة وتسريحهم من الاستخبارات،
مما شكّل ضربة شديدة لنا، فالاستخبارات أصبحت
في حقيقة الأمر مشلولة لأشهر عديدة، وبدأت
إلى ذلك الاعتقالات في جهاز الاستخبارات
المركزي نفسه".. وكان من بين المعتقلين "ناووم
آيتنغون" الذي كان نائبا لسودوبلاتوف.
"المحرر":
ربما يبالغ الجنرال سودوبلاتوف بعض الشيء في
مذكراته في ما يتعلق بقوة الاستخبارات
السوفياتية، رغم نجاحاتها واخفاقاتها ولكن
الملفت للنظر هو ان هذه الأجهزة استمرت بعد
انهيار الاتحاد السوفياتي وعاشت وزارة الأمن
الروسية حتى كانون الأول/ديسمبر 1993 عندما
أطلق يلتسين رصاصة الرحمة على كل تلك الأجهزة
من خلال مرسوم جاء فيه "ان النظام القائم
للأمن في روسيا الفيدرالية فات زمانه، فهو
غير فعّال وثقيل العبء وعامل يعيق الإصلاحات
السياسية والاقتصادية"، وذلك بعد القضاء
على حكم الحزب الشيوعي الذي هو الآخر انهار مع
كل لجانه المركزية والمنطقية وحساباته
السرية في آب/أغسطس 1991.