العراق
وأسلحة الدمار الشامل
أما
آن الأوان لتوضيح أسطورة حلبجة؟
بطرس
عنداري/كاتب وصحافي عربي يقيم في استراليا
تحدثت
إلى العشرات من السياسيين والإعلاميين
والأكاديميين الغربيين خلال السنوات العشر
الماضية حول الحصار المفروض على العراق الذي
يشكل كارثة إنسانية عالمية لم يعرف التاريخ
أسوأ منها كما انه وصمة عار في جبين العرب
ونقطة سوداء في صميم الحضارة الغربية وخاصة
الولايات المتحدة. وقد استخلصت من أحاديثي مع
هؤلاء انهم يخافون من برنامج العراق النووي
وأسلحة الدمار الشامل التي بحوزة العراق..
وكنت
اسأل كل واحد منهم عن أسلحة الدمار الشامل هذه
وما هي الأدلة التي تفيد أن العراق يمتلكها..
وكنت أتساءل معهم أيضا: هل كان العراق أحجم عن
استعمال هذه الأسلحة ضد الذين دمروه عام 1991 لو
كانت هذه الأسلحة بحوزته؟
في
نهاية المطاف كان هؤلاء يعجزون عن تقديم أي
برهان يؤكد أن العراق يشكل خطرا بالأسلحة
التي يمتلكها أو بما تبقي له من خبرات وقدرات
مادية... وكانت أكثرية السياسيين والإعلاميين
تقول إن العراق استعمل الأسلحة الكيماوية ضد
شعبه وخلال الحرب مع إيران وقد حفظ معظمهم اسم
حلبجة وراح كل منهم يذكر أعداد الضحايا على
هواه أو كما سمعها وقرأها في الصحف والمجلات
وتراوحت روايات هؤلاء عن حلبجة وضحاياها بين
ألف وعشرين ألف ضحية.
إن
التركيز على استعمال الأسلحة الكيماوية في
حلبجة يذكر بالحملات الدعائية ضد جمال عبد
الناصر خلال حرب اليمن في الستينات حيث وزعت
القوى المعادية للزعيم العربي آنذاك ملايين
الصور والبيانات المثيرة والمتناقضة عن
ضحايا الأسلحة الكيماوية في اليمن.. ولكن تلك
الحملة سرعان ما اختفت واضمحلت بعدما رأت
جهات عربية وأميركية إن عبد الناصر لم يعد قوة
مخيفة بعد هزيمة 1967.
إن
أكثرية المعنيين والمسؤولين في دول ثانوية
مثل استراليا لا يعرفون اكثر من ترديد ما
يقوله الأميركيون عن الأخطار التي يشكلها
العراق على جيرانه وعن امتلاكه لأسلحة الدمار
الشامل. لا شك أن ظهور رئيس لجنة مفتشي
الأسلحة (ريتشارد باتلر) في أجهزة الإعلام
الأسترالية قد أثر على الرأي العام لأنه
يتحدث بمرارة سببها الواضح كان طرده من قبل
العراق بسبب تحيزه الذي فضحه زميله (سكوت ريتر)
الذي كشف تعامل اللجنة المذكورة مع إسرائيل
وزيارة أعضائها دوريا للكيان الصهيوني.
لقد
تابعت ما قالته وتقوله أجهزة الإعلام العربي
خلال السنوات العشر الماضية وحاولت رصد
المقالات التي تتهم العراق بامتلاك الأسلحة
الخطيرة وكانت حلبجة دائما هي في الواجهة رغم
أن أحداثها جرت قبل حرب الخليج بثلاث سنوات.
كان
الإعلام العربي خلال وبعد حرب الخليج الثانية
موحد اللغة بالتحامل على العراق إلى حدود
الحالات الخرافية وكأنه يتلقى التعليمات من
مصدر واحد مع استثناءات قليلة. لقد انقسم
الإعلام العربي حول موضوع السلام مع (إسرائيل)
والاعتراف بالكيان الصهيوني ولكنه كان موحدا
بلهجته العدائية ضد العراق... أقول العراق
وليس الحكم العراقي لان ما جري ويجري أصاب
ويصيب العراقيين وليس حكومتهم.
لقد
تمادي الإعلام العربي الذي بدا وكأنه تحت
إمرة أمير واحد في التجني على العراق وتحول
إلى صدي لأحلام وطموحات الحكام.
