مجازفة
(القدس العربي) في ليل عربي طويل
الإعلام
العربي يحل محل الأنظمة بتكريس السقوط القومي
والحضاري
بطرس
عنداري/كاتب وصحفي يقيم في سيدني - استراليا
قلما
شهدت حقبات التاريخ العربي القريبة إجماعا
على قضية محددة وحساسة مثلما نشهد اليوم من
إجماع عربي رسمي وإعلامي على مبايعة الولايات
المتحدة حق احتلال العراق والقبول بالمفوض
السامي الأمريكي ممثلا للعراق بين الزعماء
العرب دون اعتراض أو حياء ودون ان يتطرق كاتب
عربي واحد في الصحف العربية الصادرة في 20 دولة
عربية على رفع صوته واحتجاجه على هذه الكارثة
الأخلاقية قبل ان تكون قومية.
لقد
أجمع العرب على موقف قومي تجاه فلسطين ولكن
صفوفهم سرعان ما تفككت بالتراجع عن تحرير
كامل التراب الفلسطيني إلى المطالبة بدولة
علمانية مشتركة ومنها إلى دولتين أحدهما
دويلة للفلسطينيين وانتهاء بكمب ديفيد
وأوسلو وخارطة الطريق التي انطلقت من إدارة
بوش الابن صاحب نظرية شارون رجل سلام وعرفات
رجل الإرهاب والعنف.
ان
من راقب دور الإعلام العربي المكتوب والمرئي
خلال فترات الحرب الأمريكية لاجتياح العراق
واحتلاله يصاب بذهول ودهشة للتحول الذي أصاب
هذا الإعلام وكيف تمت برمجته ليؤدي دورا كان
الحكام سابقا يؤدون معظم فصوله.
ان
جميع الفضائيات العربية والصحافة الصادرة
على ارض الوطن بمحمياته الأمريكية العشرين لم
تعترف حتى الساعة وربما لم تشعر بان العراق
يخضع للاحتلال والإذلال وتداس كرامة أبنائه
ومقدساته وفتحت جميع أبوابه وطرقه للصهاينة.
ففي
الولايات المتحدة مراكز دراسات وأبحاث
للتوجيه الإعلامي وعلم غسل الأدمغة تضم كبار
علماء النفس والاجتماع والسياسة وعلم
الأجناس. وترفع هذه المراكز دراساتها إلى
الإدارة التي تعمل بوحيها ووفق توصياتها.
وقد
ورد في مجموعة التوصيات المتعلقة بمشروع
القرن الأمريكي الجديد الذي انطلق عام 1997
وكان وراءه غلاة صقور الاحتلال والتوسع الذين
يصَيرون الإدارة الحالية بان يعطي دور رئيسي
وهام للفضائيات العربية وللصحافة قبل رجال
الحكم، كما ورد في التوصيات ضرورة التركيز
على أجهزة الإعلام الخاصة غير التابعة للدول،
لان الإعلام الرسمي عند العرب غير موثوق به
حتى من أهل الأنظمة أنفسهم.
ومن
المعروف ان مشروع القرن الأمريكي الجديد تقف
وراءها مجموعة اليمينيين المتطرفين منهم:
تشيني، رامسفيلد، ريتشارد بيرل، بول
ولفووتيز، ووليم كريستول وغيره.
وقد
تأكد من خلال مراقبتنا ان أجهزة الإعلام
العربي تجاوبت مع الدعوة الأمريكية
والخليجية إلى ابعد الحدود. وقد ورد في
التوصية الأمريكية ما يلي: من الضروري ان تركز
أجهزة الإعلام وخاصة الفضائيات وكتاب
المقالات والتعليقات على الموبقات والجرائم
التي ارتكبها نظام صدام حسين بشكل يومي
وتكرار التعليق على المقابر الجماعية وضحايا
الأسلحة الكيماوية وعلى أحداث القتل
والاعدامات والتحكم الفردي بمقدرات العراق،
دون نسيان الحديث عن القصور الفخمة والبذخ
والإسراف، وذلك من اجل صرف النظر عن الاحتلال
الأمريكي ومنع الإعلام من اعتبار عملية تحرير
العراق احتلالا ثابتا... . وقد سبقت الصحف
والفضائيات العربية الرغبة الأمريكية فصرخ
مدير عام إحدى صحف لبنان البارزة: لماذا الهلع
العربي من الهجوم الأمريكي على العراق؟.. ألا
يريد العرب الديمقراطية؟.. ألا يريدون إزاحة
نظام صدام التعسفي؟..
