من مشكاة الشعر: ظل الغمامة

تقديم: خالد علي مصطفى

يعد كثيّر بن عبد الرحمن من الشعراء العذريين في العصر الأموي، اقترن اسمه باسم حبيبته عزة، فعرف بها (كثيّر عزة) كمجنون ليلى وجميل بثينة، عاصر كثيّر من الخلفاء عبد الملك وابنيه الوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك، ومدح بعضهم مع انه كان يميل الى العلويين. وكان راوية لجميل بثينة، وكان معجباً به وبشعره ومع ان كثيرا أوقف شعره على (عزة) فأن هناك من اتهمه بالكذب في عاطفته. يقول ابن سلام وأبو عبيدة في معنى واحد: ان جميل كان صادقاً، على حين كان كثيّر مدعيا ولم يكن عاشقاً. ومع ذلك فان قصائده في عزة تدل على صدق في العاطفة مهما شابها من صنعة.

هذه القصيدة مما يستجاد من شعره، وهي كغيرها من الشعر العذري، تركز على التعبير عن العاطفة التي يورثها الحرمان في الروح والجسد، وإذا كان الحرمان هو الباعث على قول الشعر لدى العذريين، فما كان لنا ان نحظى بشعر له هذه السلاسة في القول، والرقة في العاطفة، والسمو في المعنى لولا هذا "الحرمان" وقصيدة كثيّر عزة هذه تجمع من هذا وذاك وذياك بما يجعلها نموذجاً لغناء الروح في تهيامها ويأسها.

وجدت هذه القصيدة قبولاً حسنا لدى المغنين: غنى أبياتاً منها (معبد) وابراهيم الموصلي وابنه اسحق، فضلا على ما غناه الآخرون من غير هذه القصيدة، من شعره.

وفي الختام أذكر ان أبا الفرج الأصبهاني عده من فحول الشعراء (الأغاني، 9 : 4)، ووضعه ابن سلام في الطبقة الثانية من شعراء الاسلام (طبقات فحول الشعراء، 2 : 524).

 

خليلي، هذا ربع عزة فاعقلا

قلوصيكما، ثم ابكيا حيث حلّتِ (1)

 

 

وما كنت أدري قبل عزة ما البكا

ولا موجعات القلب حتى تولتِ

 

 

فليت قلوصي عند عزة قيدت

بحبل ضعيف، بأن منها فـضـلتِ

 

 

وكانت لقطع الحبل بيني وبينها

كناذرة نذراً وفت فأحلتِ

 

 

فقلت لها: يا عز، كل مصيبة

إذا وطنت يوماً لها النفس ذلتِ

 

 

كأني أنادي صخرة حين أعرضتْ

من الصم لو تمشي بها العصمُ زلتِ (2)

 

 

صفوحاً، فما تلقاك إلا بخيلةً

فمن مل منها ذلك الوصل ملتِ (3)

 

 

أريد الثواء عندها، وأظنها

إذا ما أطلنا عندها المكث ملتِ

 

 

أصابَ الردى من كان يهوي لك الردى

وجن اللواتي قلن: عزة جنتِ

 

 

هنيئاً مريئاً، غير داءٍ مخامرٍ

لعزة من اعراضنا ما استملتِ (4)

 

 

فإن تكن العتبى فأهلاً ومرحبا

وحقت لها العتبى لدينا وقلتِ

 

 

وإن تكن الأخرى، فـأن وراءنا

مناويح لو سارت بها الرئم كلتِ (5)

 

 

فوالله ثم الله ما حل قبلها

ولا بعدها من خلة حيث حلتِ

 

 

وما مر من يوم علي كيومها

وإن كثرت أيام أخرى وجلتِ

 

 

فواعجبا للقلب كيف اعترافه

وللنفس لما وطنت كيف ذلتِ

 

 

وإني وتهيامي بعزة بعدما

تخليت مما بيننا وتخلتِ

 

 

تخليت مما بيننا وتخلتِ

تبوأ منها للمقيل اضمحلتِ

 

(1) القلوص: الناقة.

(2) العصم: الغزلان، مفردها اعصم

(3) صفوحاً: معرضة.

(4) مخامر: مخالط، يتغلغل في الجسد. وهذا البيت وما قبله (دعاء)

(5) مناويح: من (تناوح الرياح): ذهابها وإيابها.