الآثار
الاقتصادية لليورو أحد أسباب غزو العراق
كتب
المحلل السياسي الاقتصادي (للمحرر)
أوروبا
مجموعة أمم وشعوب وليست أمة واحدة أو شعبا
واحدا ولذلك اقتصر المفهوم العام لكلمة
أوروبا على العنصر الجغرافي من دون سواه.
إن
أصول فكرة التوحيد الأوروبي عميقة تاريخيا
إلا أن موضوع الوحدة بدأ يأخذ أبعاده الجدية
بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد تأليف
مجلس وزراء أوروبي عرف بمجلس أوروبا سنة 1949
وقعت عليه عشر دول هي: فرنسا، وبريطانيا،
وبلجيكا، ولوكسمبورغ، وايرلندا، والدانمارك،
والسويد، والنرويج، وإيطاليا. ثم إنشاء
المجمع الأوروبي للفحم والصلب سنة 1951، ثم
إنشاء سوق مشتركة سنة 1957 وتم إدماج مؤسسات
ثلاث هي: الجماعة الاقتصادية والحديد والصلب
والطاقة الذرية سنة 1965 وفي العام نفسه نجحت
دول السوق بتكوين سياسة زراعية مشتركة، وفي
عام 1973 انضمت إلى السوق بريطانيا والدانمارك
وايرلندا ثم انضمت اليونان عام 1981 وبعدها
إسبانيا والبرتغال عام 1986، ثم النمسا والسويد
وفنلندة عام 1995، وبذلك أصبحت الجماعة تضم 15
دولة أوروبية، وقد رافق ذلك سعي مستمر لإنشاء
نظام نقدي أوروبي إلى أن تحقق عام 1990 المرحلة
الأولى من الوحدة النقدية برفع القيود عن
حركة الرساميل وتعزيز التنسيق الاقتصادي بين
حكومات الدول الأعضاء والتعاون بين المصارف
المركزية، وفي عام 1991 أنشئت معاهدة الاتحاد
الأوروبي (ماستريخت) وألزمت الأعضاء بالتثبت
النهائي لأسعار الصرف وصولاً إلى اعتماد
العملة الموحدة بحلول عام 1999، وقد حددت
معاهدة (ماستريخت) جملة من المعايير يجب على
الدول تحقيقها قبل السماح بها بدخول الاتحاد
التقني وهي:
1
ـ معدل تضخم منخفض في كل دولة بحيث لا يتجاوز
متوسط أدنى ثلاثة معدلات تضخم سائدة في
أوروبا 1.5 في المئة.
2
ـ انضباط الموازنة لذلك يجب أن يكون عجز
الموازنات الحكومية أدنى من 3 في المئة من
إجمالي الناتج المحلي، وأن يكون الدين
الحكومي المتراكم أقل من 60 في المئة من مجمل
الناتج المحلي.
3
ـ أسعار فائدة منخفضة نسبيا ولا يتجاوز عائد
السندات الحكومية طويلة الأجل لكل دولة متوسط
العائد في الدول الثلاث ذات المعدل الأقل
وبنسبة لا تزيد عن 2 في المئة.
4
ـ أسعار صرف مستقرة من خلال الإسهام والية سعر
الصرف.