وقال
كاتب آخر في نفس الصحيفة ان صدام كان خلال
ترؤسه جلسات حكومته يخرج إلى غرفة مجاورة
لبضعة دقائق يقوم خلالها بإعدام بعض مناوئيه
ثم يعود إلى إكمال الاجتماع وفي يده سيكار
هافانا!.. وشن كاتب آخر في صحيفة دولية هجوما
على جميع أجهزة الإعلام العربي وقال ان هذه
الأجهزة صمتت طويلا عن جرائم صدام لأنها كانت
تتلقى أموالا منه (هكذا).. ويعمل الكاتب
اللبناني المذكور في صحيفة يصدرها أحد
الأمراء بخسارة سنوية تتجاوز المائتين مليون
دولار تدفع من المال العام.
ولن
نقول جديدا إذا ذكرنا ان جميع الصحف العربية
في 20 محمية عربية أمريكية ومن المحيط إلى
الخليج عاجزة عن تسديد نفقاتها، والصحيفة
التي لا تملكها الدولة تتلقى هبات من مصدر
واحد وان تعددت رؤوسه. وبعد إنجاز مهمة احتلال
العراق وتدمير الدولة ومؤسساتها وإشاعة
أجواء الرعب والفوضى والنهب المنظم والمدروس
من قبل أفواج دخلت مع الاحتلال وأذنابه أبرزت
أجهزة الإعلام العربية توجها جديدا ورد في
مقالات اكثر من عشرين كاتبا في عدة أقطار
وكانت الأفكار متشابهة إلى حد بعيد. والتوجه
الجديد هو: ان الذين اعتبروا العراق دولة
محتلة ورفعوا أصواتهم مطالبين بخروج القوات
العراقية هم مجانين حقا.. فماذا يحصل إذا
انسحبت القوات الأمريكية من بلد مسيب بدون
حكومة، بدون جيش أو شرطة، بدون إدارات محلية
أو تربوية؟.. وحذر بعض هؤلاء من أخطار انسحاب
الأمريكيين لأن العراق بلد طوائف ومذاهب
وأقليات قومية وإثنية قد يأكل بعضها الآخر في
صراعات داخلية دموية ومريرة فيما لو انسحبت
قوات بوش.
وقد
شطح أحد كتاب مصر البارزين والذي يعطي نفسه
لقب مدير إحدى مراكز الدراسات إلى حد ابعد
فقال ان سقوط صدام حسين يشبه سقوط هتلر ولكن
هتلر كان مدعوما بثقافة سياسية هي الحزب
النازي فيما اعتمد صدام على فكر البعث الفارغ!..
هل تصدقون ان الإسفاف يصل إلى هذا الحد بكاتب
معروف في صحيفة مصر الأولى؟
وبدون
أي حياء أو خجل اظهر عشرات الكتاب والمفكرين
العرب تشفيا وسخرية ردا على هزيمة العراق
وكأنهم كانوا ينتظرون من شعب جائع، محاصر
ومحطم ان يقهر اقوي آلة دمار عرفها تاريخ
البشر، ويعتبر هؤلاء حاليا ان المقاومة
العراقية للاحتلال الأمريكي ـ الصهيوني ليست
اكثر من أعمال تخريبية لبقايا حزب البعث
وأنصار صدام حسين.. نعم إلى هذا الحد بلغ
الاستخفاف بالشعب العراقي العريق بحضارته
ووطنيته.
