في الممنوع

توجان فيصل/نائبة سابقة وكاتبة من الأردن

في سياق ردّه على تساؤل مقدّم برنامج في الممنوع، على قناة (دريم 2) حول التصريحات التي أدلي بها أبو مازن في قمّة العقبة، والتي أثارت استياء عربيّاً وفلسطينيّاً وصل حد نزول الفلسطينيين، من مختلف الفصائل ومن غير الفصائل، إلى شوارع فلسطين في مظاهرات غاضبة، اعترف السيّد نبيل عمرو، وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة الفلسطينيّة (بما كنّا نعرفه بالعقل وإن لم نكن نملك بيّنة قضائيّة عليه من قبل) بأنّ هذه كانت اشتراطات أميركيّة على الجانب الفلسطيني والأردني. ولأن نصّ تصريح أبو مازن آنذاك كان خطيراً جدّاً، فإنّ السيّد عمرو لم يجد بدّاً من الكشف عن أنّ أميركا أملت نصوص التصريحات التي أُطلقت في العقبة، وقال أنّ تلك كانت فاتورة دفعها الجانب العربي لإطلاق المبادرة المسمّاة خارطة الطريق. ومع أنّ السيّد عمرو حاول أن يوحي بأنّ (إسرائيل) أيضاً أُلزمت بنص ودفعت فاتورة، إلاّ أنّ النص (الإسرائيلي)، لو قبلناه على أنّه أميركي المصدر، يشكّل سبباً وجيهاً لرفض العرب للخارطة، على افتراض عدم وجود أسباب أخرى سابقة عليه. فنص خطاب شارون حسم الموقف الأميركي – (الإسرائيلي) تجاه قضايا يُفترض - حسب نصوص كافة الاتفاقيّات وجداول الأعمال السابقة - أن تكون موضع تفاوض، ولو لاحق ومؤجّل، كالقدس التي أعلنها شارون، في العقبة، عاصمة موحّدة لـ(إسرائيل).. كما أرسى خطابه حقوقاّ جديدة لـ(إسرائيل) لم تكن مطروحة من قبل على طاولات التفاوض، أخطرها أنّ (إسرائيل وطن لليهود).. أي انّ النص الذي يقول لنا السيّد عمرو إنّ أميركا ألزمت به (إسرائيل)، لا يقل عن إعلان مصادرة القدس كاملة وتهويدها، وإلغاء حق العودة لكافة اللاجئين ولقسم كبير من النازحين، إضافة إلى إقرار الترانسفير أو قبول إقامة العرب في فلسطين عام 48 كأجانب، بكل ما يستتبعه هذا من حقوق منقوصة، وحتّى من حق (إسرائيل) في ترحيلهم لاحقاً وعند أوّل فرصة، باعتبار أنّهم أجانب وليسوا مواطنين أصليين!!!