وفي
عام 1994 أنشئ المعهد النقدي الأوروبي الذي
تحول فيما بعد البنك المركزي الأوروبي ليشرف
على السياسة النقدية للدول الأعضاء، وفي عام
1988 اختيرت الدول المؤهلة لاعتماد اليورو
كعملة أوروبية موحدة عام 1999. أما السويد
وبريطانيا والدانمارك قد تريثت والدول
الاثنتي عشرة في منطقة اليورو هي ألمانيا
وفرنسا واليونان وايرلندا وإيطاليا
ولوكسمبورغ وهولندة وبلجيكا وإسبانيا
والبرتغال وفنلندة والنمسا.. وأصبح اليورو
عملة قانونية منذ الأول من كانون الثاني/يناير
1999 باستثناء اليونان التي انضمت إلى منطقة
اليورو مطلع عام 2001، ومنذ ذلك الحين لم تعد
العملات الوطنية التقليدية سوى أجزاء من
اليورو. وقد بدأ المواطنون مع تلك الدول
التداول بالأوراق والقطع النقدية بالعملة
الموحدة ابتداء من كانون الثاني/يناير لسنة
2002، وتم إصدار أكثر من 15 مليار ورقة نقدية
وأكثر من 25 مليار قطعة معدنية نقدية لفئات
مختلفة لليورو. وبما أن أهمية أية عملة تنبع
من أهمية حجم وهيكل الاقتصاد الذي تمثله فأن
أهمية العملة الموحدة الأوروبية تنبع من حجم
وهيكل الاقتصاد للدول المنضمة إلى الوحدة
النقدية الأوروبية. وللمقارنة بين حجم وهيكل اقتصاد
اليورو وحجم وهيكل كل من اقتصاد الولايات
المتحدة الأميركية واليابان نلاحظ: يفوق عدد
السكان المنتمين إلى الوحدة الأوروبية ما
يزيد عن 300 مليون نسمة مقابل 272 مليون في
الولايات المتحدة و127 مليون في اليابان،
ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لبلدان اليورو
7350.7 مليار دولار حيث يقترب كثيرا من الناتج
المحلي الإجمالي للولايات المتحدة والذي
يبلغ 7783.1 مليار دولار، ويفوق بكثير الناتج
المحلي الإجمالي لليابان والبالغ 4812.1 مليار
دولار. تبلغ حصة الفرد من الناتج المحلي
الإجمالي في بلدان اليورو 23250 دولاراً وفي
الولايات المتحدة 29080 دولاراً وفي اليابان 38160
دولاراً، فحصة الفرد في بلدان اليورو من مجمل
الناتج المحلي أقل من مثيلاتها في الولايات
المتحدة واليابان إلا أن ذلك المؤشر يختلف
اختلافا شديدا حيث يرتفع في بلاد مثل
لوكسمبورغ إلى 44690 دولاراً وينخفض في اليونان
إلى 11640 دولار وفي البرتغال إلى 11010 دولارات،
يتساوى معدل التضخم والذي يمثل 2.6 في المئة في
كل من بلدان اليورو والولايات المتحدة بينما
ينخفض في اليابان إلى ناقص 0.2، يتقارب العديد
من المؤشرات الاقتصادية مثل نسبة الزراعة
والخدمات والاستهلاك الخاص والاستهلاك العام
إلى إجمالي الناتج المحلي عدا ما تمتاز به
اليابان من ارتفاع نسبة الاستثمار البالغة 30
في المئة وانخفاض نسبة الاستهلاك الخاص
والعام، تعكس نسبة البطالة تفاوتا كبيرا في
المناطق الثلاث فبلدان اليورو تعاني معدل
بطالة مرتفع يصل إلى 9.7 في المئة بالإضافة إلى
ذلك فأن بعض بلدان اليورو يواجه معدلات
مرتفعة يصل إلى 12.4 في المئة بفرنسا و12.5 في
المئة بإيطاليا و20.3 في المئة في إسبانيا..
حققت بلدان اليورو فائضا في الحساب الجاري
بلغ 110 مليارات دولار وكذلك الحال بالنسبة
لليابان 95 مليار دولار في حين واجهت الولايات
المتحدة عجزا وصل إلى 166 مليار دولار.