وحتى
لا نظلم أحدا نحيي كتاب مصر والأردن وصحيفة (القدس
العربي) الذين شعروا بأن هزيمة العراق هي
هزيمة عربية شاملة وخسارة افظع من خسارة
فلسطين. وندرك مدى المضايقات التي يواجهها
هؤلاء بسبب آرائهم.
وحتى
يشعر الرأي العام العربي بقربه الدائم من
الراعي الأمريكي تستضيف الفضائيات العربية
يوميا المسؤولين الأمريكيين المؤيدين
للإدارة وتستضيف أيضا الرموز العربية
المشجعة والداعية للاحتلال الأمريكي مثل
فؤاد عجمي واحمد الجلبي وعدنان مكيه وغيره.
ويكمل
حكام المحميات دور الإعلام بعد ان كان دور
الإعلام يأتي ثانية.. فنرى الجنرال تومي
فرانكس يتقبل وسام البطولة الأعلى من ملك
محمية البحرين ثم ينتقل إلى القاهرة ليستقبله
الرئيس مبارك، ويهنئه على النصر الباهر ضد
العدو المشترك صدام حسين.
قال
لي صديق يقيم في الولايات المتحدة ويعرف
الكثير عن أهل القرار هناك ما يلي: ان الزلزال
في العالم العربي لم ينته بعد والأشهر الخمسة
القادمة ستشهد الكثير من التطورات لأن مجانين
واشنطن باتوا سكرى الهوس بالنصر والاجتياحات..
ومما
قاله لي البروفيسور الصديق عبر الهاتف: لست
أدري لماذا لا تستضيف الفضائيات العربية
شخصيات أمريكية بارزة معارضة لجموحات بوش مثل
السيناتور بيرد والعشرات غيره مثلما تفعل
فضائيات (بي. بي. سي.) وحتى (سي. أن. أن.) وغيرها؟
في هذه الحقبة المظلمة جدا التي تبدو فيها
صحيفة (القدس العربي) وحيدة في ليل عربي طويل
نتذكر الكاتب العربي العملاق عبد الله
القصيمي رحمه الله عندما كان يفجر مراراته من
تخاذل وتخلف الإنسان العربي قائلا: فظيعة،
فظيعة هي جنايات الإنسان العربي على الكون
والعالم وعلى كل شيء ان كان هو الذي حرم
العالم والكون وكل شيء من تحديق إلهه وخالقه
فيه.. وقال صاحب كتاب (أيها العار ان المجد لك).
أيها النفط، أيها النفط العربي كم أنت ظالم،
كم أنت مفسد، كم أنت مسيء إلى سمعة العرب، إلى
تاريخهم، إلى آبائهم، إلى أربابهم وأبنائهم،
إلى عقولهم وأقلامهم ومساجدهم ومصاحفهم؟..
حبذا
لو استطعت إعادة نشر كتب القصيمي وتوزيعها
مجانا على جميع العرب لعلها توقظ في داخلها
الحس الإنساني والجرأة والأخلاق ونتمكن من
إعادة بعضهم إلى الحياة.
نبت
القصيمي في الصحراء السعودية ومات مشردا
منفيا بين بيروت والقاهرة وأوروبا ولكنه كان
مقاتلا من اجل الحرية والانفتاح والكرامة
والتواضع والعلم.
لقد
ضاقت مساحات الوطن وأجواؤه وتقزمت منابره
وصحفه وفضائياته وانفردت (القدس العربي)
فدائية نائية ولكنها قريبة مثلما كان عبد
الله القصيمي الذي اعتبر العرب ظاهرة صوتية.
إننا
أيها المعلم البعيد ـ القريب والغائب الحاضر
لا نملك سوى هذه الكلمة عبر هذه الصحيفة
المجازفة، هذه الصحيفة التي باتت هدفا
للسياسيين والمثقفين العائدين بحماية الجزمة
الصهيو ـ أمريكية والحالمين بأمجاد لن ترى
النور.
عن
(القدس العربي)