ولأنّ السيّد عمرو يدرك أنّ النص (الإسرائيلي) الذي خرج به علينا شارون في العقبة يختلف عن النصّين العربيين إلى درجة يصعب معها تصديق زعمه أن (إسرائيل) أيضاً أُجبرت على دفع فاتورة، فإنّه يُتبِعُ زعمه هذا بقوله: "حسب ما تستطيع إسرائيل وحسب ظروفها الداخليّة"!!! وقوله هذا لم ينفع حتماً في إلباس إملاءات (إسرائيل) الجديدة لبوس التضحية والتنازل لتبرير التنازلات العربيّة في العقبة، ولكنّه - في عذر أقبح من الذنب- زاد بأن أعطى (إسرائيل) شرعيّة التمسّك بمطالبها غير الشرعيّة.. وهكذا يصوّر لنا السيّد عمرو، الناطق باسم الحكومة الفلسطينية، شارون على انّه الزعيم الديمقراطي لدولة ديمقراطيّة، وأنه لهذا لا يستطيع مخالفة شارعه، بل إنه يصوّر مطالب المستوطنين والمتطرّفين من (...) المحتلّين على أنها حالة أمر واقع لا بد أن تقبل به، ليس القيادة (الإسرائيليّة) فحسب، بل أيضاً الفلسطينيين والعرب، وحتماً الأميركان الذين أدّعى السيّد عمرو أنهم أملوا نص خطاب شارون أيضاً !! السؤال الأوّل هنا هو: كيف يصوّر هذا الكلام، الوارد على لسان الناطق باسم الحكومة الفلسطينيّة، تلك الحكومة وبالذات رئيسها أبو مازن؟؟ أليس هو أيضاً زعيم ذو شرعيّة ديمقراطيّة، كما يقول السيد عمرو في محاولة لإنكار انّه قد تمّ فرضه أميركيّاً و(إسرائيليّاً) كما فرض أوّل نصّ خرج به على الملأ بعد تنصيبه، وألا يستتبع هذا أن يلتزم هو أيضا بإملاءات كامل شعبه، وليس الأغلبيّة فقط، والتي هي إملاءات القوانين الدوليّة وشرائع حقوق الإنسان والشعوب، بل ونصوص كافة قرارات الشرعيّة الدوليّة التي كلّفتنا كل ما لدينا كعرب ولم يبق لنا إلاّ هذه: حق انسحاب المحتل إلى حدود 67 على الأقل وحق العودة (أي العودة إلى داخل فلسطين 48 وليس فقط إلى الضفّة وغزّة) وحق تقرير المصير، الذي هو حق الدولة المستقلّة ذات السيادة؟؟!! والأسئلة التالية.. تتعلّق بمحاولة السيّد عمرو التخفيف من أثر تصريحات أبو مازن بالإيحاء بأنّها مجرّد صيغ كلاميّة، ما لبث أبو مازن ان قال غيرها في تصريح منفرد أكّد فيه ان لا تنازل عن حق العودة والقدس.. الخ. وبأنّ تصريحات العقبة، أو الفاتورة التي قبضتها أميركا، غير ملزمة للفلسطينيين ما لم تلتزم (إسرائيل) من جانبها أيضاً، وكأنّه يقول: انسوا ما قاله أبو مازن في العقبة، فهو مجرّد كلام ولن يستتبعه فعل!!

سؤال: أليست جميع الاتفاقيّات كلام يُقال أو يُكتب فيوثق ويصبح ملزماً؟؟ بل على العكس، في حالة النصوص المكتوبة، كما في الاتفاقيّات السابقة مع (إسرائيل)، يمكن القول - كما جرى مراراً - بأنّ النص صيغ بطريقة تمهّد لسوء التأويل، بينما النص الذي ينطقه أي من الطرفين، بالصوت والصورة، يعتبر نصّه الذي صاغه بنفسه، ولا يجدي ادّعاءه الإملاء والإجبار الأميركي فيما بعد، فالقبول بالإملاء هو قبول ملزم تفاوضيّاً، والعودة عنه هو عودة عن الاتفاق ذاته.. فهل هذا ما يريد السيّد عمرو قوله لنا؟؟ أم أنّ اتباعه هذا بقوله إن التصريح الفلسطيني غير ملزم ما لم تلتزم (إسرائيل) بما صرّحت به (وذلك في إطار ذات المحاولة لإقناعنا بالتغاضي عن مضمون تصريح أبو مازن باعتباره لن يستتبع أيّة تطبيقات)، معناه أنّ كل ما جرى في العقبة هو مجرّد عرض مسرحي لإرضاء أميركا؟؟ وفي هذه الحالة.. ألا تصبح التنازلات التي قدّمها أبو مازن أكثر خطورة لأنّها مجّانيّة تماماً؟؟

وعلى فرض أنّ (إسرائيل) أوفت بالتزاماتها في العقبة ولم تتملّص - ممّا يسقط مقولة إنّ الأمر كلام في كلام، كما حاول السيّد عمرو ان يوحي- هل الحكومة الفلسطينية قابلة بهذه الالتزامات، أي بكون (إسرائيل دولة لليهود) فقط، وبأنّ القدس الموحّدة عاصمة أبديّة لـ(إسرائيل)؟؟ ولماذا لا تلتزم (إسرائيل) بهذا، بل و تزغرد في عبّها وعلى الملأ، ما دامت تزيد على تحقيقها لحلم الصهيونيّة، إجبار الفلسطينيين على الالتزام، بالمقابل، التفريط بحقوقهم التاريخيّة؟؟ أليس السكوت عن اشتراطات الخصم لحظة إعلان الاتفاق قبول بتلك الاشتراطات؟؟ وألم يزد أبو مازن على هذا كلّه لدى إعلان تعاطفه مع (معاناة اليهود المستمرّة منذ عهد النازيّة وحتى اليوم)، بإعلانه للنضال الفلسطيني المشروع ضد المحتل اضطهاداً لذلك المحتل يتساوى مع الممارسات النازيّة؟؟ كيف ستتم العودة عن كل هذا الذي قدّمه أبو مازن مجّاناً لـ(إسرائيل)؟؟