وتشير
البيانات الإحصائية إلى التشابه الكبير بين
الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة
الأميركية من حيث الإنتاج وإسهام كل منها في
الصادرات العالمية. ويحتل إنتاج كل واحد منها
45 في المئة من الإنتاج العالمي و15 في المئة من
التجارة العالمية، بينما تحتل اليابان 8 في
المئة و6.1 في المئة على التوالي. إلا أن نصف
تدفقات التجارة الخارجية مقدمة بالدولار
الأميركي مقابل 30 في المئة بالعملات
الأوروبية و3 في المئة بالين الياباني، وأيضا
يمثل الدولار 37.2 بالمئة من إجمالي حجم الدين
عالميا مقابل 34.5 في المئة بالعملات الأوروبية
و17 في المئة بالين الياباني، ويتضح أن سوق رأس
المال المتمثل بسوق السندات والأسهم يحتل
الاتحاد الأوروبي مركزا يأتي في المرتبة
الثانية عالميا فهو يمثل 28.7 في المئة للسندات
و28.3 في المئة للأسهم مقابل 43.1 و44.3 في المئة
للولايات المتحدة و17.2 في المئة و12.3 في المئة
لليابان ويوجد اكثر من 60 في المئة بعملات
الاتحاد الأوروبي. كما يتم تنفيذ ثلاثة أرباع
القروض المصرفية بواسطة الدولار مما يعكس
الخلل الكبير بين حصة الدولار ونصيب الولايات
المتحدة في التجارة الدولية.
مما
تقدم يتبين التشابه الكبير بين اقتصاد
الاتحاد الأوروبي واقتصاد الولايات المتحدة
إلا أن المشكلة الرئيسية التي تواجه الاتحاد
الأوروبي هي المعدلات المرتفعة للبطالة فيه
وعدم القدرة على اتخاذ سياسة نقدية مستقلة
لمعالجتها لأي بلد داخل الوحدة النقدية
الأوروبية، فالبنك المركزي الأوروبي هو الذي
يتولى الإشراف على وضع السياسات النقدية فيها.
وسوف لا يكون بمقدور الدول الأعضاء أسلوب
تعديل أسعار الصرف استجابة لظروف كل بلد. كما
أن الاندماج الاقتصادي لا يزال متأخرا مقارنة
بالاندماج النقدي، وأن هذا التفاوت يبين إلى
أن الاتحاد الأوروبي لا يستخدم بشكل كامل
قدرته على خلق المزيد من النمو وتحسين قدراته
التنافسية.
ولليورو
مزايا عديدة للبلدان المنتمية إليه، منها
تقليص تكاليف تبادل العملات الوطنية وتجنب
مخاطر أسعار الصرف والإفادة من اقتصاد الحجم
بسبب اتساع السوق ومنع الصدمات الناجمة عن
المضاربات في العملات.
أما
تأثير اليورو في الاقتصاد العالمي فيتمثل في
مدى قدرة اليورو على التأثير لاستخدامه في
المعاملات الدولية وفي مدى الاستقرار الذي
سوف يتمتع به وخاصة انه يمثل إنتاجا ضخما
وسوقا مالية كبيرة كذلك سوف يكون لليورو دور
حاسم في زيادة السيولة النقدية الدولية مما
يجعل كلفة الاقتراض منخفضة وبالتالي زيادة
فرص الاستثمار ونمو الاقتصاد الأوروبي، وفي
ذلك كله تتعزز الثقة باليورو كعملة دولية
مستقرة ومتكافىء حقيقي للدولار ومنافس له
وسوف ينهي الميزة التي انفردت بها الولايات
المتحدة واحتكرتها لمرحلة طويلة، وهي كونها
المصرف لجميع دول العالم بحكم كون الدولار
الأميركي هو عملة الاحتياطات الدولية
الرئيسية، والعملة الكافية لمواجهة متطلبات
التبادلات الدولية وسوف يؤدي هذا التحول إلى
انخفاض الطلب على الدولار قد يجعل الولايات
المتحدة غير قادرة على تغطية العجز في ميزان
مدفوعاتها بالإصدار النقدي مما يضطرها إلى
المزيد من المديونية.
