العودة

ترددت ثم قررت ثم عدت للتعديل ثانية، وأخيراً اجتزت كل أفكاري وتوقفت أمام حالتي يوم تلقيت نبأ استشهاد أخي "سعد" وأنا في وحشة أفكاري المترقبة والمنتظرة لأي هامش يعطيني فسحة من الأمل، توقفت كل تأملاتي ودعائي ورغباتي وقتها، وصمت العالم، تلعثمت أصوات الأرض ومعها أنفاسي فلم تعد تدري أيهما الشهيق أو الزفير، يومها لم أكن اعلم ان هناك دموعاً كثيرة تسكن عيني مستسلمة بانتظار لحظة الانفجار، لا حين بدأت بالانهمار، يومان كاملان وأنا أرى تلك الدموع لا تفارق وجهي، حتى حين كان التعب يأخذني وأغفو كنت أشهق في نومي واستفيق مذعورة وكأنني أتلقى النبأ الحزين مرة أخرى، واجد دموعاً كثيرة تبلل وسادتي، واكتشف ان البكاء في الحلم اشد وطأة وعذاباً مما هو في الصحو وأقسى لوعة.

واليوم لا أدري ما الذي سأفعله وأنا انتظر خبراً يأتيني من أخي الثاني، أعرف أنه في مكان ما من أرض العراق الغالي وأنه يسكن في ذلك الباطن حقاً في عمق لا اعرف اتساعه إلا أنني أكاد أتصور انغرازه تحت الأرض وكأنه قبر غير مفتوح، يشبه الأهرامات وقبور ملوكها، سيموت أخي كالملك إذن –ولن اعرف قبره أبداً- سيدفن هناك ولن اهتدي لزيارته أبداً، لكن لا، أنا اعرف رقم ساتره –31- هكذا أخبرني قبل ان يغادر وفي عينيه وصايا كثيرة كنت أتسلمها تباعاً كلما انحنى ليقبل صغيرتيه، ولا أدري لماذا شعرت بأن تلك الجمل التي لم ينطقها، كانت موجهة لي وحدي دون أي شخص آخر، أكان يعتقد بأنني قوية بما يكفي لأعاود حفر قبره في عمق تلك الصحراء وجلبه إلى حيث افترش له قبراً يليق باستشهاده، أم أنه كان يوصيني بأن لا أتعمد تذكر ذلك الاستشهاد الأول لسعد والذي هزني ومازال يؤرق أحلامي وأنا أتخيل وجهه الجميل بذلك الرأس المفتوح من الخلف بعد ان مزقته قذيفة لئيمة، كان ذلك حيث حفر استشهاده في قلبي وقلب أخي"علي" أخاديد ذات معان لا أستوعب وصفها كلها دفعة واحدة رغم كل محاولاتي، لكني اشعر بزيادة عمقها كل يوم.

فكيف لي الآن أن أتعايش مع ذلك الاستشهاد الذي ما اندمل بعد.. كيف لي ان أنكأ ذلك الجرح الغائص في أحشائي واستخرجه لأعيد الاحتفاء به كأي شهقة مازالت تراوح بين القلب والصدر ولا تدري كيف ستنساب خارجاً أم داخلاً.

يأخذني ترددي وأنا أواجه السماء واسألها ان كانت تراه هناك في الساتر –13- وهل يراقب هو الآخر تلك الطائرات اللئيمة التي تطارد الحياة-أي حياة- حتى وان كانت لصار يقتات عطشه وارتواءه في ذات اللحظة.

أكاد أراه وهو يفتعل ضحكة تأتيه من أعماق منخورة باليأس يداري بها خجلاً يحاول طرده وهو يشعر باقتراب نهاية ما منه بسرعة رهيبة، اسمع وصاياه تصرخ في جدران عيني التي تسلمتها يوم أطلقها ولم تعد تدري كيف سيكون عليها تنفيذها واحدة اثر أخرى.

تضج الجدران حولي بصخب ليلي متواصل –تتشظى النوافذ ويدخل هواء بارد يطفىء لوعة شمعتي، تنتفض الصغيرتان وتهمس زوجته..

ـ كيف حال الأصوات لديه إذن؟ وكيف ستحتمل أذناه المتعبتان كل ذلك الصوت الصارخ حوله.

وأكاد لا أجيبها، بل أنني أوشك ان اخبرها انه لن يتأذى ولن يسمع أي صوت يعد الآن، فالصمت الذي سيحتويه سيحسر كل الأصوات ولن يدعها تقترب من مهابة رقوده الجليل.

وابقي في وسط اندفاعي بقراري فسحة صغيرة من أمل بأنه قد يأتي سالماً وأن يشتت كل سوداوية أفكاري، وأتلهف للتمسك بأملي أرجوه ان يمتد قليلاً في هواجس فربما انتفض من خلاله والغي تناسخ ذلك الاستشهاد الذي اشعر به يكاد يطرق ذلك الظلام الدامس لباحة الدار ويجعل الجدران تتوهج باللوعة مرة أخرى.

ليت أملي بضآلة انتشاره داخل ذاتي يعطيني اتساعاً امتد فيه بأفكاري التي احلم باستبدالها فلا أستطيع وأحلم بأنها أوهام ليس اكثر فيصدمني هاجس هائل بضبابيته التي تكاد تجعلني أتلاشى فيها.

أضع يدي على شفتي وأنا اكتم صرخة كادت تفلت مني فيما ينهال التراب فوق رؤوسنا دون ان ندري كيف نحصل على زاوية آمنة، قال لنا قبل أن يغادرنا احتموا بالزوايا "فربما أجد أحداً منكم حين أعود" وكانت ضحكته تشبه مشروعاً للبكاء بكل تموجها المنساق عبر حنجرة متحشرجة كأنها تداوي جراحها التي ما نزفت بعد.

أراه يقترب مني يوم استشهد أخي-سعد- ويضع رأسه فوق ركبتي يدفن صوته الشاهق داخل ضلوعه ويضمني كأنه يلجأ لي لأعيد له الزمن قبل ان يأتي ذلك التابوت الملتفع بالعلم في ذلك اليوم النيساني البهي، أراه يقترب ويزيح ظلمة الغرف وصوت ضحكته المنشقة عبر كل معاناتها تنهضني وتعيد لعيني وصايا جديدة –مترفة- مليئة بالغد، ولا ادري لماذا اشعر أيضاً بأنها اشد فرحاً في صدري، أصغي لصوت طرقات تزيح الظلام، تختبىء الصغيرتان وراء زوجته خائفتين، أرى عينيهما وسط أشباح العتمة تتمسكان بي وكأنهما ترجواني أن أفعل شيئاً يطمئنهما، والطرقات تتوالى، والصمت يختبىء وراء أصواتهما..

ـ لا تفتحي الباب.. الظلام مخيف

لكنني اسمع تلك الضحكة، تعلو وتعلو فالهث بكل قوتي التي زرعها داخلي ولا أفكر كيف سأستقبل تلك الضحكة هل سأجدها في جسد وأقف أمامي أم في علم يتوسط باحة الدار، اقترب واقترب والضحكة تصلني ممتلئة بالبهاء، بالأمل، بالزهو، بالغد الذي يجمعنا، فأتعجل بكل قدرتي التي حفزني إليها دوماً، ولا أفكر إلا باحتضان تلك الضحكة كيفما سأجدها أمامي.