وبعدما
توفرت لدى مجموعة من المقالات الاتهامية
عددها بالمئات حول حلبجة واستعمال السلاح
الكيماوي، وحول الضحايا وأعدادها التي تقفز
بمئات الألوف بين كاتب وآخر، رأيت أن أضيف إلى
هذا الكم الضخم مجموعة المعلومات التي توفرت
لدي منذ وقوع حادثة حلبجة قبل اكثر من 13 عاما.
في
شهر أيلول ـ سبتمبر ـ 1988 التقيت في منزل صديق
فلسطيني في بغداد ضابطا عراقيا بارزا. وخلال
السهرة قال انه عائد لتوه من حلبجة وقد زارها
بمناسبة بداية عودة سكانها إليها ثانية وبعد
ستة اشهر على جلائهم عنها.
كان
الضابط المذكور قليل الكلام كأي مسؤول عسكري
ولكني استشفيت من أحاديث تلك السهرة بعض
المعلومات الهامة من خلال أسئلة وأجوبة بين
الضابط ومسؤول سياسي آخر كان ضمن مجموعة
السهرة الصغيرة.
ولعل
أهم ما سمعته في تلك الأمسية أن معركة ضارية
دارت بين القوات الإيرانية التي احتلت بلدة
حلبجة العراقية بتاريخ 16/3/1988 والقوات
العراقية وقد استعمل الجيشان السلاح
الكيماوي مما أدى لسقوط ضحايا مدنيين كان
بعضهم يساعد القوات الإيرانية وبعضهم من
الذين لم يقدروا على الفرار من نار القتال.
بعد
ذلك وخلال سنوات عدة تابعت جمع المعلومات عن
حادثة حلبجة التي دفعت إيران الأموال الطائلة
لتسويقها وترويجها عالميا بهدف الإساءة إلى
العراق الذي سبق ووجهت إليه تهمة استعمال
السلاح الكيماوي ضد إيران. وقد نقلت إيران إلى
مستشفيات أوروبا عددا من جنودها الذين أصيبوا
بحروق وجروح بحجة أنها من استعمال العراق
للسلاح المحظور وكان ذلك بهدف دعائي وليس
للاستشفاء.
وربما
تكون رواية الفريق محمد فوزي وزير الحربية
المصرية الأسبق في أحد أحاديثه الصحافية هي
الأقرب إلى العقل من كل الروايات حيث جاء فيه:
لقد صمم العراق منذ مطلع 1988 على إنهاء الحرب
مع إيران وحسمها لمصلحته باستعمال الصواريخ
التي طالت طهران وأصابت أهدافها بدقة ورجح
الخبراء العسكريون أن الحرب دخلت مرحلتها
الأخيرة بعد أن استمرت 8 سنوات.. خلال هذه
الفترة فوجئت القيادة العراقية بمحاولات
إيران لتوسيع الحرب شمالا واجتياح بلدة حلبجة
التي تقع في منطقة جبلية وعرة ولا يمكن لأي
قوة إيرانية أو غير إيرانية أن تصل إلى حلبجة
دون تواطؤ من القيادات الكردية التي كانت
تتعاطف مع إيران ضد وطنها العراق منذ انفجار
الحرب.
وجاء
في حديث الفريق فوزي: كان على العراق أن يحسم
الأمر بسرعة وقد دافع الإيرانيون بشراسة
للاحتفاظ بتلك الثغرة ولكن خطوط الإمدادات
قطعت عنهم وهزموا في المعركة. لم يتطرق فوزي
إلى الحديث عن استعمال السلاح الكيماوي ولكنه
اكتفي بتحليل الأجواء العسكرية والسياسية
التي سادت آنذاك.
من
المؤسف انه لم يصدر أي بحث باللغة العربية حول
أحداث حلبجة ولم تجهد أي جهة أكاديمية أو
عسكرية في العالم العربي نفسها لإصدار دراسة
علمية حول استعمال الأسلحة الكيماوية في
المنطقة.
لهذا
بقيت المراجع الغربية هي الوحيدة التي يعول
عليها في هذا المجال. وقد صدرت في الولايات
المتحدة وبريطانيا عدة دراسات وتقارير
متخصصة حول استعمال الأسلحة الكيماوية في
الشرق الأوسط.
على
الرغم من أن الدراسات والتقارير الأميركية
هدفت إلى خدمة الولايات المتحدة وأهدافها
الاستراتيجية إلا أنها المرجع العلمي الوحيد
حول هذه الأمور.