لا
يستخدم الين الياباني بشكل واسع في المعاملات
الدولية وتستخدم اليابان الدولار الأميركي
في تعاملاتها الخارجية وأن ظهور اليورو سوف
يعوق محاولة جعل الين عملة دولية تستخدم بشكل
واسع. ومن المحتمل أن يؤثر اليورو بتدفق
الأموال إلى البلدان النامية من خلال السيولة
النقدية الكبيرة إلى سوق يخلقها اليورو في
السوق الأوروبية، وهذا من شأنه أن يجعل كلفة
الاقتراض منخفضة بتلك السوق وللبلدان التي
لها أصول مالية مقيضة باليور ويمكن أن يسمح
الاتحاد لبعض مؤسساته المالية بتمويل جزء من
استثماراته إلى البلدان النامية.
وأن
نجاح الوحدة الأوروبية في زيادة الإنتاجية
ونمو اقتصادها سوف يجعلها نقطة جذب
للاستثمارات وهو ما يؤدي إلى خروج رأس المال
من الدول النامية نحو السوق الأوروبية أثمان
الديون الخارجية للدول النامية مقومة
بالدولار، فإذا ارتبطت العملة المحلية
باليورو وتعرض اليورو إلى الانخفاض فأن هذا
سوف يعرض سعر صرف تلك العملة إلى الانخفاض
وسوف يؤدي إلى زيادة كلفة خدمة الدين بالعملة
المذكورة.
هل
تسعى الأقطار العربية إلى درء المخاطر عنها
مخاطر الدولار ومخاطر اليورو بالعمل الجاد في
الإسراع بتكاملها الاقتصادي وتحررها من
الهيمنة الأميركية والأوروبية لا نعتقد ذلك
لأنها ارتبطت عمليا بصندوق النقد والبنك
الدوليين وهما يعملان على تثبيت الدولار
الأمريكي والتعامل به!!..
لذلك
يمكن القول والتأكيد أن العدوان على العراق
ومن ثم غزوه يأتي في إحدى مقدمات غزوه
واحتلاله، ولو أن الدول العربية أو عدد منها
على الأقل اقتدوا بالعراق قبل غزوه وهو الذي
سعى نحو الوحدة والحرية في العلاقات التجارية
بين الدول العربية وتخلى عن الدولار في
معاملاته التجارية إدراكا منه بأن التعامل
بالدولار واحد من سمات تأثير قوة أعداء
الإنسانية بقيادة إدارة الشر الأمريكية على
المستويين الإقليمي والدولي، لأن السياسة
الأميركية الإمبريالية مصممة أساسا بالشراكة
مع الصهيونية لإيذاء دول العالم والشعوب
عموما وإيذاء استقلالها ووحدتها، لأن خطة تلك
السياسة والصهيونية العالمية مبنية على
إضعاف القرارات المركزية السياسية للدول في
كل أنحاء الكرة الأرضية لكي تبقى القرارات
المركزية في الاقتصاد والعملة حكرا على
المصارف وبيوت المال الصهيونية وعمقها
الاقتصادي، وقد حذت الصين حذو العراق بقرارها
بالتعامل باليورو، مما أعطى زخما للاتحاد
الأوروبي ودعما لليورو الذي أصبح يعادل أو
يزيد أحياناً قيمة صرف الدولار الأمريكي.. فهل
يعي الاقتصاديون العرب أهمية مواجهة الدولار
الأمريكي في الحرب العشوائية والجنونية التي
تشنها إدارة الشر الأمريكية على العالم
للسيطرة عليه!.. وأليس الأجدى بالدول العربية
اتباع سياسة المصالح والتعاون فيما بينها من
اجل مستقبل أفضل للشعوب ومن ثم التعاون مع دول
الجوار الأقرب وهي أوروبا في مواجهة سياسة
الأمر الواقع الصهيو-أمريكية التي لا بد أنها
ستنهار وتتفكك من الداخل إن عاجلا أو آجلا
نظرا للواقع الاقتصادي المذري الذي تعلن فيه
كبريات شركاتها الإفلاس واحدة تلو الأخرى!!..
وهو أحد الأسباب الأساسية التي تحاول فيها
الإدارات الأمريكية المتعاقبة نقل معاركها
الداخلية إلى الخارج.