السؤال التالي والأخطر هو: هل هنالك نيّة أساساً للعودة عن أي من هذا؟ ألم يعترف السيّد عمرو أن (إسرائيل) وأميركا طالبتا الحكومة الفلسطينيّة بتصفية حماس (وحماس جزء من المقاومة الفلسطينيّة وليست وحدها في هذا الاستهداف)، وبماذا ردّ أبو مازن؟؟ حسب قول وزير الإعلام، الناطق الرسمي باسم الحكومة الفلسطينيّة، الرد هو: نحن لنا طريقتنا في عمل ما هو مطلوب منّا. إذاً الخلاف ليس على تصفية المقاومة، بل على الطريقة، ولدى السلطة وسائل أنجع لتنفيذ هذا، وما على الأميركان و(الإسرائيليين) سوى أن يعطوهم الفرصة!! فهل المطلوب ان يعطيهم الشعب الفلسطيني أيضاً تلك الفرصة؟ أو على الأقل، هل نتوقّع أن تعطيهم المقاومة الفلسطينيّة ذلك؟؟

وأخيراً، وبما أن التبادليّة في تنفيذ الالتزامات الآن، في المرحلة الأولى ممّا يسمّى بخارطة الطريق ستجري بسهولة لأنّ (إسرائيل) هي المستفيدة كليّاً، فإن السيّد عمرو حاول أن يقدّم للشعب الفلسطيني وللعرب، ذات الشيكات المؤجّلة التي قدّمتها أميركا، ولكن ليس (إسرائيل).. هو يقول لنا- في محاولة لصرف نظرنا عن المرحلة الأولى التي كلّها علينا وليس فيها شيء لنا فعليّاً- إن المرحلتين الثانية والثالثة كلّها التزامات على (إسرائيل)!! ومع عدم تسليمنا بتوصيفه هذا لتينك المرحلتين (ولهذا حديث مفصّل ليس هنا مكانه ومتّسعه)، السؤال البديهي هنا هو: ما هي ضمانات التزام (إسرائيل) بتنفيذ تلك الالتزامات وهي التي لم ولا تلتزم حتّى بقرارات الشرعيّة الدوليّة، ولا أحد يحاول إلزامها، بل إن كل القوى المتنفّذة في مجلس الأمن تعينها وتكافؤها على ذلك؟؟ وإذا كان السيّد عمرو سيقول لنا إن أميركا، مهندسة الخارطة ستفعل، فإنّنا (دون الدخول في شرح حقيقة الخارطة، فقد فعلنا هذا مراراً وسنفعل المزيد لاحقاً)، نذكّره فقط بتصريح شارون السابق، وتصريحات سابقيه أيضاً، من أنّ (إسرائيل) لا يمكن ان تنصاع لأي طلب أميركي أو حتى للقرارات الدوليّة إن كان الأمر متعلّقاً بأمنها.. والكلّ يعرف مدى مطاّطيّة الأمن (الإسرائيلي)!! لماذا، على الأقل لا تكون التزامات المحتل المعتدي، والتي لا تتجاوز العودة عن بعض ما كسبه من اعتداءاته هي الالتزامات المسبّقة في المرحلة الأولى، أو لتكن التبادليّة فيها على الأقل بدل هذا التأجيل الذي نعرف نتائجه بالخبرة؟؟

لا لأن الحديث عن مصائب خارطة الطريق، كما تكشّفت من حديث الناطق الرسمي باسم الحكومة الفلسطينيّة قد انتهت، ولكن لضيق الحيّز.. أتوقّف هنا، تاركة أمر الفاتورة الأردنيّة للحكومة الأردنية لترد بالنفي أو التأكيد أو التفسير، لنرى ما يستتبعه ردّها من تحليل وتعليق، مع التأكيد على بديهية أن الصمت قبول باعتراف السيّد عمرو باعتباره اعترافاً يسري على الطرفين: الأردني والفلسطيني.. وأخيراُ، أتمنّى لو كنت فقط مكان محاور السيّد عمرو في الممنوع!!