إن
التقرير الأول حول استعمال الأسلحة
الكيماوية في الحرب العراقية ـ الإيرانية وفي
حلبجة بالذات أصدرته وزارة الدفاع الأميركية
في شهر حزيران ـ يونيو ـ عام 1990 وجاء فيه أن
الأسلحة الكيماوية استعملت من قبل كل من
إيران والعراق طوال سنوات الحرب.
ولكن
الكتاب الذي وضعه كل من البروفيسور مجيد
خدوري والبروفيسور ادمون غريب بعنوان (حرب في
الخليج 90 ـ 91) ونشرته جامعة (اوكسفورد) في لندن
ونيويورك عام 1997 كان الأكثر توثيقا وعمقا
فيما يتعلق بتلك الحرب وقد تطرق الفصل الثاني
عشر من الكتاب الذي لم يترجم إلى العربية كما
يرجح إلى موضوع الأكراد وحلبجة واستعمال
السلاح الكيماوي.
ويعتبر
الكاتبان الأميركيان من اصل عربي من ابرز
علماء التاريخ السياسي الحديث للشرق الأوسط
وخاصة فيما يتعلق بالشأن العراقي وتعتبر
مؤلفاتهما مرجعا عالميا لمعرفة القضايا
الشرق أوسطية عامة والعراقية خاصة. والكتاب
يلقي الضوء بأسلوب موثق على العديد من
القضايا وفي طليعتها ما جرى في بلدة حلبجة عام
1988.
يقول الكاتبان في الفصل 12 صفحة 200 إن كلا من
الزعيمين الكرديين مسعود البارازاني وجلال
الطالباني ساندا إيران عندما انفجرت الحرب
بين العراق وإيران عام 1980 آملين انتصار إيران
لتضغط على العراق ليقدم التنازلات للأكراد..
ويذكر الكاتبان في الصفحة التالية أن جلال
الطالباني الذي كان مسؤولا عن الشؤون
الخارجية في الجبهة الكردية زار واشنطن بعد
دخول الجيش العراقي الكويت عام 1990 وعرض على
المسؤولين الأميركيين تقديم المعلومات
العسكرية في الحرب ضد الحكومة العراقية مقابل
دعم الأكراد سياسيا ولكن الأميركيين رفضوا
الاعتراف بالكيان الكردي وأعربوا عن
استعدادهم لتقديم الأموال والسلاح فقط
لمحاربة بغداد.
إن
هذه الحقائق تؤكد أن الزعامات الكردية أوجدت
حالة عدائية مع بغداد ومع أكثرية الشعب
العراقي بالتحيز المفضوح لأعداء العراق في
الحالات الحرجة والمصيرية.. وهذا تأكيد على أن
الجيش الإيراني لم يكن يجرؤ أو يتمكن من
اجتياح حلبجة الواقعة في منطقة جبلية وعرة
ونائية لو لم يتوفر له دعم من الزعامات
الكردية المذكورة التي ورطت وتورط شعبها مرة
بعد مرة في مآزق وأزمات خطيرة.
ونعود
إلى المقطع الوارد في المؤلف ذاته حول أحداث
حلبجة، ونورد هنا ترجمة حرفية للمقطع الأخير
من الصفحة 200: حيث لم يكن هناك شك بأن حلبجة
كانت هدفا للأسلحة الكيماوية وقد اعتبر
العراق مسؤولا عن استعمالها، فأنه ليس من
الواضح حتى الآن من كان المسؤول عن إطلاقها.
تقول دراسة صادرة عن وزارة الدفاع الأميركية
نشرتها صحيفة الـ (واشنطن بوست) بأن العراق
وإيران استعملا الغازات في الحرب، ولكن
معلومات أمنية حاسمة أظهرت بان إيران قد تكون
الأولي بإطلاق القذائف المعبأة بغاز (السيانيد)
على حلبجة. وقد أفادت الفرق الطبية التي زارت
المنطقة بأن معظم الضحايا قضوا بغاز (السيانيد)..
بحسب الرسميين الأميركيين العراق لم يستعمل
غاز (السيانيد).. ولكننا متأكدون بأن إيران
تستعمله. وهناك دراسة أخرى (أجراها المعهد
الحربي للدراسات الاستراتيجية التابع للجيش
الأميركي. ترجح بأن الجانبين أطلقا القذائف
الكيماوية على حلبجة. لقد اتهم العراق
بالهجوم على حلبجة، ولكنه علم أيضا بأن إيران
استعملت السلاح الكيماوي في عملياتها، وأنه
لمن الممكن بأن تكون العمليات الإيرانية
تسببت بقتل الأكراد. انتهت الترجمة. والمقطع
الأخير استند على معلومات وردت في دراسة عن
القدرات العراقية والأمن الأميركي في الشرق
الأوسط أعدها الخبراء الاستراتيجيون
المعروفون: ستيفن بيليتاري، دوغلاس جونسون،
وليف روزنبرغر، وصدرت عام 1991 عن (كارليل
باراكس).
إن
توضيح أحداث حلبجة لا يبرئ العراق ولا إيران
ولا القيادات الكردية كما انه لا يعيد
الأبرياء الذين قتلوا في تلك الأحداث إلى
الحياة ولا يخفف من معاناة الأكراد العراقيين
عامة.
ولكنه
آن الأوان للدارسين والمثقفين العرب أن
يخرجوا من دائرة التكرار الغوغائي والوقوع
تحت تخدير النهج البعيد عن العلم والتوثيق
مما يعرض التاريخ العربي للتزوير وضياع
الحقائق اكثر من أي وقت مضى.
حلبجة..
حلبجة.. لقد ضاعت الحقيقة إلى حد حمل بعض
الكتاب على القول بأن أحداث حلبجة وقعت عام 1991
وقد انتقم العراق من تلك البلدة بعدما دمرته
الحرب.. وتجنب معظم الكتاب العرب الإشارة إلى
المعركة الضارية التي دارت بين القوات
العسكرية العراقية والإيرانية داخل وحول
حلبجة وحاولوا ويحاولون القول بان ما حدث في
حلبجة كان ضربة انتقامية من الحكومة العراقية
ضد الأكراد..
إن
هذا التزوير الذي استمر ويستمر لأكثر من عقد
من الزمن آن له أن يخرج إلى دائرة الضوء
والتوثيق والكتابة الأكاديمية كما فعل
العالمان البارزان خدوري وغريب اللذين لم
يبرئا أحدا ولكنهما القيا الضوء على جميع
جوانب الحدث ويمكن كشف المزيد من أسرار ما حدث
في حلبجة بطرح الأسئلة مثل: لماذا استهدف
العراق حلبجة دون غيرها من بين مئات وآلاف
البلدات والقرى الكردية العراقية؟.. ويمكن
العمل على كشف دور الزعامات الكردية العراقية
التي تعاملت مع إيران وتواطأت معها ضد العراق
خلال الحرب بين البلدين (1980 ـ 1988) وقد تعاونت
هذه الزعامات ذاتها مع الولايات المتحدة
وإسرائيل وسائر الدول المعادية للعراق خلال
حرب الخليج الثانية وبعدها مما قد يعرض الشعب
الكردي للمزيد من الويلات كما حصل ويحصل له
حاليا على يد الحكم التركي وغيره.
إن
مضى الكتاب والمسؤولين العرب في التطرق إلى
موضوع حلبجة دون محاولة كشف الحقيقة بات قضية
خطيرة تكاد تجعل من الأساطير جزءا من التاريخ
العربي.
أما
ما نقوله ونكتبه ليس للدفاع عن أحد وليس
لتبرير قتل المدنيين في حلبجة أو غيرها ولكنه
محاولة جادة لعرض الحقائق والوثائق حول مسألة
تحولت إلى وهم خدر الكثيرين ووصل إلى العالم
الغربي بأسلوب غوغائي يتسلل ويعمل تحت غطاء
موجة العداء الدولي والعربي للعراق منذ اكثر
من 11 عاما.
لقد
فاتحت أحد الأكاديميين العرب الناشطين في
الولايات المتحدة الأميركية ومن المتخصصين
بالشؤون العراقية والإيرانية أن يقوم بكتابة
بحث حول أحداث حلبجة يرتكز على الوثائق
والدلائل لإظهار الحقيقة.
أجابني
الرجل بأن التطرق إلى هذا الموضوع بحياد قد
يعرض منصبه للخطر كما قال بأن توجيه
الاتهامات إلى الحكم في العراق ضرورة تهدف
إلى التغيير وإسقاط النظام.
انه
لمن المحزن والمخزي أن ينحدر الضمير الثقافي
الأكاديمي إلى هذا المستوى. وسمعت في العام
الماضي أن البروفيسور ادمون غريب يواجه بعض
المضايقات بسبب كتابه (حرب في الخليج 1990 ـ 1991)
بالاشتراك مع البروفيسور مجيد خدوري رغم أن
هذا الكتاب ليس لمصلحة العراق بل أنه تطرق إلى
كشف وثائق يراد طمسها في حقبة الهيمنة
والتأمرك.